تصريحات متناقضة وتبجحات فارغة

د. كاظم المقدادي

في ظل إجتياح جائحة كورونا للعالم، وما سببته من مليونين و331 ألف أصابة و 161 ألف وفاة، وأكثرها في الدول المتطورة علمياً وطبياً وإقتصادياً، لا يمكن ان يكون عراقيا وطنيا وحريصا من لا يهمه ويفرح جداً للخلاص نهائيا من وباء كورونا وشفاء المرضى، لتعود حياة الناس الى طبيعتها..

بيد ان الخلاص من وباء كورونا طموح كبير، وليس من السهل تحقيقه، ولا يتحقق بالتمنيات الطيبة، ولا بتجاهل الظروف الموضوعية والذاتية المطلوبة لتحقيقه، ولا بالكلام المجافي للواقع وبالتبجحات الفارغة، وبتسجيل إنجازات كاذبة، في وقت لم يتحقق هذا الطموح لحد الان في اكبر واقوى الدول واكثرها تطورا وتمتلك امكانات صحية متقدمة، لا تقارن بما يمتلكه العراق،وهو يعيش وضعاَ صحياَ متردياَ للغاية، في ظل إستشراء الفساد المالي والأداري، وتفنن ساسته المتنفذين بنهب ما بقي من مال عام وبإفقار الشعب وجعل البلد يتخلف أكثر، بتبريرت كاذبة ومخادعة ومضللة وبالتسويف وتشويه الوقائع والحقائق..

لا مجال هنا لتعداد الأمثلة الكثيرة لتبجحات فارغة وانجازات كاذبة بشأن مكافحة وباء كورونا، ونكتفي بذكر بضعة أمثلة أطلقها مؤخراً مسؤولون عراقيون:

فيما قررت اللجنة العليا للصحة والسلامة العامة يوم الأربعاء 15/4 استمرار حظر التجوال الى بداية شهر رمضان، وتقييم الوضع لاحقاً في ضوء ما يستجد،أعلن وكيل وزارة الصحة والبيئة حازم الجميلي نصاً: “ان العراق نجح بهزيمة فيروس كورونا”.وأوضح في مقابلة متلفزة ان ” فيروس كورونا هُزمَ امام قوة وصلابة العراقيين، مواطنين وكوادر صحية، والسبب هو القرارات الاستباقية الصحيحة، والتزام اغلب المواطنين بإجراءات الوقاية”..

وأكمل الجميلي تبجحه بان ” تجربتنا بالعراق في مواجهة كورونا نجحت وأصبحت نموذجاً عالمياً، واعتقد ان ما اتخذه العراق من إجراءات صحيحة سيدرس عالمياً وخاصة في علم الوبائيات”.وتابع: “السر وراء نجاح هذه التجربة وقلة الإصابات بالعراق قياساً بدول عظمى أكثر تقدماً صحياً هو الإجراءات الاستباقية التي اتخذها العراق من اغلاق للحدود وإيقاف الرحلات مع الدول الموبوءة وخاصة الصين وإيران، اذ رفضنا السماح بانتقال مواطني تلك الدول للعراق، وسمحنا لمواطنينا فقط بالعودة، وهذا اجراء طوق الخطر.وأضاف ” نحن قد نكون البلد الوحيد في العالم من اتخذ هكذا إجراءات بشكل مبكر جداً”..

وذات التغمة إتبعها المتحدث بإسم وزارة الصحة سيف البدر، مكرراً كلام زميله:” أن الإجراءات الوقائية المبكرة التي اتخذت حالت دون تفشي وباء كورونا”. وأوضح :” إن “سرعة الإجراءات الوقائية، وعلميتها ، وقوتها، والتي اتخذت بوقت مبكر من قبل الحكومة ووزارة الصحة، حالت دون انتشار فايروس كورونا، على عكس ما حدث في الكثير من الدول العظمى”.وأضاف: “هناك احتواء للإصابات ومنع لتفشي الوباء، وهذا يعد إنجازاً كبيراً”..

من جهته،أكمل وزير الصحة جعفر صادق علاوي النغمة بقوله في مقابلة متلفزة بان ” العراق حصل على شهادة عالمية بالانتصار على المرض”..

