الطبع والتطبع بين الأنسان والحيوان؟

الطبع والتطبع
بين الأنسان والحيوان؟
علاء كرم الله

لا توجد نظرية في علم الأجتماع أو نظرية علمية، حدثنا أصحابها وأثبتوا بأن الطبع غلب التطبع!، بل أن موضوع الطبع والتطبع جاء على شكل سير وأحاديث وحكايات وحكم وأمثال وردت في موروثنا الشعبي وأمثلتنا الدارجة مثل ( من شب على شيء شاب عليه)،( والطبع اللي بالبدن ما يغيره ألا الجفن) وغيرها من أمثال. ومثلما تداولت مواقع التواصل الأجتماعي والفضائيات، قصة تلك المرأة التي كانت تعمل في الحقل فوجدت ذئبا صغيرا (جرو)، لا يقوى على الحركة، فأخذته معها الى كوخها الصغير، والتي لا تملك فيه غير شاة. فقامت بالأعتناء بالذئب وكانت ترضعه يوميا من الشاة!، حتى كبر الذئب وتعافى. وفي يوم من الأيام وعندما رجعت من الحقل وجدت الشاة قد مزقها الذئب وأكلها وهرب!. فمثلما تؤكد هذه القصة على أن الطبع غلب التطبع، وأفتراس الذئب للشاة أمر طبيعي لكون الذئب حيوان مفترس. بالمقابل نقلت لنا االفضائيات ومواقع التواصل الأجتماعي، قصص عكس ذلك تماما ومع الذئاب أيضا!، حيث نقلت الفضائيات مشاهدات عن قصة ذلك الرجل الذي وجد ذئبا جريحا، أصيب بطلقة صياد. فأخذه معه للبيت وعالجه وأعتنى به لمدة من الزمن ليست بالقصيرة حتى شفى تماما من أصابته وبعد أن أسترد الذئب عافيته بالكامل، أعاد الرجل الذئب للغابة التي وجده فيها. وبعد مرور أكثر من سنتين صادف أن ذهب الرجل للغابة، وأذا به يتفاجأ بذئب يجري مسرعا نحوه!، ويقوم بشمه وينام تحت قدميه ويلحس يديه ووجهه، ويبدي له حركات من الوفاء والحب والحنان، لا يفعلها ألا الأبن لأبيه!، في منظر يثير الدهشة، قابل الرجل حركات الذئب وتووده بمزيد من الحب والشوق بعد أن عرف بأن هذا الذئب هو نفسه الذي كان مصابا وأعتنى به!. وقصة أخرى شبيهة لها نقلتها الفضائيات حدثت مع المرأة الروسية التي فوجئت بالذئب الذي ربته وأعتنت به وهو يأتي أليها متوددا بكل حب وحنان هو وأبنائه الثلاثة!. وهناك قصص كثيرة وكثيرة عن وفاء هذه الحيوانات المفترسة وتطبعها بالسكينة والهدوء والسلام والألفة مع من يعتني بها ويربيها ويحن عليها!. وما أدل على ذلك حيوانات السيرك ( الأسود والنمور والدببة)، وكلها حيوانات مفترسة، وبعيدا عن بعض القصص التي لا تعد حتى على أصابع اليد الواحدة، عن قيام أسد أو نمر أو دب بالهجوم على مدربه ومربيه محاولا أفتراسه!، فأن هذه الحيوانات المفترسة أمكن تطبيعها بشكل كامل وتحولت الى حيوانات أليفة تماما!، ولم يعد لطبعها بالأفتراس والشراسة من وجود في جيناتها التي ورثتها!!، ولم تعد مشاهدتها تثير الخوف والرعب، بل بالبعكس أصبحت مصدر للأمان والفرح والبهجة والمتعة والسرور وهي تؤدي ألعاب وحركات بهلاوانية!. فأذا كان هذا حال الحيوانات غير العاقلة فما بالك بالأنسان الذي وهبه الله زينة العقل ليكون سيد الكائنات كلها، حيث يمكن تغيير الكثير من طباعه الموروثة من أمه وأبيه نحو الأحسن أن كانت سيئة، شرط أمتلاك الأرادة والرغبة بذلك. ولنأخذ العصبية كأحدى صفات الأنسان مثالا على ذلك والتي يكتسبها بالوراثة من أمه وأبيه أو حتى من أعمامه وأخواله، والعصبية كطبع وصفة يمكن أن نجدها لدى الكثير من البشر ولنأخذ العراقيين المعروفين بطبعهم الحاد مثال على ذلك. لا يختلف الكثيرين بأن العصبية، صفة غير محببة بين الناس وهي صفة طالما تجلب الفشل والخيبة والخسران لصاحبها، رغم أن غالبية من يتصفون بالعصبية يكونوا طيبين!