الشيعة في مصر من الحلقة 1 الى الحلقة 6،

الدكتور صالح الورداني

الحلقة الاولى
تأريخ الشيعة في مصر (1)
—————-
يرتبط الوجود الشيعي في مصر بالامام علي
وتأريخ التشيع يبدأ مع الامام..
والحديث عن تأربخ الشيعة في مصر لا يعني الحديث عن طائفة وإنما يعني الحديث عن هوية مصر الإسلامية المتمثلة في أهل البيت..
لقد ارتبطت مصر منذ دخولها الإسلام بأهل البيت..
كانت هذه الهوية هى التي حققت لها الأمن والسلام والنهوض والتقدم..
إلا أن أصحاب المذاهب الوافدة والمؤرخين المتعصبين بالإضافة إلى الحكام عملوا على ضرب هذه الهوية وتشويهها..
تم ذلك طوال فترة الحكم الأموي والعباسي ثم الأيوبي والمملوكي والعثماني بعد ذلك..
كان هدف هؤلاء حماية مصالحهم ومذاهبهم ..
وهو ما نراه من خلال مواقف التيار السلفي الوهابي بفرقه المختلفة صاحب الصوت العال في مصر اليوم والذي ينكر وجود الشيعة وأن لهم جذور فيها..
ويشهد التأريخ بخلاف ذلك..
يشهد بأن الشيعة هم أصحاب الوجود التأريخي الأعمق في مصر..
ويشهد أيضاً بأن الوهابيين السلفيين لا جذور لهم فيها..
وأنهم يمثلون هوية مذهبية وافدة على مصر منذ عقود قريبة ولا تتوافق مع وجدان المصريين وطبيعتهم..
وهى فرضت نفسها بدوافع سياسية وبأموال النفط..
هؤلاء يريدون محو صفحات بيضاء من تاريخ مصر ليضعوا مكانها صفحتهم السوداء صفحة الارهاب والتطرف والغلو الذي دفعت ثمنه مصر ولا وزالت تدفع..
ولقد مر الوجود الشيعي في مصر بمراحل من المد والجزر طوال فترات العصر الأموي والعباسي والمملوكي والعثماني إلا أنه لم يختف من الساحة المصرية..
وكان جنوب مصر المسمى بالصعيد هو مركز التشيع خاصة في الفترة الفاطمية والفترات اللاحقة للعصر الأيوبي..
ولا تزال البصمة الشيعية قائمة فيه حتى اليوم..
وفي عصر الخديويات برز التشيع على يد المهاجرين الإيرانيين لمصر..
وفي منتصف الأربعينات على يد بعض الطرق الصوفية كالطريقة البكتاشية..
وقد استمر هذا النشاط حتى فترة السبعينيات..
إلا أنه بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران تغير الوضع ودارت الدائرة على الشيعة..
وباندلاع الحرب العراقية الإيرانية ووقوف مصر إلى جانب العراق في هذه الحرب اشتدت الحملات الدعائية ضد الشيعة وإيران..
وتحولت مصر إلى ساحة لهذه الحرب الدعائية التي استخدمت فيها المنابر والصحف والإذاعات ودور النشر ثم الأزهر..
وقام التيار السلفي بدور بارز في هذه الحرب..
وأثناء هذه الحرب برزت ظاهرة المتحولين من السنة إلى الشيعة من بين شباب الجماعات الإسلامية الذين شكلوا تياراً جديداً أخذ مكانه بجوار التيارات البارزة في دائرة الحركة الإسلامية في مصر..
وقد لفتت هذه الظاهرة انتباه الرأي العام والدوائر المتربصة بالشيعة ووجهت الحكومة أولى ضرباتها لهذا التيار فيما سمى بالتنظيم الشيعي الخميني الأول..
وتوالت بعدها الضربات تحت نفس المسمى..
وما يجب ذكره هنا هو أن هذه الضربات كانت دوافعها أمنية وسياسية بهدف وقف تأثير المد الثوري القادم من إيران..
ومع بروز ثورة الاتصالات برزت كلمة الشيعة بقوة وأصبحت في مواجهة كلمة السلفيين وشكلت إزعاجاً كبيراً لهم..
ولا توجد هناك إحصائية دقيقة بعدد الشيعة في مصر اليوم فهم منتشرون في كل بقاعها دون أن تكون لهم نشاطات ظاهرة..
وبعد هذه المقدمة تطرح امامنا التساؤلات التالية:
هل التشيع ظاهرة طارئة على المجتمع المصري..؟
أم له جذوره العميقة فيه..؟
وهل ترك الشيعة بصمه بارزة فيها, أم كانوا مجرد ظاهرة عابرة ..؟
وهل تفاعلت مصر مع التشيع وتعايشت معه أم تنافرت منه وتباعدت . . ؟
وهل خدم مصر أم أضرها..؟
والإجابة على هذه التساؤلات وغيرها يتطلب منا استعراض تأريخ الشيعة في مصر وتأريخ السنة أيضاً..
واستعراض ما أمكن من النصوص والشواهد التي تتعلق بانجازات الشيعة ودورهم فيها..

الحلقة الثانية

تأريخ الشيعة في مصر (2)
—————
بعد مصرع عثمان هرع الصحابة وأهل المدينة والثوار نحو الإمام علي ليبايعوه..
وقد رفض الإمام البيعة في البداية إلا أنه أمام إصرار الجماهير وافق مشترطاً أن تكون بيعته علناً ولا تكون إلا عن رضى المسلمين..
وتمت البيعة في مسجد رسول الله (ص)..
وتعد بيعة الإمام علي أول حركة انتخاب جماهيري حر في تأريخ المسلمين..
من هنا فقد اصطدم بها بنو أمية وعملوا على هدمها والحيلولة دون أن تأخذ امتدادها الطبيعي على ساحة الواقع ويتحقق لها الاستقرار والتمكن..
روى الطبري في باب ذكر الخبر عن بيعة من بايعه والوقت الذي بويع:
قال: اختلف السلف من أهل السير في ذلك..
قال بعضهم : سأل عليا أصحاب رسول الله أن يتقلد لهم وللمسلمين فأبى عليهم ،فلما أبوا عليه وطلبوا إليه، تقلد ذلك لهم..
فقال: لا تفعلوا فإني أكون وزيراً خير من أكون أميراً..
فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك..
قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خُفياً ،ولا تكون إلا عن رضا المسلمين..
فقال عبدالله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه ،وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل المهاجرون والأنصار بايعوه ثم بايعه الناس..
وجاء في البداية والنهاية باب خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين على المشهور،عدل الناس إلى علي فبايعوه، قبل أن يدفن عثمان..