تصريحات المسؤولين الثلاثة المتناغمة جاءت في أوقات متقاربة، مما يدل على إتفاق لطرحها.وقد تضمنت كلاماً اَخراً- سنأتي عليه- ورد فيه تناقضات صارخة من قبل كل واحد منهم ملفتة للأنتباه..

فالجميلي قال أنه ” رغم المؤشرات الإيجابية للغاية، فأن ان هناك تحد ما زالت تعاني منه الكوادر الصحية، وسببه المواطنون انفسهم”، موضحاً :” مشكلتنا الحالية ان كثيرين ممن تظهر عليهم الاعراض او من ساء وضعهم الصحي بسببها، يرفضون الاتصال بنا، خوفاً من العزل او لأسباب اجتماعية وهذا تصرف خطير للغاية لان حياتهم ستكون على المحك، وسجلنا وفيات بهذا السبب”..

و المتحدث بإسم وزارة الصحة قال:” الوقت مازال مبكراً لإعلان تجاوز مرحلة الخطر”. وشدد على “ ضرورة استمرار الالتزام بالتعليمات حتى يتم السيطرة بشكل كامل على الفايروس”..أي أنه أقر بنفسه بأنه لم تتم السيطرة الكاملة على وباء كورونا في العراق. وهو ما يناقض تصريحاته السابقة في هذا المضمار، والتي قندناها في وقت سابق. ولم يرد علينا..

أما الوزير علاوي،الذي تبجح بـ”الشهادة العالمية” فهو قد فند بنفسه،في نفس المقابلة، مزاعم موظفيه، بقوله: “المرض ما زال خطيراً، وموجوداً، وهو يفاجئنا بتغييرات ويتطور”.وأكد إن ” كورونا فيروس خبيث، والظرف صعب، ونعرف مستوى معاناة المواطنين، والمطلوب منهم الصبر لمنتصف أيار المقبل أو بداية حزيران وربما بعدها،وفقاً لما يراه الخبراء والمختصون العراقيون لتجاوز خطر كورونا. ونعتقد ان العراقيين سيضطرون للبقاء في بيوتهم خلال شهر رمضان القريب لان الخطر ما زال مستمراً “.

الى هذا، تطرح نفسها التساؤولات التالية :

أولآ- من الذي منح العراق “الشهادة العالمية” ؟ وأين هي هذه الشهادة ؟ ولِمَ لم تنشر ؟!!

ثانياً- ما هي “مؤشرات إنهزام كورونا في العراق”، التي تبجح بها الجميلي ؟..

أي” إنهزام” هذا، وعدد الأصابات في تزايد،مع تزايد عدد النماذج المفحوصة، وقد بلغت 1539 إصابة (من نحو 56 ألف نموذجاً مفحوصا).وبلغ عدد الوفيات 82 وفاة لغاية 19/4..وهذه الأرقام رسمية، وهي- بصراحة- مشكوك في صحتها،إذ أكد أطباء هذه الشكوك، وحتى أن رئيس اللجنة العليا للصحة والسلامة العامة قال في إجتماعها في 16/4: ” يتهموننا بإخفاء جثث موتى كورونا في البيوت “، ولم يستطع تفنيد ذلك.وأكد مواطنون في مدينة الثورة وفي الكاظمية ان العشرات من موتى كورونا المتوفين في البيوت دفنوا بشهادات وفاة “موت عادي” في المقابر غير المخصصة لموتى كورونا..

ثالثاً- من الذي قرر بان “تجربة العراق أصبحت نموذجاً عالمياً وستدرس في علم الوبائيات ” ؟ وعلى أي أساس ؟!!..

يبدو ان المسؤولين في عراق اليوم لا مكان للتواضع ولمؤشرات الواقع المُعاش في طروحاتهم وتباهيهم المخجل.. ووفق عقليتهم هذه، نشير الى بعض “إنجازاتهم “:

· الزعم في بداية إنتشار الوباء :” اكتشاف دواء عراقي جديد يعالج مرض كورونا بنجاح “، بالضد مما أعلنته منظمة الصحة العالمية بانه لم يتم الكشف عن علاج جديد ولا لقاح جديد لفايروس كورونا حتى يومنا هذا..وبعد إنكشاف الكذبة وما وراءها من غرض مريب صمت من روج لها صمت القبور..

