هل يجب ان نتخلى عن بعض حرياتنا الشخصية للتغلب على فايروس كورونا؟

ترجمة:د. رمضان مهلهل سدخان

في أواخر كانون الأول عام 2019، أرسلَ الدكتور لِي وينليانغ، طبيب العيون في مستشفى ووهان المركزي، رسالة وي چات WeChat إلى مجموعته التي تضم خريجي كلية الطب السابقين يخبرهم فيها بأن سبعة أشخاص يعانون من أعراض حادة في الجهاز التنفسي وأعراض شبيهة بالإنفلونزا قد تمَّ إدخالهم مؤخراً إلى المستشفى. ثمة شيء واحد مشترك بينهم، إلى جانب أعراضهم، هو أنهم جميعاً زاروا سوقاً محلية رطبة في وقت ما من الأسبوع السابق.

كان المرض يحمل شبهاً غريباً بالسارس، ولكن مع وجود جانب جديد أيضاً؛ فهل يمكن أن يكون هذا تفشيّ مرضٍ جديد؟ إذا كان الأمر كذلك، فما الذي ينبغي عمله؟

ولكن قبل ان يتمكن أيّ من الأطباء من اتخاذ إجراء أو تحذير يبلغ به وسائل الإعلام المحلية، قامت شرطة ووهان بإغلاق خط الدردشة واتّهموا لِي بنشر الشائعات. علماً لم تكن الدردشة في منصة عامة؛ بل كانت ضمن مجموعة مغلقة. لكن بوسع الحزب الشيوعي الصيني التجسّس على أي نشاط على الـ WeChat ومراقبته واعتراضه. فبالنسبة للشعب الصيني، لا يوجد شيء اسمه محادثة خاصة.

الشرطة أعطت الدكتور لِي إقراراً خطيّاً يفيد بأنه نشرَ معلومات كاذبة وأخلّ بالنظام العام. وأمروه بالتوقيع على هذه الوثيقة ليتراجع عن تحذيره بشأن الفايروس ويتوقف عن إخبار الناس بوجوده، وإلاً سيُزَجّ في السجن.

لذا فعلَ ما طلبوا منه. وبعد أكثر من شهر بقليل، أي في 7 شباط، توفي الدكتور لِي بسبب فايروس كورونا الجديد في المستشفى نفسه الذي كان يعمل فيه – فقد أصيب بالفايروس أثناء محاولته علاج المرضى، الذين استمروا في التدفق إلى المستشفى طوال شهر كانون الثاني.

وبحلول هذا الوقت كان الحزب الشيوعي الصيني قد دخل معترك هذه الكارثة، وأصبح غير قادر على إنكار وجود الفايروس عندما بدأ مئات ثم آلاف من الناس يعانون من المرض. ودخلت قيود السفر والحجر الصحي حيّز التنفيذ – ولكن كان الأوان قد فات. وحتى كتابة هذه السطور، طالّ الفايروس 168 بلداً وقتل ما يقرب من 000 ,21 شخص. المدارس والشركات مغلقة. ونحن محجورون في منازلنا. اما الاقتصاد فهو يتلقى ضربة هائلة يمكن أن تؤدي به إلى الكساد.

ما مدى اختلاف وضعنا الحالي لو كان الحزب الشيوعي الصيني قد التفتَ الى تحذير الدكتور لِي بدلاً من إسكاته – أو لو كان الفايروس قد أكتُشِف لأولّ مرة في بلد يمتلك صحافة حرة؟

قال أليكس غلادشتاين، كبير مسؤولي الاستراتيجية في مؤسسة حقوق الإنسان “ان الناس يقولون بأن الصين قامت بعمل جيد فى التعامل مع الفايروس. وأنا لا أوافق على ذلك، لأن وجود هذا الوباء العالمي الآن هو بسبب الرقابة الصينية والطبيعة الشمولية للحكومة”.