وقيل بعد دفنه وقد امتنع علي من إجابتهم إلى قبول الامارة حتى تكرر قولهم له، وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول ، وأغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه، وجاؤوا معهم بطلحة والزبير..
فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، ولم يزالوا به حتى أجاب..
وما ان تسلم الامام الحكم حتى فر العديد من الصحابة من المدينة وعلى رأسهم عبيد الله بن عمر بم الخطاب الذي هرب لمعاوية وأصبح من جنده وقتل بصفين..
ونقل الطبرى رواية الزهرى التى تقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا علياً، ولم يبايعه قدامة بن مظعون وعبدالله بن سلام والمغيرة بن شعبة..
روى ابن الأثير في الكامل ذكر قصة الشورى : عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وكان قتل قاتل أبيه أبا لؤلؤة، وقتل جفينة رجلاً نصرانياً من أهل الحيرة كان ظهيراً لسعد بن مالك، وقتل الهرمزان، فلما ضربه بالسيف قال: لا إله إلا الله! فلما قتل هؤلاء أخذه سعد بن أبي وقاص وحبسه في داره وأخذ سيفه وأحضره عند عثمان، وكان عبيد الله يقول: والله لأقتلن رجالاً ممن شرك في دم أبي، يعرض بالمهاجرين والأنصار..
وقد اولى الامام اهتماما بمصر..
وكان على رأس رجال الامام في مصر قيس بن سعد بن عبادة ومحمد بن ابي حذيفة ومحمد بن ابي بكر ومالك الاشتر النخعى وثلاثتهم قتلوا على يد جند معاوية وانصاره عدا قيس الذى شارك مع الامام في حرب صفين وحرب النهروان وكان اول من بايع الامام الحسن..
وقتل محمد بن ابي حذيفة سنة ست وثلاثين وارسل الامام بعده قيس بن سعد ليلي امر مصر..
جاء في المنتظم في تأريخ الملوك والامم لابن الجوزى: دعا عليّ قيس بن سعد الأنصاري، فقال له: سر إلى مصر فقد وليتكها، فإذا أنت قدمتها فأحسن إلى المحسن، واشتد على المريب وارفق بالعامة والخاصة. فلما قدم أخذ البيعة لعلي، واستقامت له مصر، إلا أن قرية منها يقال لها: ” خِربتا ” فيها أناس قد أعظموا قتل عثمان..
وقتل محمد بن ابي بكر سنة ثماني وثلاثين..
جاء في الكامل في التأريخ لابن الأثير : فلما بلغ علياً أمر مصر كتب إلى الأشتر وهو بنصيبين يستدعيه، فحضر عنده، فأخبره خبر أهل مصر وقال: ليس لها غيرك فاخرج إليها، فإني لو لم أوصك اكتفيت برأيك، واستعن بالله واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ وتشد حين لا يغني إلا الشدة..
فخرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية عيونه بذلك، فعظم عليه، وكان قد طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم وقال له: إن الأشتر قد ولي مصر، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت وبقيت. فخرج حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول، فنزل عنده، فأتاه بطعام، فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سماً فسقاه إياه، فلما شربه مات.
وكان الاشتر قد حمله الامام وثيقة دستورية ليحكم بها مصر وهى تعد اول دستور في تأريخ المسلمين..
وهذه الوثيقة عرفت في المصادر بعهد الاشتر ( انظر نص العهد في نهج البلاغة )
وطوال فترة وجود رجال الامام في مصر تكونت اول قاعدة شعبية موالية لأهل البيت من المصريين والقبائل الموالية للإمام التي استوطنت مصر..
وتكونت ايضا في مواجهتها قاعدة شعبية من النواصب انصار معاوية الذين تحالفوا مع ابن العاص ضد الامام علي واستقروا بمصر و اتخذوا من قرية خربتا بمنطقة الجيزة مقرا لهم..
وهذه القرية مازالت موجودة حتى الان وتحمل نفس الاسم غير ان أهلها أضافوا حرف الهاء إلى اسمها ليصبح اسمها خريتها..

الحلقة الثالثة
اما كلثوم فلم اعثر لها على ترجمة..تأريخ الشيعة في مصر (3)
————–
حملت القاعدة الشعبية الموالية لأهل البيت في مصر على كاهلها نصرة التشيع واستمراره في مصر طوال العصر الأموي والعباسي..
وظل التشيع باقيا رغم الضغوط والارهاب..
وأصبحت بصمته ثابتة في واقع المصريين من قبل ظهور الفاطميين..
ولنضع امام القارئ شهادة المقريزي في كتابه إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا ج1 سنة ثلاث وستين وثلاثمائة..
قال المقريزي : كان التشييع معروفا بأرض مصر قبل ذلك..
فلما مات يزيد بن معاوية وبويع ابن الزبير بعده بالخلافة صار أهل مصر حينئذ ثلاث طوائف، علوية وعثمانية وخوارج..
فلما بويع مروان بن الحكم بالشام في ذي القعدة سنة أربع وستين,من حينئذ غلبت العثمانية على مصر فتظاهروا فيها بسب عليّ ، وانكفت ألسنة العلوية والخوارج..
ولما قتل مروان وانقضت أيام بني أمية ببني العباس في سنة ثلاث وثلاثين ومائة خمدت جمرة أصحاب المذهب المروانيّ ،وهم الذين كانوا يسبون عليّ بن أبي طالب ويتبرّؤون منه..
وصاروا منذ ظهر بنو العباس يخافون القتل ويخشون أن يطلع عليهم أحد إلّا طائفة كانت بناحية الواحات وغيرها، فإنهم أقاموا على مذهب المروانية دهراً حتى فنوا، ولم يبق لهم الآن بديار مصر وجود البتة..
فلما كان في إمارة حميد بن قحطبة على مصر من قبل أبي جعفر المنصور، قدم إلى مصر عليّ بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب داعية لأبيه وعمه..
فذكر ذلك لحميد فقال: هذا كذب، ودسّ إليه أن تغيّب، ثم بعث إليه من الغد فلم يجده، فكتب بذلك إلى أبي جعفر المنصور فعزل حميداً وسخط عليه في ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة..
وولى يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، فظهرت دعوة بني حسن بن عليّ بمصر، وتكلم الناس بها وبايع كثير منهم لعليّ بن محمد بن عبد الله، وهو أوّل علويّ قدم مصر، وقام بأمر دعوته خالد بن سعيد بن ربيعة بن حبيش الصدفيّ..
وكان جدّه ربيعة بن حبيش من خاصة عليّ بن أبي طالب وشيعته، وحضر الدار في قتل عثمان..
