تاريخ تسرب الأفكار العَلمانية الى كُردستان/ج9

أ.د. فرست مرعي

ثانيا: القوميون الاشتراكيون، والحزب الآخر هو الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه جلال حسام الدين الطالباني، وقد كان سابقا اتحادا بين ثلاثة أجنحة رئيسية: أولاهما تسمى العصبة الماركسية اللينينية الكردستانية ومختصرها (الكومله)، وثانيهما الحركة الاشتراكية الكردستانية، ومختصرها (البزوتنه وه)، وثالثها الخط العريض، وهي تضم شخصيات عشائرية ومثقفة مرتبطة شخصيا بالسيد جلال الطالباني.

وتعود بداية تأسيس العصبة الماركسية اللينينية (= الكومله) الى فترة الانشقاق الذي حدث بين جناحي الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي عام 1964م، المحافظ بقيادة ملا مصطفى البارزاني، واليساري أو ما يطلق عليه جناح المكتب السياسي بقيادة المحاميين ابراهيم احمد(1914-2000م) وجلال الطالباني(1933-2017م). وقد استثمر جلال الطالباني أجواء الحرية التي وفرها لهم التحالف مع نظام الفريق عبد الرحمن محمد عارف رئيس الجمهورية العراقية عام 1966م لتطبيق نظريات كبار المفكرين الماركسيين في العالم وخصوصاً الزعيم الصيني ماوتسي تونغ ( 1893-1976م) على المجتمع الكردي في العراق الذي تطغى عليه الصبغة العشائرية. وترجع أسباب تأثر الطالباني بالفكر الماوي وبالتجربة الصينية في تطبيق الاشتراكية الى اعتقاده أنها أكثر ملائمة للتطبيق في كردستان العراق من التجربة السوفيتية التي تعتمد على وجود طبقة عاملة متماسكة، وهو ما يفتقده مجتمع كردستان العراق ذو الطبيعة الفلاحية والذي يتشابه مع المجتمع الصيني .

وتجدر الإشارة الى أنَ أول نشاط جنيني يبشر بالفكر الماركسي في كردستان الجنوبية – العراق قد ارتبط بعودة الأسرى الكرد المنضوين في الجيش العثماني الذي كانوا يحاربون الجيش الروسي القيصري في الحرب العالمية الاولى، والذين أطلق سراحهم الجيش الاحمر بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية عام1917، إذ شرع هؤلاء يروّجون تصوراتهم عن الثورة البلشفية وقائدها لينين في مدينتي السليمانية وكويسنجق . ومن أبرز هؤلاء الضابط جمال ملا عبدالله عرفان)1881-1922م)الذي شكل في مطلع عام1920م عدة مجموعات سياسية في السليمانية هي: كوردستان، كه زه نك (= الشعاع)، فيداكارانى كورد(= فائيو الكرد)، وه ته ن بروران(= عشاق الوطن)، وبه رزى وه لات(= تعالي الوطن)، ودعت هذه المجموعات الى إرباك سلطات الاحتلال البريطاني واداراتها في السليمانية التي كانت تمهد لعودة الشيخ محمود الحفيد الى كردستان، كما أخذت تنشر الافكار اليسارية والماركسية، وقد اغتيل الضابط جمال عرفان في مدينة السليمانية في12 كانون الاول عام1922م بسبب نشره الافكار الاشتراكية والشيوعية، وبدسيسة من الاستعمار البريطاني والرجعية على حد تعبير أحد الباحثين الشيوعيين.

ويبدو أن الفكر الإسلامي التقليدي كان لا يزال هو سيد الساحة في تلك الحقبة من أيام حكمدارية الشيخ محمود الحفيد(1881-1956م)، الذي كان يتزعم ايضاً الطريقة الصوفية القادرية

ولكن الفكر اليساري في بغداد وتأثر عدد من المثقفين العرب العراقيين بنهج الماركسيين العرب في سوريا، وتشكيل لأولى الحلقات الماركسية في بغداد، وكان أبرز هؤلاء (حسين الرحال) الذي عاد من المانيا وتشرب بالفكر الماركسي هناك، وكون عام 1924م الحلقة الماركسية الاولى في العراق التي

