قرارات بائسة لا ترتقي لمستوى المحنة الراهنة

د. كاظم المقدادي

بعد الجرائم البشعة التي أقترفتها حكومته بحق شبيبة العراق من أبطال إنتفاضة تشرين الباسلة، وإجباره على الأستقالة، وغبابه ” الطوعي” عن تصريف الأعمال في أوج أزمة وباء كورونا، عاد يظهر من جديد على الفضائيات،ويضطر العراقيون لمشاهدته وسماع خطبه الرنانة الموحية بأنه “المنقذ” للأمة من محنتها الراهنة…

بشأن مهمة مكافحة وباء كورونا كانت قد أناطتها حكومته بـ ” خلية الأزمة ” برئاسة وزير الصحة الدكتور جعفر صادق علاوي، وعملت الخلية طيلة الفترة المنصرمة وحتى الآن.لكن رئيس حكومة تصريف الأعمال ترأس جلسة مجلس الوزراء الأعتيادية الثانية عشر المنعقدة في 26/3/2020، التي قررت تعديل قرار مجلس الوزراء رقم ( 64) لسنة 2020، وتشكيل ” اللجنة العليا للصحة والسلامة العامة لمكافحة جائحة فايروس كورونا المستجد” برئاسته..

لماذا برئاسته بالذات وهو المستقيل ؟!!.. هل هو ضامن،أي موعود من شلة المتنفذين، بأنه سيستمر في السلطة ليترأس لجنة وطنية سيستمر عملها لأشهر قادمة ؟!!

والمفارقة أنه في 29/3/2020، ترأس الجلسة الأولى للجنة العليا، وإعلن بان تشكيلها ” جاء نتيجة شهرين من العمل والتقدم الحاصل، وتجاوز الصعوبات، وتقديم الحلول والتسهيلات اللازمة”، وإشاد بعمل ” لجنة الأمر الأداري (55)”( وليس ” خلية الأزمة”) التي ” قامت بعمل كبير”..

ولم يتضح لماذا لم يذكر “خلية الأزمة” أو بالأحرى يتجاهلها. وما دامت حصيلة مكافحة كورونا ” عمل كبير”، فلماذا إذاً تم تشكيل اللجنة العليا ؟ وما الذي ستتميز به عن خلية الأزمة برئاسته ؟!!..

لقد صدر عن الأجتماع الأول للجنة العليا بيان مقتضب جاء فيه:”إتخذ الإجتماع العديد من القرارات الهامة والعاجلة والتي ستصدر لاحقاً”.. ومرت أيام ولم نطلع عليه..وفي الأجتماع الثاني لها، في 1/ 4 / 2020، تحدث رئيسها، معتبراً أن ” الوضع الصحي في العراق جيد” وأن” ارقام الأصابات بكورونا معقولة”..

لا مجال هنا لمناقشته كم ان الوضع الصحي في العراق ” جيد”، والمواطنون يعيشون كل يوم وكل لحظة التدهور الفضيع للخدمات الطبية والصحية الذي سببته المافيا المعشعشة في المؤسسات الصحية..

أما ” معقولية” أرقام إصابات ووفيات كورونا، فالمؤكد ان تقييم رئيس اللجنة العليا هذا يتجاهل ان الأرقام الحكومية هي موضع شكوك واسعة، وحتى إستهزاء وتندر من قبل المواطنين،الذين لا يثقون بمصداقيتها منذ أول ظهور لأعضاء”خلية الأزمة” في شباط الماضي، حينما شاهدوهم كيف يتدافعون على تصدر المنصة أمام وسائل الأعلام..وتزايدت الشكوك بعد ظهور تباين كبير بين ارقامها وما تشهده المستشفيات، وبينها وبين بيانات مفوضية حقوق الانسان..

ونقلت تقارير عن أطباء يعملون في المستشفيات وفي إجراء الفحوصات الميدانية خشيتهم من تفشٍ خفي لفايروس كورونا، مؤكدين أن أعداد المصابين به اكبر بكثير من الأرقام الرسمية المعلنة.ونبهوا الى أن عدم الكشف عن ذلك يشكل خطراً صحياً كبيراً خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.وأقرت وزارة الصحة وممثل منظمة الصحة العالمية في العراق ان توسيع الفحوصات أظهر زيادة متوقعة في عدد الاصابات الموجبة المكتشفة في اغلب محافظات العراق.وهذا يعني ان الأرقام الرسمية المعلنة لا تعكس حقيقة الأصابات الفعلية..