ثم قدمت الخطباء برأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين -أخو محمد النفس الزكية – في ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومائة إلى مصر ونصبوه في المسجد الجامع، وقامت الخطباء فذكروا أمره..
وما زالت شيعة عليّ بمصر إلى أن ورد كتاب المتوكل يأمر فيه بإخراج آل أبي طالب من مصر إلى العراق فخرجوا لعشر خلون من رجب سنة ست وثلاثين ومائتين..
واستتر من كان بمصر على رأي العلوية، حتى أن يزيد بن عبد الله أمير مصر ضرب رجلاً من الجند في شيء وجب عليه فأقسم عليه بحق الحسن والحسين إلا عفا عنه، فزاده ثلاثين درة..
ورفع ذلك صاحب البريد إلى المتوكل، فورد الكتاب على يزيد بضرب ذلك الجنديّ مائة سوط، فضربها وحمل بعد ذلك إلى العراق في شوّال سنة ثلاث وأربعين ومائتين..
وتتبع يزيد الروافض فحملهم إلى العراق، ودل في شعبان على رجل يقال له محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أنه بويع له، فأحرق الموضع الذي كان به، وأخذه فأقرّ على جمع من الناس بايعوه، فضرب بعضهم بالسياط، وأخرج العلوي هو وجمع من آل أبي طالب إلى العراق في شهر رمضان..
ومات المتوكل في شوّال، فقام من بعده ابنه محمد المستنصر، فورد كتابه إلى مصر بأن لا يقبل علويّ ضيعة، ولا يركب فرساً، ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها..
وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلّا العبد الواحد، ومن كان بينه وبين أحد من الطالبيين خصومة من سائر الناس قبل قول خصمه فيه ولم يطالب ببينة..
وكتب إلى العمال بذلك، ومات المستنصر في ربيع الآخر، وقام المستعين، فأخرج يزيد ستة رجال من الطالبيين إلى العراق في رمضان سنة خمسين ومائتين، ثم أخرج ثمانية منهم في رجب سنة إحدى وخمسين..
وفي إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون أنكر رجل من أهل مصر أن يكون أحد خيّرا من أهل البيت، فوثبت إليه العامّة فضرب بالسياط يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ومائتين..
وفي إمارة ذكا الأعور على مصر كتب على أبواب الجامع العتيق ذكر الصحابة والقرآن ،فرضيه جمع من الناس وكرهه آخرون، فاجتمع الناس في رمضان سنة خمس وثلاثمائة إلى دار ذكا يتشكرونه على ما أذن لهم فيه..
فوثب الجند بالناس فنهب قوم وجرح آخرون ومحي ما كتب على أبواب الجامع، ونهب الناس في المسجد والأسواق، وأفطر الجند يومئذ..
وما زال أمر الشيعة يقوى بمصر إلى أن دخلت سنة خمسين وثلاثمائة، ففي يوم عاشوراء كانت منازعة بين الجند وبين جماعة من الرعية عند قبر كلثوم العلوية بسبب ذكر السلف والنوح، قتل فيها جماعة من الفريقين..
وتعصب السودان على الرعية، فكانوا إذا لقوا أحدا قالوا له: من خالك..؟
فإن لم يقل معاوية وإلّا بطشوا به وشلحوه، ثم كثر القول معاوية خال عليّ..
و كانت مصر لا تخلو من الفتن في يوم عاشوراء عند قبر كلثوم وقبر نفيسة بنت الحسن في الأيام الإخشيدية والكافورية، وكان سودان كافور يتعصبون على الشيعة، ويتعلق السودان في الطرق بالناس ويقولون للرجل: من خالك..؟
فإن قال: معاوية أكرموه، وإن سكت لقي المكروه، وأخذت ثيابه..
وكان على باب الجامع العتيق شيخان من العامّة يناديان في كل يوم جمعة في وجوه الناس من الخاص والعام: معاوية خالي وخال المؤمنين، وكاتب الوحي، ورديف رسول الله..
ويلقون أبا جعفر مسلماً الحسينيّ فيقولون له ذلك في وجهه..
وكان بمصر أسود يصيح دائماً معاوية خال عليّ، فقتل بتنيس أيام القائد جوهر- اي بعد دخول الفاطميين مصر..
وفي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة أخذ رجل يعرف بابن أبي الليث الملطيّ ينسب إلى التشيع فضرب مائتي سوط ودرة، ثم ضرب في شوّال خمسمائة سوط ودرة، وجعل في عنقه غل وحبس..
وكان يتفقد في كلّ يوم لئلا يخفف عنه ويبصق في وجهه، فمات في محبسه فحمل ليلاً ودفن، فمضت جماعة إلى قبره لينبشوه وبلغوا إلى القبر فمنعهم جماعة من الإخشيدية والكافورية، فأبوا وقالوا هذا قبر رافضيّ، فثارت فتنة وضرب جماعة ونهبوا كثيراً حتى تفرّق الناس..
وفي سنة ست وخمسين كتب في صفر على المساجد ذكر الصحابة والتفضيل، فأمر الأستاذ كافور الإخشيديّ بإزالته، فحدّثه جماعة في إعادة ذكر الصحابة على المساجد فقال:ما أحدث في أيامي ما لم يكن وما كان في أيام غيري فلا أزيله، وما كتب في أيامي أزيله..
ثم أمر من طاف وأزاله من المساجد كلها..
وقبر كلثوم الذي أشار اليه المقريزى كان موضعه في مقابر قريش التي دفن فيها الشافعي وأطلق عليها العامة فيما بعد مدافن الامام اي الشافعي..
وذلك بعد ان قام الايوبيون ببناء قبة ومسجد على قبر الشافعى ودفنوا الى جواره بعض افراد العائلة الكردية الحاكمة..
وكعادة المصريين بالسكن بجوار المراقد طلبا للبركة نشأ الى جواره حى سكنى سمى حى الامام..

الحلقة الرابعة
تأريخ الشيعة في مصر (4)
————–
كانت القاعدة الشعبية الشيعية هى التي استقبلت الفاطميين حين دخولهم مصر..
ومن المعروف ان الفاطميين دخلوا مصر دون مقاومة..
واستقبلهم الناس بالفوانيس وكان ذلك في شهر رمضان..
ومن هنا نشأت عادة الفوانيس التى ارتبطت بشهر رمضان والمستمرة حتى اليوم في مصر وانتقلت منها الى بلاد أخرى..
حكم الفاطميون مصر من عام 358ه الى عام 567ه اى استمرت مدة دولتهم 209ه
وكانت مساحة دولتهم تمتد من العراق شرقا الى المغرب غربا ومن البحر الابيض شمالا الى السودان جنوبا بالاضافة الى جزيرة العرب..