· الإدعاء في 4 / 4 :” سيطرنا على الوباء والعراق سيصنف من ضمن الدول المسيطرة “، بخلاف ما أعلنه ممثل منظمة الصحة العالمية أدهم إسماعيل:” الوضع الصحي على مستوى العراق غير مقبول”، وان “قلة الأصابات لا تعني إنحسار الوباء” و” شدد على ضرورة العمل على تقليص عدد الأصابات والوفيات الى الصفر للإعلان عن السيطرة الكاملة على الفايروس”. وحذر من أن “العراق إلى الآن لم يصل إلى ذروة الإصابات بفيروس كورونا”، لافتاً إلى أن “نتائج انحسار الفيروس أو تفشيه ستظهر لاحقا.

· مواصلة الخديعة والكذب بشأن الأجراءات الأستباقية المزعومة وإتخاذها “في أوانها”، التي تفندها الأحداث التالية:

أول إصابة أعلنتها السلطات كانت في شباط..وفي الوقت الذي صدرت فيه تحذيرات جدية بضرورة غلق الحدود، ومنع الأيرانيين من دخول العراق.. لم تعرها الجهات المسؤولة إهتماماً، بل بالعكس، سمح وزير الداخلية ياسين الياسري للزوار الأيرانيين بدخول العراق بدون تأشيرة دخول. فدخل مرضى ونقلوا العدوى.وتم إرجاع بعضهم الى أيران من قبل السلطات العراقية..

ولم تغلق الحدود إلا بعد نحو شهر..ولم يكن غلقاً تماماً، إذ لليوم الطائرات والباصات الكبيرة تحمل زوار للعتبات المقدسة من إيران الى العراق، ويقال ان معظمهم مرضى ويطلبون الشفاء من الأئمة..في يوم 17/4 حطت طائرتان في مطار بغداد تحمل نحو 500 زائر بدون موافقة سلطة الطيران العراقية، وتم تمريرهم بدون حجر صحي .وأفادت تقارير ان العراق فتح أجوائه أمام الطيران الأيراني، وإعتبار الرحلات بين البلدين “رحلات داخلية “..

وفي اَذار تم فرض حظر التجوال..ولم يكن ناجحا هو الآخر، لأسباب تتعلق بعدم ثقة المواطنين بحكومة قتلة المتظاهرين السلميين، أولا، ولإنقطاع رزق الأسر الفقيرة،الجائعة والمنهكة، وهي بالملايين، ولم تكن هنالك حلول جدية معدة مسبقاً من قبل الجهات الحكومية توفر لها لقمة العيش وتبقيها في البيوت طوعاً..

وأمس حذر وزير الصحة من زيادة سريعة بمعدل إصابات كورونا جراء عدم الألتزام بالتعليمات الوقائية وإكتظاظ الشوارع بالمارة والسيارات..وثمة تخوفات موضوعية من ان رفع الحظر الجزئي قد يؤدي الى إنتشار سريع للوباء.

وفيما يتعلق بـ “السيطرة “على وباء كورونا في العراق، نشير الى أنه عند إعلان هذه الأكذوبة كان عدد الأصابات لم يبلغ أكثر من 700 أصابة،من معدل 100 فحص للنماذج يومياً، بينما اليوم هو أكثر من 1500 أصابة. والعدد الأجمالي يتزايد مع تزايد النماذج المفحوصة.وللآن تم فحص 56 ألف نموذجاً. وكان المتحدث بإسم وزارة الصحة قد صرح لـ ” المدى” بان “وزارة الصحة لا تستطيع مسح جميع المناطق لأسباب تتعلق بالموارد.ولذا إقتصر المسح الميداني على الأماكن الأكثر خطراً”.وأنتقد المواطنون اَلية الفرق الصحية بالفحص، مؤكدين عدم الأهتمام بفحص جميع المجاورين للمصاب.

وكان عضو خلية الأزمة البرلمانية حسن خلاطي قد أعلن:”هناك حالات غير مشخصة حتى الان، بسبب عدم مراجعة المواطنين ممن ظهرت عليهم اعراض الفيروس للمراكز الصحية”.