في الأسبوع الماضي في القمة الإفتراضية التي عقدتها جامعة سنغيولارتي حول كوفيد-19، أشارَ غلادشتاين إلى ما يمكن أن نتعلمه من استجابات الحكومات المختلفة لهذا الوباء – وحثّنا على مراقبة حرياتنا عن كثب مع ما تُسفر عنه هذه الأزمة.

الانفتاح أم الكفاءة أم العمل بدونهما؟

لقد اختلف معدل انتشار هذا المرض في مختلف البلدان بشكل كبير، مثلما اختلفت ايضاً أعداد الوفيات مقابل حالات الشفاء. ان أوروبا الغربية تضم بعض البلدان الأكثر ثراءً والأكثر قوة على وجه الأرض، ولكن الآن ليس الوقت مناسباً للعيش هناك (ونحن في الولايات المتحدة ايضاً لا نقوم بما ينبغي القيام به). وبرغم أن سنغافورة معروفة بصرامتها، إلاّ أنها كانت مكاناً جيداً للعيش عندما أصابها الفايروس).

“ونظراً لنصف قرن من البحث، فإن معامل الإرتباط قويّ: الديمقراطيات تتعامل مع الكوارث الصحية العامة أفضل بكثير من الديكتاتوريات”، هكذا قال غلادشتاين، مستشهداً بمقالة في 18 شباط في مجلة الإيكونوميست التي تدرس الوفيات الناجمة عن الأوبئة مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي لكل شخص في الديمقراطيات وغير الديمقراطيات.

كما كان أداء تايوان جيداً ايضاً، مثلما هو الحال مع كوريا الجنوبية، على الرغم من أن أنظمة الحكم لديها تعمل بشكل مختلف تماماً عن أنظمة سنغافورة. اذن ما هي العوامل التي ربما ساهمت في مدى سرعة انتشار الفايروس ومدى صعوبة تأثر الإقتصاد في هذه الدول؟

قال غلادشتاين إن هناك محورين متعلقين بهذا الأمر. أحدهما هو انفتاح المجتمع والآخر هو كفاءته. فمن المرجّح أن يكون أداء الحكومة المنفتحة ولكن الأقل كفاءة ضعيفاً في أزمة الصحة العامة (أو أية أزمة)، كما هو الحال في حكومة كفوءة لكنها مغلقة.

وأضاف غلادشتاين “على الأمد الطويل، بعض المجتمعات ذات الأداء الأفضل تمثّل ديمقراطيات منفتحة وكفوءة مثل كوريا وتايوان”. اذ ان تايوان تعدّ مثالاً لافتاً للنظر إلى حدّ ما نظراً لقربها من الصين وحجم السفر بينهما.

نجاح هنا، وفشل هناك

بعدد سكانها الذي يربو على 23 مليون نسمة ومع أولّ حالة مؤكدة في 21 كانون الثاني، وحتى كتابة هذه السطور، سجّلت تايوان 235 اصابة وحالتي وفاة. وبدأوا على الفور بفحص الناس القادمين من الصين وأوقفوا تقريباً جميع الرحلات القادمة من الصين في غضون أسابيع من تفشّي الوباء، وخلق نظام إنذار على مستوى المخاطر من خلال دمج البيانات المأخوذة من قاعدة بيانات التأمين الصحي الوطني مع قواعد بيانات الهجرة و الگمارك (وقد انطوى هذا على درجة ما من انتهاك الخصوصية التي ربما لن نكون مرتاحين لتطبيقها في الولايات المتحدة؛ اذ ينتظرنا الكثير من هذا في وقت لاحق). تمّ وضع الأشخاص المعرّضين للخطر في الحجر الصحي في منازلهم، وسرعان ما أمرت الحكومة بتصنيع ملايين الأقنعة. وقال غلادشتاين ” ثمة القليل من الذعر والمزيد من الإيمان بالحكومة، وهذا ما يرسم صورة لما يجب ان نطمح اليه جميعاً”.