وهو ما يعني ان مصر كانت دولة كبرى في زمانهم..
(انظر خارطة مصر على ظهر غلاف كتاب تاريخ الشيعة في مصر المنشور على الصفحة)
ولأول مرة في تأريخها مع المسلمين تنعم بالاستقلال والازدهار والرخاء..
وقد كانت قبلا تستنزف ثرواتها لحساب دمشق وبغداد..
ولم تكن لها عاصمة بل كانت تابعة..
وعلى يد الفاطميين أصبحت متبوعة..
ويكفى للفاطميين ان استقلوا بمصر وحققوا لها الازدهار والتقدم وجعلوها متبوعة بعد ان كانت تابعة..
قال المقريزي : اختلت مصر وكادت تدمر حتى قدمت جيوش المعز على يد القائد جوهر، فصارت دار خلافة..
وكانت الدولة الفاطمية في خلافة الظاهر والد المستنصر في غاية الاستقرار والرفاهية ولأجل ذلك مال الظاهر إلى الدعة والراحة، ولما جاء المستنصر ركن إلى هذا الحال..
وقد ازدهرت الحركة العمرانية في عهد الفاطميين كما ازدهرت صناعة النسيج واشتهرت مصر بصناعة انواع خاصة من النسيج..
وكانت الحكومة تقوم بكسوة موظفيها في الصيف والشتاء وكسوة العامة من الفقراء والمحتاجين..
ولم تكن المواكب المترفة غاية الترف التي كانت تخرج في شوارع القاهرة في المناسبات الدينية كعيد الفطر والأضحى وبداية رمضان – وكذلك في عيد ميلاد الخليفة – إلا دلالة واضحة إلى حالة الرخاء والسعة التي كانت تعيشها في تلك الفترة..
وجميع أفراد الشعب كانوا يتأنقون لهذه المواكب فيلبسون أغلى الملابس وأروعها والتي كانت تصنع في دور الطرز المصرية ، وهي أماكن لصناعة الملابس أغلبها مذهبة . يشملها زي مصري عام ذو أكمام واسعة..
وقد بلغت الناس غاية التأنق في عهد الظاهر..
وكان الخليفة العزيز يقول : أحب أن أرى النعم عند كل الناس ظاهرة . وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر، ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كله من عندي..
وروى المؤرخون الكثير عن عدل المستنصر ورحمته بالناس ،فقد كان يعطي الدواء لمن يطلبه المجان ويخالط الناس ويسمع شكواهم وقد أحبته الرعية حباً شديداً..
وبلغت النفقة على قافلة الحج في عهد المستنصر مائتي ألف دينار ولم تبلغ هذه النفقة مثل ذلك في دولة من الدول حيث كانت تشمل ثمن الطيب والشمع والحماية والصدقة وأجرة الجمال ومعونة خدم القافلة ومن يسير معها من العسكر الذين بلغت نفقاتهم في عهد المستنصر ستين ألف دينار زيادة على مرتباتهم أو ألف دينار في اليوم..
وقد أنشأ الحاكم بأمر الله دار الحكمة أو دار العلم في عام 395ه‍ وزودها بالكتب من كل نوع في العلوم والآداب والعقائد، وكان الطلاب يفدون إليها من شتى الأقطار ، فكانت أشبه بجامعة تتكون من عدة كليات..
وكانت خزانة الكتب في زمن المستنصر لا نظير لها في جميع بلاد الإسلام وهي تتكون من أربعين خزانة فيها أكثر من مائتي ألف كتاب وعدد كبير من الكتاب والنساخ..
وبلغ عدد المساجد في مصر آنذاك ستة وثلاثون ألف مسجد في جميع المدن والقرى ولكل مسجد يقع في حدود الدولة من الشام إلى القيروان نفقات يقدمها الخليفة المستنصر من زيت وحصير وسجاجيد للصلاة ورواتب للقوام والفراشين والمؤذنين وغيرهم..
واعتاد خلفاء الفاطميين أن يقيموا في قصورهم الولائم الفاخرة في الأعياد لعامة الناس حيث تقدم لهم الفطرة ،وهي حلوى من دقيق وفستق ولوز وبندق وتمر وزبيب وعسل وهي تنشر كالجبل الشاهق على مائدة طويلة بالإيوان الكبير..
وفي عيد الأضحى كان الخليفة ينحر بنفسه الأضاحي إيذانا منه ببدء النحر ، وكانت تنحر في فترة العيد ما يزيد على الألف رأس توزع لحومها على الموظفين وطلبة العلم والقائمين بشئون الجوامع..
وهو ما شهد به العديد من المؤرخين على رأسهم المقريزى وناصر خسرو في كتابه سفر نامه وكذلك العديد من الباحثين المعاصرين مثل : الدكتور غبد المنعم الماجد صاحب كتاب الإمام المستنصر بالله الفاطمي وكتاب الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه..
وقال الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه تأريخ الإسلام السياسي والثقافي والاجتماعي: يعتبر عهد العزيز بالله الفاطمي عهد يسر ورخاء وتسامح ديني وثقافة لا غرو . .
ويلاحظ ان هذه الكتب صدرت في فترة الستينيات قبل ظهور الوهابية وتمددها في مصر..
والحملة التي شنت على الفاطميين كانت من قبل فقهاء ومؤرخين متعصبين للعباسيين ولمذاهبهم التى قدموها على الأوطان..
وهو ما سوف نستعرضه لاحقا..
قال المقريزى في اتعاظ الحنفا : ولما دخل جوهر القائد بعساكر المعز لدين الله إلى مصر وبنى القاهرة أظهر مذهب الشيعة وأذن في جميع المساجد الجامعة وغيرها حيّ على خيرالعمل، وأعلن بتفضيل عليّ بن أبي طالب على غيره، وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزهراء..
ولم تواجه جماهير السنة في مصر أية ضغوط من قبل الفاطميين لإجبارها على التخلي عن مذهبها كما أشاع خصوم الفاطميين..
وإنما الجماهير هي التي زحفت طواعية نحو دعوة أهل البيت حتى تحول أنصار مذهب أهل السنة إلى أقلية..
وهو ما دفع بالعباسيين في بغداد إلى إطلاق الحرب الدعائية ضد الفاطميين في مصر..
ومن صور هذه الحرب إعلان العباسيين وثيقة وقع عليها وجهاء من السنة والشيعة تدعي بطلان دعوى الفاطميين في الانتساب إلى أهل البيت..
