متى ينتصر العلم على “كورونا”؟

متى ينتصر العلم على “كورونا”؟
بقلم د. سالم الكتبي
كعاصفة هائلة واعصار جامح، اجتاح فيروس “كورونا” العالم أجمع في توقيت قياسي وسرعة بالغة، تسببت في حالة غير مسبوقة، على الأقل في العصر الحديث، من الذعر والهلع والخوف العالمي. وإذا كانت الأزمة تتطور بوتيرة متسارعة، فإن مسارات هذا التطور ومآلاته لا تزال غير واضحة، فطالما أن العلم، شرقاً وغرباً، لا يزال يقف عاجزاً عن ايجاد مصل مضاد أو علاجات شافية، فإن الحديث عن انتهاء الخطر يبدو سابق لأوانه، وبالتالي يبقى الحديث عن سيناريوهات نهاية الأزمة قفزاً على الواقع، بل ربما قفز إلى المجهول وحديث تنتجه أجواء “الحظر” و”العزل” التي فرضت نفسها على النخب وشعوب العالم كافة.
الأرقام المتزايدة للخسائر البشرية والتوقعات التي تصدر بين الفينة والأخرى حول سقف الخسائر ونهايات الأزمة لا تبعث كثيراً على التفاؤل، وكذلك الخسائر الاقتصادية التي اعتقد أنها لا تزال بعيدة جداً عن الحصر والقياس الكمي والاحصائي الدقيق، أو حتى شبه الدقيق، لأن تداعيات الأزمة لم تصل لذروتها بعد، بل إن سبل الخروج منها قد تكون أشد كلفة مما هو حاصل الآن في ظل ما حدث من ارتباكات واغلاقات جبرية للقطاعات الاقتصادية من دون أي استعداد أي جاهزية مسبقة.
دائماً، وكعادة الأزمات على مدار التاريخ البشري، هناك رابحون وخاسرون، ويتسابق الكثيرون الآن لرصد هذه الشريحة وتلك، ولكنني اعتقد أن مثل هذه الحسابات تتعلق بأفراد وشركات ومؤسسات ، ولكن على مستوى الدول يمكن القول بكل أريحية أن الجميع خاسرون في أزمة “كورونا”، فلا يمكن القول أن الأزمة التي وقع بها الاقتصاد العالمي يمكن ان تكون فرصة لطرف ما، فالاقتصادات جميعها دفعت وستدفع كلفة باهظة لأزمة “كورونا”.
أمل البشرية الآن بات معلقاً بتقارير المختبرات الطبية المتخصصة، وبنبأ مؤكد حول ايجاد لقاح يمكن أن يتاح لسكان العالم قريباً ويقيهم من فيروس “كورونا”، فالأخبار المتسارعة حول اتساع دائرة تفشي الجائجة تصيب الملايين حول العالم بمزيد من الذعر والقلق، لدرجة أننا نسمع عن أناس مشهورين هربواً بعائلتهم إلى القطب الشمالي في عزلة ذاتية لتجنب الاصابة بالفيروس!
انتصار العلم على هذا الفيروس قد يكون ايذاناً بانتصار حضارة على أخرى، وقد يكون نتاجاً لتعاون بين دول عدة تنتمي لحضارة واحدة، غرباً أو شرقاً، فقد بات من الصعب أن نحلم أو نتوقع بأن الانتصار في هذا الحرب سيكون نتاجاً لتعاون دولي جماعي في ظل العداء الواضح والاتهامات المتبادلة غرباً وشرقاً عن مسؤولية “تخليق” ونشر “كورونا”.
الأغلب أن العالم لن يقف على حقيقة انتشار “كورونا” ولن تظهر الحقائق المؤكدة التي تنهي موجة الشائعات والأقاويل التي تتردد في أرجاء العالم في هذا الشأن، ولكن المؤكد أن العالم سيستفيق ويدرك بشكل أكثر عمقاً أهمية البحث العلمي والتطور في هذا المجال، لأن التهديدات الأشد فتكاً، لم تعد تأتي من أسلحة نووية، في ظل توازن القوى وتأثير عامل الردع المتبادل وإدراك خطورة استخدام هذه الأسلحة الفتاكة، بل يتوقع أن تأتي من مصادر غير مرئية او يصعب قياسها بدقة مثل التغير المناخي والفيروسات والاوبئة والحروب البيولوجية، التي تمثل السيناريو الكارثي الأكثر تهديداً للبشرية.
وحتماً، ومثلما فعلت الحرب العالمية الثانية فعلتها بانشاء نظام عالمي جديد تجسد في الأمم المتحدة التي نشأت على أنقاض ماكان يعرف بعصبة الأمم التي فشلت في تفادي قيام حرب عالمية، ولأن جائحة “كورونا” تمثل أخطر ما يواجه العالم منذ نحو سبعة عقود، فإن انقشاع غبار هذه الحرب سينتج معايير وقواعد جديدة للعلاقات الدولية، والأمر هنا قد لا يفضي بالضرورة إلى زوال الأمم المتحدة ونشأة منظمة جديدة، وتكرار سيناريو الاربعينيات من القرن الماضي، لأن الصراع لا يدور بين فريقين سوى في المختبرات الطبية، بل يتمحور حول فريق سيحقق انتصار على فريق في التعامل مع أشد الأزمات وظروف الطوارىء صعوبة وقساوة.
قد يكون من نتائج هذه الحرب العالمية ضد “كورونا” أيضاً مراجعة المفاهيم الكلاسيكية المتعارف عليها في السياسة وعلم الاقتصاد، ولاسيما ظاهرة العولمة التي اهتم العالم بمردودها الاقتصادي الايجابي ولم يفطن مطلقاً لتأثيراتها السلبية في اوقات الأزمات وما يتطلبه ذلك من آليات تعاون جادة تحول دون انتقال الأمراض والاوبئة بنفس وتيرة وتسارع وسهولة انتقال المسافرين وحركة النقل والبضائع والتجارة.
بعد نحو مائة عام من تفشي الانفلونزا الاسبانية عقب الحرب العالمية الأولى ووفاة حوالي 50 مليوناً، وإصابة نحو 500 مليون شخص حول العالم بالعدوى (ثلث سكان العالم آنذاك)، أي قتلت نحو 10% من المصابين بها، لتكون بذلك الوباء الأشد فتكاً في التاريخ، عادت الأوبئة لتمثل التهديد الأخطر للبشرية، ولكن الأمل باق في انتصار العلم بشكل سريع وألا تستغرق “كورونا” السنوات الأربع التي احتاج العالم اليها للانتصار على “الانفلونزا الاسبانية”. والمأمول أن تكون المكالمة الهاتفية التي جرت مؤخراً بين الرئيسين الصيني شي جينبينج والأمريكي دونالد ترامب، نهاية للاتهامات المتبادلة بين البلدين حول مسؤولية تفشي فيروس “كورونا”، وبداية للتعاون والتوحد والاصطفاف الدولي الجاد في محاصرة هذه الجائحة الخطيرة التي تهدد العالم بأكمله.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close