جودت التميمي ..الشاعر الذي تسيد المشهد عقدين ومات على ارصفة النسيان

راضي المترفي

في زمن الحجر الصحي المفروض جراء جائحة ( الكورونا ) اللعين تضيق مساحة الحركة حد الاختصار على غرفة النوم وغرفة الطعام والحمام وجراء ذلك تتزاحم الافكار حد التشتت لكن الملل الذي هو ابن شرعي للحجر يمتلك قدرة على التهام كل نشاط او تفكير خلاق دافعا بك للركون متقوقعا على سرير سأمته وسام منك بلا حول ولا قوة لكن هناك نوازع تمرد في الروح ترفض الركون وتحاول كسر الرتابة والبحث عن مايحقق بعض الرغبات ولايهم ان كانت مؤجلة او وليدة الحجر وكانت من ضمن هذه الرغبات الخوض في اوراق اشهر الصعاليك الشعراء في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي وهو الشاعر ( مكطوف حسن سلمان نهير اللامي ) المعروف باسم (جودت التميمي ) المولود في لواء العمارة قضاء علي الغربي عام 1935 وقدم الى بغداد في عام 1961 وسكن مدينة الثورة لكنه لم يمكث فيها طويلا بسبب غرس ( الصعلكة ) المبثوث في روحه والمتحول الى هاجس يسير به مسرعا الى اللاغاية واستقر مؤقتا في اقاربه في منطقة ( الوشاش) ومن هنا يؤرخ رفيق دربه وصديقه يعقوب زامل الربيعي :