روى ابن الجوزي في المنتظم في تأريخ الملوك والأمم كتابة محاضر في الديوان بالقدح في أنساب صاحب مصر ومن تقدم من أسلافه:وفي هذه السنة كتب محاضر في الديوان ذكر فيها صاحب مصر ومن تقدم من أسلافه بما يقدح في أنسابهم التي يدعونها وجحد الاتصال برسول الله (ص) وبعلي وفاطمة وعزوا إلى الديصانية من المجوس والقداحية من اليهود وأنهم خارجون عن الإسلام..
وما جرى هذا المجرى مما قد ذكرنا مثله في أيام القادر باللَّه وأخذت خطوط الأشراف والقضاة والشهود والعلماء بذلك..
اما المقريزي وابن خلدون فقد دفعا هذه الشبهة..
قال المقريزي في المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ج‍ 2 ، فصل ذكر ما قيل في نسب الخلفاء الفاطميين بناة القاهرة: وهذه أقوال إن أنصفت يتبين لك أنها موضوعة ، فإن بني علي قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد وجلالة القدر عند الشيعة ، فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم والدعاء لابن مجوس أو لابن يهودي ..
فهذا مما لا يفعله أحد ولو بلغ الغاية في الجهل والسخف ،وإنما جاء ذلك من قبيل ضعفة خلفاء بني العباس عندما غضوا بمكان الفاطميين..
وأسجل القضاء بنفيهم من نسب العلويين وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة منهم الشريفان الرضي والمرتضى وأبو حامد الإسفراييني في عدة وافرة عندما جمعوا لذلك في سنة 402 ه‍ أيام القادر (أنظر نص الوثيقة في آخر الحلقات)..
وقال ابن خلدون في تاريخه ج1 المقدمة: ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرّخين والأثبات في العبيديين خلفاء الشّيعة بالقيروان والقاهرة من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم ،والطّعن في نسبهم إلى إسماعيل الإمام ابن جعفر الصّادق.. يعتمدون في ذلك على أحاديث لفّقت للمستضعفين من خلفاء بني العبّاس تزلّفاً إليهم بالقدح فيمن
ناصبهم وتفنّناً في الشّمات بعدوّهم حسبما تذكر بعض هذه الأحاديث في أخبارهم ويغفلون عن التّفطّن لشواهد الواقعات وأدلّة الأحوال الّتي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم والرّدّ عليهم..
وقال: وأمّا من جعل نسبهم في اليهودية أو النصرانيّة لميمون القدّاح أو غيره فكفاه إثما تعرّضه لذلك[ انظر تأريخ ابن خلدون ج3 ابتداء دولة العبيديّين من الشيعة بإفريقية..]..
وروى المقريزى في المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ج4 ذكر مذاهب أهل مصر ونحلهم: كتب على سائر الأماكن بمدينة مصر خير الناس بعد رسول الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام..
وفي صفر سنة خمس وستين وثلاثمائة جلس عليّ بن النعمان القاضي بجامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر بالاقتصار، وكان جمعاً عظيماً وأثبت أسماء الحاضرين..
ولما تولى يعقوب بن كلس الوزارة للعزيز بالله نزاربن المعز رتب في داره العلماء من الأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلمين، وأجرى لجميعهم الأرزاق، وألف كتاباً في الفقه ونصب له مجلساً وهويوم الثلاثاء يجتمع فيه الفقهاء وجماعةمن المتكلمين وأهل الجدل، وتجري بينهم المناظرات..
وفي شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثمانين وثلاثمائة جلس القاضي محمد بن النعمان على كرسي بالقصر في القاهرة لقراءة علوم أهل البيت على الرسم المتقدّم له ولأخيه بمصر،ولأبيه بالمغرب، فمات في الزحمة أحدعشررجلاً…
وتسارع الناس إلى الدخول في الدعوة، فجلس لهم قاضي القضاة عبدالعزيز بن محمد بن النعمان، فقدموا من سائر النواحي والضياع، فكان للرجال يوم الأحد، وللنساء يوم الأربعاء، وللأشراف وذوي الأقدار يوم الثلاثاء، وازدحم الناس على الدخول في الدعوة، فمات عدّة من الرجال والنساء..
وفي سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وفي تاسع ربيع الآخرأمر الحاكم بأمر اللّه بمحو ما كتب على المساجد وغيرها من سبّ السلف، وطاف متولي الشرطة وألزم كل أحد بمحو ما كتب على المساجد من ذلك..
ثم قُريء سجل في رمضان سنة تسع وتسعين وثلاثمائة على سائر المنابر بأنه يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون،ولايعارض أهل الرؤية فيماهم عليه صائمون ومفطرون، صلاة الخمس الدين، فبما جاءهم فيها يصلون،وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها. ولا هم عنها يدفعون، يُخمسُ في التكبير على الجنائز المخمسون، ولا يُمنع من التربيع عليها المربِّعون، يُؤذن بحيّ على خيرالعمل المؤذنون، ولا يُؤذى من بها لا يُؤذنون، ولا يُسب أحد من السلف،ولا يُحتسب على الواصف فيهم بما وصف، والحالف منهم بما حلف، لكلّ مسلم مجتهد في دينه اجتهاده، وإلى الله ربه معاده عنده كتابه وعليه حسابه
.وثار أبوعلي أحمد الملقب كتيفات ابن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، واستولى على الوزارة في سنهّ أربع وعشرين وخمسمائة، وسجن الحافظ لدين الله أباالميمون عبدالمجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن الخليفة المستنصر باللّه، وأعلن بمذهب الإمامية والدعوة للإمام المنتظر، وضرب دراهم نَقشها: الله الصمد الإمام محمد.ورتب في سنة خمس وعشرين أربعة قضاة، اثنان أحدهما إماميّ والآخر إسماعيليّ..
وإثنان أحدهما مالكيّ والآخر شافعيّ، فحكم كل منهما بمذهبه وورثَ على مقتضاه، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق وأبطل من الأذان حيّ على خير العمل، وقولهم محمد وعليّ خير البشر،فلما قتل في المحرّم سنة ست وعشرين عادالأمر إلى ما كان عليه من مذهب الإسماعيلية..

الحلقة الخامسة

الحلقة الخامسةتأريخ الشيعة في مصر (5)
————–
كان وصول السيدة زينب إلى مصر قد أحدث انقلاباً في النفسية المصرية المحبة لأهل البيت..
وكان التفاف الناس من حولها رعية وحكاماً والحفاوة البالغة بها قد كشف لنا مدى الحالة الولائية الكامنة في نفوس المصريين تجاه أهل البيت..
وهو ما جعلها تتخذ من مصر مقراً لها وتدفن في رحابها، لتعيش في قلوب المصريين ووجدانهم حتى قيام الساعة..