الى هذا، كشفت أزمة الأمتناع عن دفن ضحايا كورونا في المدافن الموجودة وتكدس جثثهم في ثلاجات المستشفيات، وبعضها في البيوت، كذبا صارخاً في أعداد المتوفين المعلنة رسمياً.

وأكدت تقارير بان الحكومة منعت الأطباء من إعطاء الأعداد الحقيقية للمصابين وللمتوفين بكورونا…

بالعودة الى الأجتماع الثاني للجنة العليا، نشير الى ما أعلنه رئيسها أيضاً:” أننا نعمل على توفير جميع متطلبات المواطنين في ظل الأزمة الراهنة،وعلى إتخاذ قرارات عملية لخدمة الشعب في ظل الظروف الصعبة”.

فلنر ما الذي قررته اللجنة العليا في هذا المضمار:

أصدرت اللجنة العليا في جلستها الثانية 11 قراراً،ودرست ” تحديد يوم للتضامن ولدعم الجهد الوطني في مواجهة وباء كورونا والمواقف التي جسدت روح الوحدة والتكافل، وتعبيراً عن التضامن مع عوائل المصابين والمتوفين..” !!!..

أول القرارات: ” توفير الخدمات الصحية والعلاجية والوقائية في مواجهة الوباء”..

ماذا يعني ذلك ؟.. أهو إقرار من اللجنة العليا بعدم وجود الخدمات الصحية والعلاجية والوقائية حتى تقرر توفيرها ؟!!.. والصيغة عمومية، أي بدون تحديد للمطلوب توفيره راهناً في الخدمات المذكورة..

القرارات الأخرى: ثمة 8 منها تتعلق بالأجازة الأستيرادية للأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية والعُدد التشخيصية والمختبرية، وتأجيل إستيفاء الرسوم الكمركية للمواد المذكورة، وتخويل وزارة الصحة إصدار الموافقات الأستيرادية، وإجراء المناقلة المالية، وإستثناء عقود تجهيز الأدوية والمستلزمات الأخرى من الضوابط والموافقات.

وقرار واحد ينص على تحويل مبلغ 50 مليون دولار لحساب الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية للشراء المباشر..

وثمة قرارت تتعلق بحاجة السوق من المواد الغذائية والطبية والزراعية، مع الأهتمام بالمنتوج الوطني، وتسهيل عبور الشاحنات ومركبات الحمل من والى المحافظات والمدن،ومتابعة ومراقبة الأسعار، وتسهيل مهمة تنقل الحاصدات الزراعية ونقل الأغنام والمواشي..

والملفت ان اللجنة العليا لم تخرج عن نهج تشكيل اللجان، التي شبع العراقيون منها، ولم يحصدوا سوى الوعود. فقد قررت: تشكيل لجنة برئاسة المستشار الأقتصادي لرئيس الوزراء لإعداد دراسة حاجة السوق من المواد الغذائية والطبية والزراعية.و لجنة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء لدراسة دعم العاملين بالقطاع الخاص.ولجنة برئاسة وزير التخطيط لمعالجة إنعكاسات الأزمة المالية والصحية على المواطنين، والنظر بتوفير مبالغ مالية للمواطنين المتضررين بالأزمة..

فمتى تجتمع هذه اللجان، وتعد، وتناقش،وتقر، وترفع مقترحاتها الى اللجنة العليا، ومتى ستقرها، والأزمة تتعمق يوماً بعد اَخر ؟!!..

بعد هذين الإجتماعين للجنة العليا وللقرارات التي صدرت عنها وأُعتبرها إعلامها “هامة وعاجلة”.. ثمة تساؤلات تطرح نفسها:

أعلن رئيس اللجنة العليا-كما أسلفنا:” أننا نعمل على توفير جميع متطلبات المواطنين في ظل الأزمة الراهنة،وعلى إتخاذ قرارات عملية لخدمة الشعب في ظل الظروف الصعبة”..

فهل لجنته مهتمة حقاً في إجتماعاتها،وجداول أعمالها، وقراراتها، بمحنة الملايين من العراقيين المحرومين والمتضررين من الأزمة الراهنة ؟

ولماذا إذاً ” النظر بتوفير مبالغ مالية”، وليس توفير المبالغ المالية اللازمة للمواطنين المتضررين ؟!!