(عام 1961 كان لقائي به أول مرة . لم يمضي على ذلك اللقاء سوى أيام حتى تحول الى صداقة قوية وعمل مشترك . صحيح ان تلك العلاقة لم تدم سوى خمس سنوات متواصلة الا انها شكلت جزءا هاما من أرشيف حياة شاعر وفنان وخطاط وممثل وصاحب صوت غنائي ، ونموذج لأحد صعاليك الوسط الفني في العراق . في ذلك العام عرفته في بيت من بيوتات مدينة الوشاش ملتجأ بفي أسرة من أولاد عمومته وأقربائه المعروفين هناك ، بعد هروبه من منطقة ” المسيب ” نتيجة محاولة سلطة عبد الكريم قاسم اللقاء القبض عليه ” لتورطه ” في أحداث محاكمة ” حسن الركاع ” غير الرسمية لبعض المشتبه بهم من البعثيين والقوميين بالتحضير لتحركات عسكرية وحزبية ضد حكومة ثورة 14 تموز 1958 ولتصفية بعض كوادر الحزب الشيوعي هناك في تلك الفترة كان جودت التميمي الذي نشط مع شيوعيي المنطقة في كتابة الشعارات على اللافتات ونظم القصائد السياسية التي كان يشاركون فيها في المسيرات الجماهيرية والتجمعات المهنية خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم . ولما كنت وانا الشاب المتحمس في مثل تلك الفعاليات فقد توطدت علاقتي بالشاعر من خلال أحد أبرز الشيوعيين في الوشاش المدعو يوسف الخياط والملقب بابي مصدق ، خال أبناء عمومة الشاعر . ولكون جودت كان ضيفا غيردائـم بين هؤلاء فقد أزدادت ضيافتي له في فترات غير منتظمة ، غير انها أنتظمت بعد حادثة معروفة في حينها . ويؤرشف الاستاذ يعقوب زامل الربيعي الحادثة المذكورة بما يلي : (كان يوما في أواخر عام 1961 ، مشهودا في حياة عائلتي ، ساهم جودت التميمي بصناعته الأمر الذي جعله يصبح فيه أحد افرادها، عندما كتب طلبا بأسم والدتي الى برنامج ” صندوق السعادة “كان مقدمه انذاك فخري الزبيدي للاشتراك فيه ، ولكون البرنامج مخصص لربات البيوت خاصة فقد ظهرت والدتي على الشاشة في البرنامج المبث على الهواء ( يومها لم يكن الفيديو معروفا في تلفزيون العراق ) وبعد أسئلة بسيطة فازت بالأجابة عنها لتخير بين الصناديق لعلها تعثر على صندوق ” السعادة ” فكان بالفعل فتحا لسعادة غيرمعهودة حين أختارت الصندوق رقم (5) لتحصل على الجائزة الأولى والتي كانت عبارة عن كيس تمن وتنكة دهن مقدمة من وزير الزراعة انذاك . الرقم السعيد الذي فتحته المرأة الريفية بغلفة عن الزمن لم يقفل على تلك الهدية فقط . فعندما تهلل وجه الفائزة بالحبور طلب المقدم من زوجها ان يحضر بسيارة تاكسي ليساعد زوجته في حمل المتاع السعيد ، ولما أخبرته بأنها أرملة تكدر جو البرنامج قليلا لتأتي منحة عبد الكريم قاسم بدار لتلك الأرملة مع مائة دينار . لما كان جودت التميمي سببا لهذه المنحة الكبيرة ولكونه صديقا سابق لي ولعائلتي ، فقد تم أضافته لباقي أفرادها . ومن خلاله تعرفت بالعديد من المطربين والشعراء من كتاب الأغنية في مقدمتهم المطرب والملحن الفنان قاسم عبيد الذي غنى للتميمي أغنية “اني عندي كلب مسكين وحنون ” التي أشتهرت يومها لما تحمل من فرادة جديدة في عالم النص الغنائي العراقي . ولما كان المطرب يمارس خياطة البدلات الرجالية في محل خاص به يقع في قيصرية تحت نهاية جسر الأحرار ” ) ومن خلال التةاجد في محل الخياطة العائد المطرب قاسم عبيد ومقهى في الصالحية عقدت بين جودت وبين الفنانين : المطرب عبد الجبار الدراجي وشهيد كريم ومجيد الفراتي ومحمد قاسم الأسمر والملحن محمد نوشي الذي كان خياطا ايضا وابو ضاري مقدم برنامج الشعر الشعبي المعروف انذاك ويشير الربيعي الى خلل في شخصية جودت الحزبية فيقول : مع ان جودت كان عضوا في الحزب الشيوعي الا انه لم يكن على درجة مرضية من الألتزام الحزبي المطلوب . فقد كان ميالا الى سلوك الصعلكة ، بما تحمله من ثقافة خاصة لم تكن تنسجم كثيرا مع متطلبات الشخصية المتوافقة منهجيا وأخلاقية مع المجتمع وبالتالي المطلوبة حزبيا . يقول الاستاذ ريسان الخزعلي : (الشاعر الراحل جودت التميمي شاعر موهوب، كتب الشعر منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي ،كتب الشعر معتمداً على قوّة هذه الموهبة ، الّا أنه جعل منها طريقاً الى السهولة ، ولم يكن ملتفتاً الى التطوّر الفني الا ماندر ، وما كان منشغلاً بوعي كتابة القصيدة ، بل استغرق كثيراً في كتابة الاغاني تحت ضغط الحاجة والعوز، وله مئات الاغاني التي شاع صيتها عراقياً وعربياً . إنَّ ادراك الشاعر لأهمية القصيدة قد جاء بعد التحديث / النوّابي / وما تلاه من تطوّر على ايدي شعراء مثقفين. وبالفعل كتب قصائد جديدة لها وقعها الفني ، لكنَّ ضغط الحاجة والعوز ، اضطرّه الى ان يبيعها الى آخرين متشاعرين ، وقد ظهرت في دواوينهم ، الّا أنه ادرك الخسارة لاحقاً ، وبقي متحسراً لا يقوى على الاعتراض الا بسرّية يعرفها مجايلوه . ومن قصائده اللامعة التي لم يشترها أحد بسبب مناخها السياسي، قصيدة ( رمدة الشمس ) التي تُنسب خطأً الى الشاعر مظفر النواب. ويضيف الخزعلي بألم : في بداية السبعينيات، صحا الشاعر من صدمة الخسارة، وجمع الشتات مما تبقّى لديه ، قائلاً : انَّ ما لديَّ بعد الذي حصل لم يكن سوى خواطر . والخواطر هذه، هيَ ما ضمّته مجموعته الوحيدة ( الكَناطر ) ..، وبسهولة يمكن ملاحظة الاعتراف والندم في المقدمة التي كتبها لمجموعته .

كان يمكن لموهبة التميمي ان تتحول الى مدرسة شعرية قائمة بذاتها وان يحمل لواء الشعراء في العقدين الذي ظهر فيهما شاعرا متفردا لكن روح الصعلكة اللمتشظية في داخله جعلت كل همه في ان يأكل ليقتل الجوع في داخله ويشرب ليخدر الوعي والطموح فيه هربا من العوز والفاقة التي عانى منها على مسار حياته من الطفولة حتى الممات رغم انه كان يعمل في فترات ربما كان اشهرها عمله في ( ملهى الكروان ) في بغداد العائد للمطربة لميعة توفيق ..