ثم جاءت السيدة نفيسة من بعدها لتتم دورها وتسير على خطاها..
إلا أن المصادر التأريخية لم تركز كثيراً على دور السيدة زينب في مصر وذلك لأسباب سياسية تتعلق بحادثة كربلاء ومقتل الحسين، إذ أن إثارة هذا الأمر حينها كان يمثل عدواناً على بني أمية ودولتهم التي كانت مصر تخضع لسلطانها..
أما السيدة نفيسة فقد برزت بعد زوال حكم الأمويين ، وكان دورها بعيداً عن السياسة..
قال ابن الجوزي في المنتظم تحت عنوان ذكر من توفي من الأكابر حوادث سنة ثمان وستين ومائة عن والد السيدة نفيسة:الحسن بن زيد بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أبي طالب، أَبُو مُحَمَّد الهاشمي المَدِينيّ..
حدث عَنْ أبيه، وعن عكرمة، روى عنه: ابْن إِسْحَاق، ومالك وابْن أبي ذئب وابْن أبي الزناد. وَكَانَ أحد الأجواد، وولاه المنصور خمس سنين، ثُمَّ غضب عليه فعزله واستصفى كل شيء له وحبسه ببغداد فلم يزل محبوسا حَتَّى مات المنصور، فأخرجه المهدي ورد عليه مَا أخذ منه ولم يزل معه..
تُوُفِّيَ الْحَسَن بالحاجر عَلَى خمسة أميال من المدينة وَهُوَ يريد مكة من العراق في هذه السنة وَهُوَ ابْن خمس وثمانين سنة وصلى عليه المهدي..
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام :َزيْدُ بْنُ الْحَسَنِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ، وَالِدُ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ..
سَمِعَ: أَبَاهُ، وَابْنَ عَبَّاسٍ..
وَعَنْهُ: ابْنُهُ حَسَنٌ- وَالِدُ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ- وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ جُعْدُبَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِ، وَأَبُو مَعْشَرٍ السِّنْدِيُّ..
ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ..
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي حَقِّهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ الْحَسَنِ شَرِيفُ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَدُّوا إِلَيْهِ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ)، وَأَعِنْهُ يَا هَذَا عَلَى مَا اسْتَعَانَكَ عَلَيْهِ..
وَقِيلَ: كَانَ النَّاسُ يعجبون من عظم خلقته..
وقال ابن كثير في البداية والنهاية عن وَفَاةُ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَعام 208ه: وَهِيَ نَفِيسَةُ بِنْتُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْقُرَشِيَّةُ الْهَاشِمِيَّةُ، كَانَ أَبُوهَا نَائِبًا لِلْمَنْصُورِ عَلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ خَمْسَ سنين، ثم غضب المنصور عليه فَعَزَلَهُ عَنْهَا وَأَخَذَ مِنْهُ كُلَّ مَا كَانَ يملكه وما كَانَ جَمَعَهُ مِنْهَا، وَأَوْدَعَهُ السِّجْنَ بِبَغْدَادَ..
فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ فَأَطْلَقَهُ الْمَهْدِيُّ وَأَطْلَقَ لَهُ كُلَّ مَا كَانَ أُخِذَ مِنْهُ، وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْحَجِّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وستين ومائة، فلما كان بالحاجر توفي عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً..
وَقَدْ رَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ حَدِيثَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ “..
وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ عَدِيٍّ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي رِيَاسَتِهِ وَشَهَامَتِهِ..
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ ابْنَتَهُ نَفِيسَةَ دَخَلَتِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر، فأقامت بها وكانت ذات مال ،فأحسنت إِلَى النَّاسِ وَالْجَذْمَى وَالزَّمْنَى وَالْمَرْضَى وَعُمُومِ النَّاسِ، وَكَانَتْ عَابِدَةً زَاهِدَةً كَثِيرَةَ الْخَيْرِ..
وَلَمَّا وَرَدَ الشَّافِعِيُّ مِصْرَ أَحْسَنَتْ إِلَيْهِ وَحِينَ مَاتَ أَمَرَتْ بِجِنَازَتِهِ فَأُدْخِلَتْ إِلَيْهَا الْمَنْزِلَ فَصَلَّتْ عَلَيْهِ..
وَلَمَّا تُوُفِّيَتْ عَزَمَ زَوْجُهَا إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فَمَنَعَهُ أَهْلُ مِصْرَ من ذلك وسألوه أن يدفنها عِنْدَهُمْ، فَدُفِنَتْ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ بِمَحِلَّةٍ كَانَتْ تُعْرَفُ قَدِيمًا بِدَرْبِ السِّبَاعِ بَيْنَ مصر والقاهرة، وَكَانَتْ وَفَاتُهُا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السنة فيما ذكره ابن خلكان..
قَالَ: وَلِأَهْلِ مِصْرَ فِيهَا اعْتِقَادٌ..
قُلْتُ: وَإِلَى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيراً جداً، ولا سيما عوام مصر..
وقال المقريزي في إتعاظ الحنفا في حوادث سنة تسعين وأربعمائة:وفيها تجمع الرعاع والعامة في يوم عاشوراء بمشهد السيدة نفيسة وجهروا بسب الصحابة، وهدموا عدة قبور، فسير الأفضل إليهم ومنعهم من ذلك؛ وأدب ذخيرة الملك ابن علوان، والي القاهرة، جماعة وضربهم..
وقال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة حوادث عام 208ه :فيها توفيت السيدة نفيسة ابنة الأمين الحسن بن زيد بن السيد الحسن بن علي بن أبي طالب، الهاشمية الحسنية الحسيبة النسيبة صاحبة المشهد بين مصر والقاهرة، وقد ولي أبوها إمرة المدينة لأبي جعفر المنصور مدة، ثم قبض عليه وحبسه، إلى أن أطلقه المهدي لما تخلف ورد عليه جميع ما كان أخذه أبوه المنصور منه..
وتحولت السيدة نفيسة مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق من المدينة إلى مصر فأقامت بها إلى أن ماتت في شهر رمضان من هذه السنة من غير خلف في وفاتها..
وهي صاحبة الكرامات والبرهان، وقد شاع ذكرها شرقاً وغرباً..
وقال السيوطي في حسن المحاضرة: السيدة نفيسة بنت الأمير حسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، كان أبوها أمير المدينة للمنصور، وله رواية في سنن النسائي، ودخلت هي مصر مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر الصادق، فأقامت بها، وكانت عابدة زاهدة، كثيرة الخير. وكانت ذات مال؛ فكانت تُحسن إلى الزَّمْني والمرضى وعموم الناس..