ألا تعلم بوجود ما لا يقل عن 10 ملايين من المواطنين الفقراء،أغلبهم يقع تحت خط الفقر، وهؤلاء هم عمال المساطر وأصحاب البسطيات والباعة المتجولين وسواق التاكسيات وغيرهم من الكسبة الذين يكدحون يومياً زمنهكين لتأمين لقمة خبز وقوت أسرهم في الأيام العادية..فهل فكرت بحال هؤلاء المسحوقين، في ظل حظر التجوال( الذي لابد منه لمواجهة وباء كورونا) وهم عاجزون تماماً عن إطعام أطفالهم الجياع الذين ينتظرونهم في بيوتهم العشوائية ؟!

يا سادة أعضاء اللجنة العليا للصحة والسلامة العامة: ان جوع وبؤس أطفال هذه الملايين من المواطنين لا يحتاج ” النظر بتوفير مبالغ مالية”، وإنما يستلزم إجراءات عاجلة وفاعلة لتوفير المبالغ المطلوبة..

لو كنتم مهتمين وحريصين حقاً وفعلآ على صحة وحياة هذه الملايين من العراقيين لقررتم مثلآ:

* أن تطلقوا مواد البطاقة التموينية، وزيادة وتنويع مفرداتها، وتحسين قيمتها الغذائية.. أو تجهزون العوائل بوجبة تموينية كاملة لشهرين بالمجان أو مقابل مبلغ زهيد جداً .

* ان تمنحوا مستحقي الرعاية الأجتماعية راتباً عاجلآ لشهرين على الأقل .

* ان تمنحوا أصحاب البسطيات والأكشاك، والعاملين بأجر يومي، وعمال المساطر، وأصحاب الحرف المتوقفة، وذوي الإحتياجات الخاصة، والخريجين العاطلين عن العمل، مبلغاً قدره ربع مليون دينار شهريا لمدة شهرين على الأقل .

* ان تدعموا أسعار قناني الغاز، وكذلك أسعار النفط والطحين المجهزين لأفران الصمون والخبز في المناطق الفقيرة بشكل خاص كي يباع الصمون والخبز بإسعار منخفضة .

* ان تصدروا قراراً بإعفاء المواطنين من أجور الكهرباء والماء. واَخراً من دفع إيجارات البيوت والمحلات التجارية والأقساط المستحقة بإنواعها، لشهرين على الأقل.

هل صعب توفير المبالغ المطلوبة لمثل هذه القرارات ؟

-لا ، ليس صعباً :

** لو تحركتم على أقطاب السلطة،الذين يمتلكون نحو 700 مليار دولار في البنوك الأجنبية ومعظمها مسروق من أموال الشعب.. ألم يقل رئيس اللجنة العليا:” نعمل على توفير جميع متطلبات المواطنين في ظل الأزمة الراهنة”، فلِمَ لا يطلب من ربعه أن يكفروا عن ذنوبهم ولو بمليار دولار لكل واحد منهم، ويساعدون جكومته في تلبية ما وعد به ؟!!

هل هؤلاء غير معنيين بمبادرات التعاضد والتكافل الأجتماعيين ؟!!

** ولو طلبتم من مجلس النواب ان يتخذ فوراً قراراً،ملزماً بخفض رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث، والوزراء، وأعضاء البرلمان،والمدراء العامين، وذوي الدرجات الخاصة، الى 50 % ولمدة 3 أشهر. وإلغاء رواتب الرفحاويين،وأولهم الذين يعيشون في الخارج..

لو حققتم ذلك ستوفرون- كما تعلمون- المليارات لأنقاذ ملايين العراقيين من الكارثة المحدقة.

وحتى يتحق ذلك، وأشك أنكم تريدون ذلك، فلِمَ لا تستعينوا بالبنك المركزي وإستخدام جزء من المخزون الأحتياطي للأموال في معالجة أزمة الفقراء والمتضررين،إضافة الى متطلبات درء وباء كورونا ؟

أم أن الأحتياطي النقدي قد تبخر ؟!!

على اللجنة العليا للصحة والسلامة العامة ان تدرك، ان الجهود الوطنية، مهما تظافرت، لن تنجح في درء كارثة وباء كورونا عن المجتمع العراقي، من دون ان تنصب أيضاً وأساساً على توفير لقمة العيش وأبعاد شبح الجوع عن أطفال العوائل التي ليست لها مورد رزق ثابت، وتعيش على ما يكسبه رب العائلة من عمله اليومي !

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close