انه وكلبي بهيمة الوحشة انسبينه

لادرب يعرف وجهنه…

ولاوجه شفنه طفولتنه بجبينه!

لاجدم ينكل ابشارة ويعتنينه

لاشفايف تكطف البسمة علينه!

ولابقت ايد التحط دفو المحبة بحضن ادينه

ولابعد تلعب مراجيح العشك والشوك بينه!

ظلي يفلانه بغرورج…

يلي كلبج والثلج من فرد طينة!

لشوكت؟

لشوكت نبقى انتحمه اعلى الثلج….،

وحنه من جانت محبتنه جهنم مادفينه!!

تزوج مرة واحدة في حياته من (ممرضة ) يذكر الاستاذ يعقوب ان اسمها ( شمعه ) في حين يقول الاستاذ سعد صاحب ان اسمها ( هيام ) وكتب عنها الكثير من الاغنيات والتي كانت ابرزها (اربع حروف بغصن عمري اكتبت)، لكن هذا الزواج لم يدم طويلا بسبب مزاجية جودت وعدم المبالاة وعدم الالتزام بواجبات البيت والزوجة، فتم الطلاق بعد فترة وجيزة لا تتعدى الشهور القليلة، وعن هذه التجربة المؤلمة كتب اغنية (سبع تيام من عمري حلالي) التي غنتها الفنانة المبدعة لميعة توفيق. لم يرزق بأبناء من زواجه الفاشل لكنه يصر على وجود ابنة له اسمها (دموع) وكانت زوجته تكثر من المطاليب التي لا يقوى على توفيرها لها فاثقلت كاهله الديون الكثيرة وكان يعاني من ضائقة مالية في اغلب الاوقات، ورغم العذابات التي حصلت له من هذه المرأة كان يحن لها ويتمنى ان تعود الامور الى سابق عهدها القديم :

انتي وانه

اثنينه اباخر محطة امن العمر

والهم ولانه

اثنينه نعاين على الريل التعده وماتنانه

اثنينه اطفرنا الشباب وما تهنينه بصبانه

اثنينه شموع العرس ظلت ورانه

عندي جلمة

ولو مامش بينج او بيني ميانه

شكلتي لو نخلط توالي العمر ونعوض الجزانه؟

وبسبب عدم اهتمامه لذاته وعوزه وافراطه في شرب الخمر حد الادمان تحول الى ملهات في المناسبات الاجتماعية فهو حكواتي وشاعر ومطلق نكات من اجل حفنات دراهم وزجاجات خمر رخيص ووجبات طعام يسكت فيها صراخ الجوع في داخله ثم يقضي ليله على رصيف موحش بعد كل حفلة يحضرها . .

دون ازعاج او وشاية.

اه من هاي الفجيعة

اه من هاي النهاية

اه من نومي على دروب الوطن مثل النفاية !!

لاردت منك رتوش

لاردت منك مراية

لاردت منك هلاهل ..

لاردت صوغة امن الولاية

ولشوكت عمري يظل عاشور وعيوني سبايه؟

ونته تدري هواي نشدوني الحبايب

يمته فوك الدار تتعلك الراية؟

صدك يمته؟

يمته يلذبيتني بكتر الدرب ذبة النوايه

وانه غاد اعلى الكناطر!

يلمشيت اجيب لسنين الحزن جبر الخواطر؟!

وهكذا تهادى قطار جودت التميمي او مكطوف حسن سلمان نهير الفضلي اللامي بين مدن الفقر والعوز والحاجة ومحطات الشعر والسهر والاغاني والحفلات والمرض والعجز والشيخوخة حتى توقف نبض القلب في عام 2006 ليرحل بصمت وبدون ضجيج طاويا صفحة كان يمكن ان يكون فيها مدويا موت شاعر لو كان الشاعر احترم ذاته وموهبته .

أشكد صبرنا أعلى الكّناطر … ؟؟

وأنتَ لا هزك دمعنا .. ولا نفع وياك خاطر

لا خطف وجهك علينه

او لا سماك أعلى العطش والديم ماطر

والله لو أعرف الك موسم حصاد

وما تذر الفشل بعيون اليناطر

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close