ولما ورد الشافعي مصر كانت تحسن إليه، ولما توفي أمرت بجنازته فأدخلت إليها المنزل، فصلت عليه..
ماتت في رمضان سنة ثمان ومائتين..
وكان عزم زوجها على أن ينقلها فيدفنها بالمدينة النبوية؛ فسأله أهل مصر أن يدفنها عندهم، فدفنت بمنزلها بدرب السباع محلة بين مصر والقاهرة..
وقال ابن العماد في شذرات الذهب في أخبار من ذهب حوادث عام 208ه:فيها توفيت السيدة نفيسة بنت الأمير حسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسنيّة، صاحبة المشهد بمصر. ولي أبوها إمرة المدينة للمنصور، ثم حبسه دهرا..
ودخلت هي مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصّادق، وتوفيت في شهر رمضان..
سمع عليها الشّافعيّ، وحملت جنازته يوم مات فصلت عليه, ولما ماتت همّ زوجها إسحاق بحملها إلى المدينة فأبى أهل مصر فدفنت بين القاهرة ومصر..
يقال: إن الدعاء مستجاب عند قبرها..
قال الذّهبيّ: ولم يبلغنا شيء من مناقبها..
وكان أخوها القاسم بن حسن زاهداً عابداً..
قلت: وسلسلتها في النسب وسماع الشّافعيّ منها وعليها، وحمله ميتاً إلى بيتها، أعظم منقبة، فلم يكن ذلك إلا عن قبول وإقبال وصيت وإجلال، نفع الله بها ومبلغها..

الحلقة السادسة

تأريخ الشيعة في مصر (6)
————–
كانت الدولة الفاطمية تتبنى المذهب الاسماعيلي..
والاسماعيلية واحدة من فرق الشيعة التي تنسب لإسماعيل بن الإمام جعفر الصادق وتحصر الإمامة في نسله ، فمن ثم هي لا تعترف ببقية الأئمة الإثنى عشر بعد الإمام جعفر الصادق..
ولأجل ذلك سميت بالشيعة الإسماعيلية تمييزاً لها عن الشيعة الإمامية التي تعتقد بوصية الإمام جعفر لإبنه موسى الكاظم الإمام السابع الذي لا تعترف به الإسماعيلية..
وهذا هو جوهر الخلاف بين الإسماعيلية والإمامية..
وقد انقسمت الإسماعيلية في مصر إلى طائفتين..
ووقع هذا الانفسام بعد وفاة المستنصر بالله الفاطمي (ت 487ه)
كان للمستنصر الفاطمي عدة أولاد منهم محمد ونزار وعبد الله وإسماعيل وحيدرة وأحمد ، وكانت الدولة في قبضة بدر الجمالي وزير المستنصر ومن بعد وفاته تسلم الوزارة ولده الأفضل..
وكان بدر الجمالى وولده على مذهب الامامية..
وأراد الأفضل تعيين أحمد الأصغر خليفة للمستنصر بعد وفاته فتصدى له نزار الابن الأكبر ورفض مبايعة أخاه الأصغر الذي لقب بالمستعلي..
روى المقريزي في إتعاظ الحنفا ج3 المستعلي بالله :أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور..
ولد في ثامن عشر المحرم، وقيل في العشرين من المحرم، سنة ثمان وستين وأربعمائة، وبويع له في يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، سنة سبع وثمانين وأربعمائة، حين مات أبوه المستنصر..
وذلك أن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي عندما مات المستنصر بادر إلى القصر وأجلسه ولقبه بالمستعلى، وبعث فأحضر إليه نزاراً وعبد الله وإسماعيل، أولاد المستنصر..
فلما حضروا وشاهدوا أخاهم أحمد وكان أصغرهم، قد جلس على تخت الخلافة أنفوا من ذلك..
وقال كل منهم إن والده وعده بالخلافة..
وبادر الأفضل فأجلس أبا القاسم ولقب بالمستعلى بالله. وأصبح في بكرة يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة فأخرجه إلى الإيوان، وأجلسه على سرير الملك، وجلس هو على دكة الوزارة، وحضر قاضي القضاة المؤيد بنصر الإمام علي بن نافع بن الكحال، والشهود، فأخذ البيعة على مقدمي الدولة وأمرائها ورؤسائها وجميع الأعيان..
إلا أن ابن كثير في البداية والنهاية ذكر أن المستنصر عهد بالحكم من بعده لولده نزار لكن الأفضل نقض العهد..
روى ابن كثير: وَكَانَ قَدْ عَهِدَ بِالْأَمْرِ إِلَى وَلَدِهِ نِزَارٍ، فَخَلَعَهُ الْأَفْضَلُ بْنُ بَدْرٍ الْجَمَالِيُّ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ. وأمر الناس فبايعوا أَحْمَدَ بْنَ الْمُسْتَنْصِرِ أَخَاهُ، وَلَقَّبَهُ بِالْمُسْتَعْلِي..
فَهَرَبَ نِزَارٌ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَجَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ فَبَايَعُوهُ، وَتَوَلَّى أَمْرَهُ قَاضِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ: جَلَالُ الدَّوْلَةِ بْنُ عمار، فقصده الأفضل فحاصره وقاتلهم نزار وهزمهم الأفضل وأسر القاضي ونزار، فقتل القاضي وحبس نزار بين حيطين حَتَّى مَاتَ، وَاسْتَقَرَّ الْمُسْتَعْلِي فِي الْخِلَافَةِ، وَعُمْرُهُ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً[ انظر البداية والنهاية ج 12 سنة سبع وثمانين وأربعمائةه..]..
وروى الذهبي في تأريخ الاسلام حوادث سنة خمس وتسعين وأربعمئة: وفيها توفي المستعلي بالله، أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله، معدّ بن الظاهر علي بن الحاكم منصور العبيدي صاحب مصر، ولي الأمر بعد أبيه ثمان سنين، ومات في صفر، وله تسع وعشرون سنة..
وفي أيامه انقطعت دولته من الشام، واستولى عليها الأتراك( آل زنكي) والفرنج ولم يكن له مع الأفضل حلّ ولا ربط، بل كان الأفضل أمير الجيوش، هو الكلّ..
وفي أيامه هرب أخوه نزار، الذي تنسب إليه الدعوة النزارية بقلعة الألموت، فدخل الاسكندرية وبايعه أهلها، وساعده قاضيها ابن عمار، ومتولِّيها أفتكين، فنازلهم الأفضل، فبرز لحربه أفتكين وهزمه، ثم نازلهم ثانياً وظفر بهم، ورجع إلى القاهرة بأفتكين ونزار، فذبح أفتكين، وبنى على نزار حائطاً فهلك[ انظر العبر في خبر من غبر ج2]..