اما إيران فهي على الطرف الآخر من الطيف من حيث الكفاءة والانفتاح، حيث سجّلوا أكثر من 27,000 اصابة وأكثر من 2,000 حالة وفاة. وقال غلادشتاين أن “الآلاف لقوا حتفهم في ايران لكننا لن نعرف الحقيقة أبداً لأنه لا توجد صحافة حرة هناك”.

ثم هناك الصين. فبالإضافة إلى عمليات الإغلاق التي فرضها “قادة الأحياء” والشرطة، رفعت الحكومة من وتيرة مراقبة مواطنيها، عن طريق تتبّع مواقع الناس باستخدام تطبيقات مثل AliPay و WeChat. كما جرى تنفيذ نظام ترميز الألوان الذي يشير إلى الحالة الصحية للأشخاص ومستوى الخطر، ووفقاً لذلك قُيدت حركتهم.

وذكر غلادشتاين “لقد استخدموا الآن القوة الكاملة للدولة للحدّ من الفايروس، ومن خلال ما نعرفه، كانوا فعّالين نسبياً في ذلك”. لكنه أضاف بأن هذا يأتي مع تحذيرين: الأول، ان الإجراءات التي اتخذتها الصين كانت “غير واردة” في ظل الديمقراطية. والثاني، لا يمكننا أن نأخذ بياناتهم في المعنى الظاهري بسبب عدم وجود صحافة حرة في البلاد أو هيئات مراقبة مستقلة (في الواقع، تمّ طرد نيويورك تايمز و وول ستريت جورنال و واشنطن بوست من الصين في 17 آذار. وقد يكون هذا نوعاً من الإنتقام من التحرّك الأخير للخارجية الامريكية في الحدّ من عدد الصحفيين الصينيين المسموح لهم العمل في الولايات المتحدة لصالح عدد قليل من وسائل الإعلام الحكومية الصينية).

هل المراقبة تعني النجاح؟

لقد استخدمت كلّ من كوريا الجنوبية وسنغافورة، وهما القصتان الأخريتان لنجاح سياسة الإحتواء في العالم، شكلاً من أشكال المراقبة لمكافحة الفايروس. ففي كوريا، أدّى تفشي فايروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية MERS عام 2015 إلى تشريع قانون يسمح للحكومة باستخدام بيانات الهواتف الذكية وبطاقات الائتمان لمعرفة مكان تواجد الأشخاص ومن ثمّ مشاركة تلك المعلومات (المجردة من تفاصيل التعريف الشخصية) على التطبيقات بحيث يعرف الأشخاص الذين اصابوا غيرهم بأنهم سيخضعون الى الفحص.

في سنغافورة، إلى جانب إطلاق تطبيق تتبع جهات الإتصال المسمى Trace Together، أرسلت الحكومة رسائل نصية إلى الأشخاص الذين تم أمرهم بالبقاء في المنزل واشترطت عليهم الرد من موقع GPS المباشر. وحتى كتابة هذه السطور، كانت سنغافورة قد أبلغت عن 631 اصابة وحالتَي وفاة.

فهل نجاح هذه البلدان واستخدامها للمراقبة يعني بأننا بحاجة إلى التخلي عن بعض خصوصيتنا لمكافحة هذا المرض؟ وهل يكون الأمريكيون والأوروبيون على استعداد للقيام بذلك إذا كان ذلك يعني بأن هذه المحنة الرهيبة سوف تنتهي في وقت قريب؟ وكيف نعرف أين نرسم الخط؟

التدابير المؤقتة هي تدابير مخادعة

بالنسبة لغلادشتاين، الجواب بسيط حيث قال، “لسنا بحاجة إلى دولة بوليسية لمكافحة كوارث الصحة العامة”. علينا أن نكون حذرين جداً بشأن الحكومات التي تخبرنا بأنها بصدد مصادرة حرياتنا للحفاظ على سلامتنا، وأنها لن تصادر هذه الحريات إلاّ لفترة محددة من الوقت”.

