خواطر صادقة وراجية مع اقتراب الأسبوع العظيم المقدّس

بقلم: سيادة المطران عطالله حنّا
رئيس أساقفة سبسطيّة للروم الأرثوذكس – القدس

صلينا المديح الأخير لوالدة الإله مريم القديسة الأقدس من كلّ القديسين مساء يوم امس والأبواب مغلقة بسبب الإجراءات المشدّدة. كانت الصلاة حزينة بسبب من عدم وجود شعب الله معنا وفي كنائس الله المقدّسة. في المبدأ الإيمانيّ، كلّ صلواتنا تقودنا إلى الفرح، إلى القيامة، إلى وجه الله المضيء بالنصر، المتوّج حياتنا بالخلاص، وهو الساكب في جوفها الحياة الأبديّة. فإذا كنّا مع والدة الإله، نكون مع الفردوس ونستقرّ فيه متلألئين. ومريم، وفي هذه الأزمنة العجاف، تمنحنا التعزيات وتسكب في نفوسنا الطهر، وبه نغلب الآثام، كما بالصليب نغلب الأوبئة والموت، ونعلو من التراب إلى الضياء، ونقفز من الليل إلى النهار، وننتقل من الموت إلى الحياة.
لقد تذكرنا لبرهة ونحن نصلّي والأبواب مغلقة، ومن دون شعب، كيف كان الرسل الأوّلون المنطلقون من وجه يسوع، يصلّون ويجتمعون في العليّة والأبواب مغلقة، والعليّة هي الكنيسة، خوفًا من اضطهاد اليهود لهم. كانوا يبحثون عنهم ليقتلوهم، بل ليستمروا في قتل يسوع وذبحه بهم، حتى لا يعلن أحد منهم أنّه قام خقًّا قام. نحن اليوم نصلّي في كنائس أبوابها مغلقة، ليس فيها وجوه تسبّح الله وتمجّده ببِشر وفرح، بسلام وبهاء. هل تتدفّق الينابيع بلا وجوه؟ أليست هي الهدف حتى ترتوي وتغتسل لتصير جديدة نقيّة؟ كيف تغتسل بموسم بهيّ وعظيم وهي بعيدة في البيوت خائفة وخاشية من وباء غير منظور؟ هل يعقل أن يغلب “إله الموت” من جديد قيامة المسيح فينا، هل يمكن أن ينتصر على الحياة فينا ونحن “قياميون”، وكأنه أعدّ لاضطهادنا وقتلنا ورمينا في العبث بلا بعث؟ نحن نبدو وكأننا عدنا إلى لحظة المسيحيّة الأولى المكتنفة بالشدائد والاضطهادات والمخاوف، ولسان حالنا يقول مع بولس الرسول: “ما من جوع وبرد وحروب واضطهادات تبعدنا عن محبة المسيح”.
ممّا لا شكّ فيه بأنّ الدعوة إلى أخذ الحيطة والحذر، وعدم التنقّل بصورة عشوائيّة، رسالة نبيلة وطيّبة، بإمكانها أن تعيننا وتطمئن نفوسنا، وتزرع في بيئاتنا تضامنًا إنسانيًّا جديَّا بين العالم، تحمي كلّ فرد من قدرة انتقال العدوى لكون انتشار الوباء التاجيّ، بالشكل والمضمون، سريعًا للغاية. فالمشكلة كما أعلن الأطباء والعلماء غير مرّة ليست مع الوباء بذاته بل مع سرعة انتشاره، والسرعة المباغتة فاتكة وقاتلة. نستدلّ على طبيعته من كثافة أعداد المصابين بالوباء، وعدد قتلاه في العالم كلّه، وبخاصّة في أميركا وإيطاليا وإسبانيا. وحدها الصين قدرت على الخلاص منه، بسبب التزام المواطنين الحجر في البيوت، واليوم تحذو روسيا حذوها على الرغم من ضآلة الإصابات، والدول الراقية تمنح أبناءها المال والطعام والشراب والأدوية الطبيّة والسوائل المعقّمة حتى يثبتوا في المنازل ويصمدوا ويصبروا.