، والناس يتجنبون الشخص الذي فيه هذا الطبع العصبي والحاد خوفا من المشاكل وخوفا مما لا يحمد عقباه!. ومثلما يعرف الأنكليز بطبعهم الهاديء وبدمهم البارد!،يوصف العراقيين بسرعة الغضب والعصبية والدم الحار!. ومن الطبيعي تكون للظروف البيئية والحياتية وحتى طبيعة المناخ وظروف الطقس دورا كبيرا في التأثير على طباع الأنسان!. ومن المفيد هنا أن نأتي على ذكر ما قاله المعلم والمفكر الأمام علي عليه أفضل السلام عن العصبية والغضب فقال (أياك والغضب فأن أوله جنون وآخره ندم)، وأيضا قال (أقدر الناس على الصواب من لم يغضب) وكذلك في وصفه الرائع للغضب وتشبيهه بالنار( الغضب كالنار موقودة من كظمه أطفئها ومن أطلقه كان أول محترق بها). وفي آحايين كثيرة أن الشخص العصبي يكره نفسه من شدة عصبيته!، وعندما تعاتبه وتطلب الهدوء منه سرعان ما يجيبك ( هذا طبعي ولا أقدر على تغيره)!. ذكرنا آنفا أن الأبناء يأخذون الكثير من طباع أبائهم وحتى أخوالهم وأعمامهم، وهذا شيء معروف، ولكن نحن نتكلم عن العصبية وهذه ليست طباع في الشكل والخلقة لا يمكن تغيرها وكما نقول ( خلقة الله). مثلا أن يكون الأنسان طويلا أو قصيرا أو أبيض الوجه أو أسمر الشكل أو ملون العينين، وهكذا بالنسبة لبقية أعضاء الجسم وأشكاله، ولو أن عمليات التجميل تدخلت في كثير من أمر طبيعة هذه الوراثة وقلبتها رأسا على عقب!. نعود بالقول بأن الطباع الشكلية لا يمكن تغييرها، ولكن في موضوع العصبية وطبعها يمكن السيطره عليها وتغييرها والتطبع بالهدوء والسكينة والصبر وطول البال وكظم الغيض في المواقف الصعبة والسيطرة على ردة الفعل، هذا أذا اراد الشخص ذلك ورغب في أن يشذب شيء من طباعه ويرتقي بنفسه وأخلاقه. فالموضوع هو أرادة وعزيمة وقوة في النفس والذات البشرية. وكثير ما صادفنا أناس كانوا معروفين بعصبيتهم المفرطة وغلاظة طبعهم، وبعد أن تقدم به العمر تراه أصبح ساكنا هادئا، وسرعان ما ينصحك بعدم العصبية لأنها تجلب المصائب والهلاك والأمراض لصاحبها!، فهذا يعني بأنه بالأمكان والقدرة على السيطرة على العصبية وتتطبيعها بالهدوء. ولربما لا يعرف الكثيرون بأن الزعيم السياسي الوطني المرحوم الباشا نوري السعيد رغم ما يوصف به من دهاء وحنكة سياسية ألا أنه كان شديد العصبية وحاد الطبع وسريع الغضب!. كما أن الكثير من زعماء العالم الذين شغلوا الدنيا وملؤا الناس أتسمت طباعهم وشخصيتهم بالعصبية مثل الزعيم الألماني( هتلر) وكذلك الزعيم الأيطالي (موتسليني). وأخيرا أقول: بأنه ما دام موضوع العصبية ومزاج الأنسان بقدر ما هو موروث من الأباء والأجداد، فهو أيضا يرتيط وبشكل كبير ومؤثر بظروف الحياة بكل تفاصيلها المعيشية والأجتماعية والدينية والسياسية وكذلك ظروف الطقس والمناخ. لذا يحزنني أن أقول وبألم، بأن آخر شعب بالعالم يمكن أن تهدأ أعصابه ويعيش يومه وحياته بهدوء وسكينة هم العراقيين!، بسبب من ظروف حياتهم التعيسة والمظلمة والسوداوية والمخيفة بكل تفاصيلها والتي عاشوها والتي مرت عليهم منذ أكثر من 4 عقود ولحد الآن!، وأذا كان هناك بصيص أمل بأن يصلح الله أحوالهم وبالهم، فأن السنوات ال(17) الأخيرة من عمر العراقيين ( مو بس كفرتهم بدينهم، لا وراح تخبلهم بالتالي)!. ولله الأمر من قبل ومن بعد!.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close