وتوقع زميله جواد الموسوي وجود أكثر من 1400 مصاب بالعراق لامسوا ما يقارب الـ 10 آلاف شخصاً من أقاربهم وجيرانهم وتشتبه إصابتهم وذكر في مقابلة متلفزة أن “خطر كورونا مستمر في العراق طالما لم يكتشف حتى الآن لقاح أو علاج للمرض”.

وقبلهما دعا النائب جمال المحمداوي وزارة الصحة وخلية الأزمة الى كشف مصير الحالات المشتبه بها بفيروس كورونا .وقال المحمداوي في تغريدة على تويتر ان ” الموقف الوبائي الذي تقدمه وزارة الصحة عن الاصابات الموجبة بفيروس كورونا مثبت من خلال إجراء الفحوصات المختبرية، لكن من الضروري الكشف عن الحالات المشتبه بها والتي بلغت لغاية 7 نيسان أكثر من 7000 حالة باستثناء محافظة أربيل”.

وبين المحمداوي ان “هذه الحالات تمت معالجتها كتشخيص أولي مصابة بفيروس كورونا حسب الأعراض السريرية وعلامات المفراس التشخيصية المؤكدة، لكن نتائج المسحات كانت سالبة ولم تعلن في الموقف الوبائي لوزارة الصحة، بيد انها دخلت ضمن الحالات المشتبه بها وتمت معالجتها بنفس بروتوكول معالجة كورونا”.وأضاف: “لا نملك إحصائيات عن عدد المتشافين والمتوفين وحالة الملامسين، وعلى سبيل المثال يوجد 3,767 حالة تراكمية منهم في محافظة بغداد والبصرة ونينوى”.

ودعا “وزارة الصحة وخلية الازمة للكشف عن مصير هذه الحالات وهل تمت متابعتها بصورة دقيقة؟ ومتابعة حالات الملامسين واعداد الوفيات من هذه الحالات؟”.وختم تغريدته بالقول “من الضروري كشف الأعداد الحقيقية بشفافية ليتسنى تطويق الوباء والحد من انتشاره بصورة فورية، وذلك ما يشعر المواطنين بعدم الاستهانة به واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة”.

وثمة مشكلة خطيرة مرتبطة بما ورد- إذا صح حدوثها في العراق، وقد حدثت في بلدان أوربية،أشار إليها وزير الصحة في تصريحات متلفزة، وهي ان بعض المرضى الذين تعافوا من فايروس كورونا قد عاد إليهم مرة أخرى..فهل “خلية الأزمة” مستعدة لها ؟.. وهل تقدر حجم تداعياتها على أسر الضحايا والملامسين لهم؟

كلمة أخيرة:

تلكم هي الأحداث والوقائع.. لا نبغي من التذكير بها إدانة أحد، ولا نريد ان نغبن حق أحد..لكننا مع أبناء بلدنا الذين يمقتون من حاول ويحاول إستغفالهم،ومع مَن لا يسكتون على الكذب والخديعة والتبجحات الفارغة والإنجازات الكاذبة،التي فندتها الأحداث والوقائع، وفندها أصحابها بأنفسهم وفق المقولة المعروفة: “من فمك أدينك” بما أوردناه على لسانهم !..

بذات الوقت، يقدر العراقيون عالياً من يخدمهم ويحرص حقاً وفعلآ على صحتهم وحياتهم.ومن هنا فهم لم ولن ينسوا الجهد اليومي المضني والبطولي الذي بذله ويبذله الأطباء ومساعدوهم من الممرضات والمضمدين والفنيين الصحيين، وغيرهم، في تشخيص ومعالجة مرضى كورونا، وفي مراقبة الحالات المرضية، وفي متابعة الذين في المحاجر،رغم ما يعانونه من شحة المواد والمعدات الطبية،ناهيكم عن الأجهزة الطبية الحديثة، ولليوم يشتكون بأنه لا تتوفر لهم حتى الوسائل المطلوبة لحماية أنفسهم من الوباء، وقد أصيب العديد منهم.وعدا هذا،لا يتعاون معهم الكثير من ذوي المرضى، ومن المشكوك بإصابتهم بالفايروس القاتل، الخ..وهم شاكرون وممتنون لجهود الجيوش البيضاء التي وقفت وتقف اليوم في مقدمة خط الصد للوباء الفتاك..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close