ما من ريب أن كلّ إجراء من هذا النوع مغبوط ومبارك، ويفترض بالمواطنين في دول المشرق، أن يتفهموه ويواظبوا عليه بلا أنين واضطراب وجزع ورعب. فالدراسات الواردة إلينا تفيد عن قدرة واضحة بالتغلّب عليه، بما ظهر إلى الآن من عقاقير تملك صفة الإبراء. فإذا صمدنا في البيوت لفترة وجيزة فإنّنا نبرأ ونخلص مع تناول المرضى لدواء الChloroquine، فهو، وبحسب ما أظهره البروفسور راوول ديدييه مكتشفه، قادر أن يشفي المريض بفترة خمسة أيام، وفي لبنان الحبيب، ظهرت بعض الشفاءات في عدد من المستشفيات، وهذا عينًا يبشّر بالخير.
يقودنا هذا إلى الدعوة بأن نصمد في الحجر قليلاً ونصبر بعض الشيء، ومتى تمّ تناول المرضى هذا الدواء فإنّنا نكون نقلّص عدد المصابين به، وتنطلق مجتمعاتنا المشرقيّة إلى العافية والخلاص منه. فنحن جميعنا مسيحيون ومسلمون على ابواب الأسبوع العظيم المقدّس والفصح، وعيد الفطر. هذا يستدعي منا الفهم، بأنّه متى قبلنا البقاء في البيوت فإننا نمنح الفرصة لنفوسنا بعدم اقتحام الفيروس لنا ولعائلاتنا، ونساعد الآخرين بعدم انتقال العدوى إليهم، المطلوب في هذا الطروف أن نساعد بعضنا، حتى نتمكّن من الاشتراك بكلّ الصلوات المشتهاة والمرتجاة في هذا الموسم، والتي تنقلنا من هنا إلى الهناك، أي من الأرض إلى السماء.
هذا لا يعفينا نحن بدورنا من التساؤل، ومن بعد مشهد صلاة المديح من دون مؤمنين، وكانوا ينتظرونها بفرح وشوق ليحتفلوا بوالدة الإله مريم العذراء، لماذا لا تعمد الكنائس بأخذ إجراءات عمليّة وفعليّة وفعّالة حتى يسمح للمؤمنين بالصلوات؟ فالأسبوع العظيم هو أقدس أسبوع في تاريخ المسيحيّة كلّها، فعليها بني التاريخ الجديد، وبغيرها لم يكن شيء مما كوّن. فالناس على سبيل المثال، تذهب إلى أمكنة فيها اكتظاظ كبير كالسوبرماركت لشراء الحاجات، وكثيرون وضعوا الكمامات الطبيّة ولبسوا الكفوف حماية لهم، وثمّة من يأخذون حرارة الجسم للتأكّد من الصحة وخلوّ الأشخاص من الوباء، فلماذا لا يتمّ ذلك في كلّ الكنائس لتطمئنّ قلوبنا جميعًا. كيف نقبل إيمانيًّا أن تقفل الكنائس في الأسبوع العظيم المقدّس، أليست المناولة الإلهيّة تعطى لشفاء النفس والجسد ولمحو الخطايا البشريّة النفسيّة والجسديّة، أليست الصلاة على الزيت المقدّس مخصّصة لشفاء المرضى وهي تقام في عدد من الكنائس في المشرق في الأسبوع العظيم المقدّس؟ كيف تبرّر القيادات الروحيّة على مختلف رتبها كلّ الدعوات التي تطلقها بعدم المجيء إلى الكنائس؟ ماذا سنقول غدًا للمؤمنين بعد نهاية الوباء، وبإذنه تعالى، في لحظات الكسل والتقاعس الممكنة والواردة؟ هل نقبل بتثبيت لاهوت البقاء في البيوت والصلاة فيها وحدها لأن يسوع بدوره موجود فيها؟ ألا يبكّتنا ضميرنا بهذا الإغلاق في اللحظة الأقدس في تاريخنا.