يتم بالفعل جمع الكثير من البيانات الشخصية عن كل واحد منّا كل يوم: أيّ الإعلانات التي ننقر عليها، وماهي المدة التي نقضيها على مواقع الويب المختلفة، وأيّ المصطلحات التي نبحث عنها، بل وحتى إلى أين نذهب وما هي المدة التي نقضيها هناك. هل سيكون من الفظيع جداً تطبيق كل تلك البيانات لوقف انتشار مرض تسبّب في توقف اقتصادنا؟

ان القضية المهمة المتعلقة بالتدابير الأمنية التي أتخذت في الأوقات العصيبة – هي أن تلك التدابير لا تُخفَّف في كثير من الأحيان عندما يعود المجتمع إلى ما كان عليه. وقال غلادشتاين “اثناء أولمبياد 2008 المقامة فى بكين، قالت الحكومة بأن الإجراءات الأمنية الجديدة مؤقتة، لكنه تبيّن بأنها دائمية”.

وبالمثل، يكتب يوفال نوح هراري في مقال له في الفاينانشال تايمز (الذي يجب أن تقرأه على الفور بشكل كامل إن لم تكن قد قرأته)، “ان التدابير المؤقتة تنطوي على عادة سيئة في إدامة حالات الطوارئ، لاسيما وأن هناك دائماً حالة طوارئ جديدة تلوح في الأفق”. ويضيف بأن العديد من تدابير الطوارئ التي تمّ اتخاذها اثناء الحرب الإسرائيلية عام 1948 لم تُرفع أبداً.

الفحص، الشفافية، الثقة

هذا هو المفتاح: برغم أن المراقبة كانت جزءاً حاسماً من نجاح تايوان وكوريا وسنغافورة، فإن الفحص واسع النطاق، وإرسال الرسائل باستمرار، والشفافية، والثقة كانت كلها على القدر نفسه من الأهمية. ففي مقال رائع في مجلة وايرد Wired، يكتب أندرو ليونارد: “في الولايات المتحدة، أمرت إدارة ترامب السلطات الصحية الفيدرالية بالتعامل مع المناقشات رفيعة المستوى حول فايروس كورونا على انها مادة سرية. وفي تايوان، بذلت الحكومة جهوداً كبيرة لإبقاء المواطنين على علم تام بكل جانب من جوانب هذا الوباء”.

وفي كوريا الجنوبية، قلّلَ الرئيس مون جيه-إن من اتصالاته مع الجمهور، تاركاً امر تبادل المعلومات الى أولئك الذين يعرفونها بالفعل: اذ عمد مسؤولو الصحة الى اطلاع الجمهور بحالة الوباء مرتين في اليوم. كذلك كانت حكومة سنغافورة تقدّم تحديثات مستمرة وواضحة عن عدد الحالات ومصدرها في البلاد.

وأعاد غلادشتاين التأكيد بأن الديمقراطيات أكثر ملاءمة من الديكتاتوريات في التعامل مع أزمات الصحة العامة لأن الناس بحاجة إلى أن يكونوا قادرين على الابتكار والتعاون دون خوف.

ولكن برغم المستوى العالي من الإنفتاح الذي يشمل الإنتخابات الديمقراطية، وبعض التأكيد على الحقوق والحريات الفردية في العالم، والصحافة الحرة، إلاّ أن استجابة الولايات المتحدة لفايروس كورونا كانت محزنة. وحتى كتابة هذه السطور، أمرت أكثرُ من 25 ولاية أمريكية السكّانَ بالبقاء في البيوت. لكن الفحص والثقة والشفافية كلّها نفتقر اليها بشدة. فمع إصابة المزيد من الناس بالفايروس بشكل خطير في الأيام والأسابيع المقبلة، ماذا ستفعل الولايات المتحدة لوقف انتشار كوفيد-19؟ اجاب غلادشتاين بأن “التكتّم والأكاذيب والرقابة لا تساعد إلاّ الفايروس. نريد مجتمعات منفتحة”. هذا المجتمع المنفتح على وشك أن يوضع على المحك – لتحقيق نجاح كبير.

المصدر: موقع جامعة سنغيولارتي العلمية في كاليفورنيا. بقلم: فانيسا بيتس راميريز.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close