وقيل أن الحسن بن الصباح زعيم الفرقة الشهيرة بالحشاشين وهو أحد الدعاة الإسماعيلية البارزين في تلك الفرقة خطب لنزار وعمل على تكوين فرقة له عرفت وقتها بالنزارية ، وأرسل بعض أتباعه لإحضار نزار من مصر إلى فارس حيث مقر دعوته..
وقيل أيضاً إن نزار فر من الحصار حول الإسكندرية واتجه إلى ابن الصباح في فارس وتزوج ابنته ونص بالإمامة من بعده على ولده منها..
والنزارية هم أصحاب الفرق الفدائية التي طاردت صلاح الدين ، وكان من ضحاياها الوزير نظام الملك وزير ألب أرسلان وملك شاه من ملوك السلاجقة ، وقد حاولوا قتل الخليفة الآمر بأحكام الله ابن المستعلي في عام 524 ه‍..
ويذكر أن هذه الفرق الانتحارية أصابت المجتمع السلجوقي بالرعب حيث كانت غاراتهم لا تنقطع عن السلاجقة..
وروى ابن الأثير في الكامل حوادث سنة 487ه نفس القصة..
غير انه اضاف ان ابن الصباح َوَصَلَ إِلَى مِصْرَ، وَدَخَلَ عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ صَاحِبِهَا، فَأَكْرَمَهُ، وَأَعْطَاهُ مَالًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى إِمَامَتِهِ..
فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: فَمَنِ الْإِمَامُ بَعْدَكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى ابْنِهِ نِزَار وتوفي ابن الصباح في عام 518ه ..
لقد أدى الخلاف حول أحقية الإمامة من بعد المستنصر إلى انقسام فرقة الإسماعيلية وانتقل هذا الخلاف إلى الهند التي كانت قد وصلتها دعوة الشيع من قبل ظهور الفاطميين عن طريق اليمن،ثم عن طريق البحرين بعد ظهور الفاطميين..
واتجه شيعة الهند القدامي إلى تبني الدعوة المستعلية وأصبح يطلق عليهم اسم البهرة وهي كلمة تعني بالعربية : تاجر . .
وربما كان سبب ظهور كلمة البهرة وإطلاقها على اتجاه المستعلية يعود سببه إلى العلاقات التجارية التي تربط هؤلاء الهنود الشيعة بمصر واليمن..
من هنا ارتبطت فرقة المستعلية بمصر ارتباطاً روحياً لكونها تمثل قاعدة الفاطميين وبها مراقد أئمتهم وآثارهم..
أما النزارية فتعد السلمية بحمص في سوريا القاعدة التأريخية لها ، وإن كانت تنظر لمصر بعين القداسة ،وهى تعترف بالأئمة الفاطميين حتى المستنصر فقط..
ويطلق عليها اليوم اسم الاغاخانية..
وقد انقسمت المستعلية في الهند إلى طائفتين : داودية وسليمانية ، نسبة إلى أسماء اثنين من كبار دعاتهم ، والذين يأتون إلى مصر ينتسبون إلى الداودية ..
وهم في عبادتهم وشعائرهم لا يختلفون عن الشيعة الإمامية في شئ..
ويحتفظ البهرة في الهند بكثير من الكتب الفاطمية التي نقلت إليها من اليمن ومصر خاصة بعد سقوط الدولة الفاطمية ، وما لحق بتراث الفاطميين من تدمير وإحراق على يد صلاح الدين..
ومن بين هذا الكتب السجلات المستنصرية ودعائم الإسلام للقاضي النعمان وهو كتاب الفقه الأساس عند طائفة البهرة وفد تم طبع كلا الكتابين في مصر منذ عقود..
والظاهر أن عودة البهرة إلى مصر بدأت في أواخر السبعينات وبدأت في الازدياد في فترة الثمانينات..
وقد اتجه البهرة فور وصولهم إلى مصر للقاهرة الفاطمية وأقاموا فيها وبدأوا رحلة البحث عن مراقد وآثار الأئمة الفاطميين والعمل على بعثها وتجديدها..
وكان من أشهر الآثار الفاطمية التي قام البهرة بتجديدها في مصر مسجد الحاكم بأمر الله المسمى بالجامع الأنور الملاصق لسور القاهرة من الجهة الشمالية بجوار بوابة الفتوح ،وهو من أضخم مساجد القاهرة ،وقد استخدمه صلاح الدين ومن بعده ملوك الأيوبيين بعد أن تم إغلاق الجامع الأزهر..
ولم تقتصر مهمة البهرة في مصر على آثار الفاطميين وحدهم بل امتدت لتشمل مراقد أهل البيت في مصر ، فقاموا بتجديد مرقد السيدة زينب ومقصورتها ،كما جددوا مقصورة رأس الحسين،وجددوا قبر مالك الأشتر الذي دفن على بابه شقيق شيخ البهرة واقاموا مسجدا على رفات محمد بن ابي بكر..
قال الأستاذ محمد زكي إبراهيم رائد العشيرة المحمدية وهى احدى الطرق الصوفية في كتابه أهل القبلة كلهم موحدون : البهرة أي كبار التجار ويقولون إنهم أحفاد الفاطميين ، هاجروا في الحكم الأيوبي وتنقلوا في البلاد حتى استقروا بالهند ، وهم معتدلون في الغالب ، وهم الذين جددوا جامع الحاكم بعد اندثاره ، ووهبوا لمشهد الحسين والسيدة زينب ضرائح الذهب والفضة فهم غير الأغاخانية ، وكان الأزهر قد أهدى سلطانهم الدكتوراه الفخرية ، فهم مسلمون..
ويلاحظ أن طائفة البهرة يقيمون شعائرهم علناً في مسجد الحاكم بأمر الله ويبدو من ظاهرهم التمسك بالسنن والهيئات الإسلامية..
كما يلاحظ عليهم الانضباط والنظام فهم يسيرون جماعات بشوارع القاهرة ويمسكون بالمصاحف في أيديهم ،ونسوتهم محجبات وقد اعتاد رؤيتهم رجل الشارع في مصر..
وهم لم يكتفوا بمجرد الإقامة في مصر وبجوار القاهرة القديمة ،بل اتجهوا إلى إقامة المشاريع التجارية وبعضهم اشتروا بيوتاً ومحلات تجارية في شارع المعز لدين الله الفاطمي الذي يشق قلب القاهرة القديمة..
وبتوافد البهرة على مصر يزداد التواجد الشيعي فيها بعد أن كان قد اختفى منها طيلة ثمانية قرون..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close