من هنا لا بدّ من التفكير بحل متوازن يوائم بين الحماية في المنازل والحماية في الكنائس خلال صلوات الأسبوع العظيم المقدّس وقدّاس العيد، وفي كل الآحاد المقبلة. كلمة “خلّيك بالبيت”، لا يفترض أن تتحوّل إلى ثقافة تفصل بين الناس وتمزّق جسد المسيح بشعبه. فالترويج لثقافة “خلّيك بالبيت”، وبحال استدامة الوباء طويلاً، “قد” يبيّت في جوفه هدفًا خطيرًا يتمثّل بديمومة فصل المجتمعات وتمزّقها اجتماعيًّا وأسريًّا وروحيًّا وفكريًّا وثقافيًّا في النظام الجديد، أي نظام ما بعد كورونا. فالبقاء في البيت في المدى المنظور، وكما أسلفنا، عمل نبيل في هذه اللحظات، ولكنّه، وعلى المدى البعيد بالاستدامة من دون حلول أو آفاق على كلّ المستويات قادر أن يتحوّل إلى منحى آخر خطير وغير مقبول.
وحتى لا يحرم المؤمنون من المساهمة بآلام الرب والسجود لها أمام صليبه، والمناولة الإلهية والفرح بالفصح العظيم، نقترح أن يصار إلى تعقيم الكنائس، واختيار فرق تتولّى فحص المؤمنين الداخلين إلى إليها، ووضع المعقّمات على مداخلها وفي هياكلها وعلى قراياتها حيث يقف المرتلون، كما بإمكان المؤمنين أن يدخلوا إلى الكنائس واضعين على وجوههم الكمامات والكفوف، لا شيء يمنع من ذلك، ولا بدّ هنا من التوجّه إلى كبار السنّ، وإلى من يشعر بالرشوحات على انواعها، وحفاظًا على نفسه وعلى سواه بأن يلتزم البيت، فيكون التزامه بهذا المعنى تصرّفًا نبيلاً وقربانًا حيًّا مقدّمًا على مذبح الرب المبارك. وعلى هذا نقترح على أصحاب الغبطة والسيادة، بأن ينسّقوا في هذا الأمر مع السلطات الرسميّة والجهات الطبيّة وهي مشكورة على جهودها المبذولة وجهادها في كفاح الوباء، في دول المشرق كافّة لفتح الآفاق مع إمكانية أبواب الكنائس، وبعض الدراسات أثبتت، وبلا ريب، بأنّ تلك الإجراءات بحال أخذت بصرامة، قد تمنع من انتقال العدوى بين المؤمنين. فما هو سائد في السوبرماركت والمصارف وبعض الدوائر يسري بدوره على الكنائس. لا تسمحوا “لإله الموت” بالتغلّب على يسوع الناهض من بين الأموات، الراسخ في التاريخ، والمتأصّل في الحاضر والمستقبل والساكن في كلّ نفس بشريّة اتخذته عريسًا لها، والراقد في ليل الثقافات والأديان كما كتب كبيرنا المطران جورج خضر أطال الله بعمره. لا تسمحوا لإيمان المؤمنين بأن يتزعزع، لا تسمحوا للخوف بأن يتسلّل ويقودنا إلى الانهيار ومن ثمّ إلى التمزّق والفراغ.
فبقدر ما ندعو لالتزام الوقاية في المنازل بالمقاييس التي قلناها، فإنّنا أيضًا نشعر بالظلم تجاه أنفسنا وتجاه المؤمنين الملتزمين بحبّ يسوع، وعليه فإننا نقترح وندعو إلى فتح الكنائس بمقاييس الحماية ومعاييرها حتى نحيا بفرح الرب ومجده في هذه اللحظة الملكوتيّة العظيمة المتنزّلة في دنيانا.
فيا والدة الإله العذراء والأقدس من كلّ القديسين، اغفري لنا عدم وجود الشعب في مديحك الأخير. أرجوك يا حنيننا إلى الملكوت، ويا فردوسًا متكلمًا فيه الطيب الذي لا يفرغ والمنسكب عليه دائمًا، ويا حبّ الله فينا، ابتهلي إلى الحبيب الإلهيّ، أن يزيل عنّا هذا الوباء بصورة جذريّة ونهائية، ويغفر لنا كلّ خطايانا ويمحو آثامنا، ويرحمنا بعطفه وحنانه، ويسمح لنا بأن نكون مشاركي آلامه ومتلقين انوار القيامة، ونثبت إلى الأبد في مجده الأقدس.
يا والدة الإله العذراء صلّي لأجلنا. آمين.

السبت 4 ابريل 2020

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close