ضمت كل من : محمد سليم فتاح، ومحمود أحمد السيد، وعبدالله جدوع، وعوني بكر صدقي، ومصطفى علي، وحميد رفعت.وقد سميت هذه الجماعة باسم (جماعة الرحال) أو (جماعة الصحيفة) نسبةً الى جريدة الصحافة التي أصدروها في 28 كانون الاول/يناير عام 1924م. وكانت صحيفة (الليبرمنثلي) التي كان يصدرها (بالم دات) في بريطانيا، و(الأومانتيه) الفرنسية ، قد خدمت في تعريف هؤلاء الشباب بالفكر الماركسي. إلا أن هؤلاء الشباب وبالرغم ما أتصفوا به من حيوية ونشاط في مساجلاتهم الفكرية مع خصومهم من أصحاب الفكر المحافظ (= الرجعي بنظر الماركسيين والشيوعيين) عجزوا عن أن يقيموا علاقات نضالية وثيقة بالعمال والفلاحين على الرغم من عطفهم على قضايا العمال، وظلوا يحصرون نشاطهم بالفكر الاشتراكي متخذين من الصحافة ووسيلتهم الى ذلك.

ويذكر جلال الطالباني في كتابه (كردستان والحركة القومية الكردية، الصفحة:67-68):” … وتسجل سنة1935 بداية انتشار الافكار الديمقراطية واليسارية بين الشباب الكرد. فقد كون المثقفونالاكراد أمثال السادةحمزة عبدالله ورشيد عارف وإبراهيم أحمد وعبدالصمد محمد وحسن الطالباني وغيرهم علاقات وثيقة مع جماعة الاهالي – الديمقراطية في العراق (= تيار يساري تأسس في بغداد عام1931م) التي كان من أقطابها الاساتذة كامل الجادرجي، وعبدالفتاح ابراهيم، ومحمد حديد، وكان الزعيم الوطني الخالد جعفر أبو التمن رائدهم الروحي، ولكن الشباب الكردي لم يكونوا متفقين تماماً فيما بينهم فقد انضم الاستاذ حمزة عبدالله والسيد عبد الصمد محمد الى أول خلية ماركسية كانت قد تأسست (= عند عد تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 13/3/1934م)، بينما كان السيد رشيد عارف وحسن الطالباني من المقربين الى جماعة الاهالي، أما الاستاذ إبراهيم احمد فقد ظل مستقلاً يحافظ على علاقاته الحسنة مع التقدميين والديمقراطيين العرب”.

وكان السيدحمرة عبدالله(1904-1998م) يدرس في تلك الآونة في كلية الحقوق في بغداد التي تخرج منها سنة1934م.

إلا أن ما تعرض له الحزب الشيوعي من حملات من قبل السلطات الملكية العراقية في أواخر العقد الثالث أضعف نمو هذا الاتجاه. ولكن الاتجاه عاود نموه مع استعادة الحزب الشيوعي نشاطه في مطلع الاربعينات. ففي عام 1941-1942م ظهرت أولى الخلايا الشيوعية في أربيل، وبعد عام من ذلك ظهرت الخلايا الشيوعية في السليمانية، ثم في مدينة كركوك

أما بخصوص الفكر اليساري في كردستان العراق فلم يتبلور ويتحول الى تيار، إلا في الثلث الاول من عقد الثلاثينات من القرن العشرين، وتحديداً في مدينتي السليمانية، وكويسنجق بتأثير الطلبة الذين كانوا يدرسون في الكليات والمعاهد العالية في بغداد، ومن أبرزهم: المحامي إبراهيم أحمد، والشاعر كوران، والشاعر فائق بيكس، والمعلم نوري حمه أمين (استاذ جلال الطالباني في كوينسجق)، وساد هذا الفكر داخل الاوساط المثقفة الكردية قبل ظهور الجمعيات والاحزاب الكردية، ابتداءً من سنة1935م، بتأثير جمعية الاهالي العراقية التي تأسست في عام1931م، والتي كانت تنحو نحو اليسار قبل تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في عام1934م.

كما لا يمكن الاستهانة بما لعبته مجلة كلاويز (= السهيل) التي تأسست عام1939م، وكان رئيس تحريرها إبراهيم أحمد، ومدير التحرير (علاء الدين السجادي) من دور ملحوظ في نشر الوعي القومي الكردي بما كانت تنشره من مقالات ودراسات بهذا الشأن، واستمر صدورها الى عام 1949م حيث توقفت بعد اعلان الحكومة العراقية الاحكام العرفية.

كما أن الطالباني شأنه في ذلك شأن كل المتأثرين بالتيار الصيني الماوي كان يتهم القيادة السوفيتية بقيادة (خروتشوف وليونيد بريجنيف) آنذاك بالتحريفية وبالخروج على الخط الذي ينبغي أن تسير عليه الحركة الاشتراكية العالمية. وفي ظل تلك الظروف التقى جلال الطالباني بالسياسي الايراني الدكتور(كورش لا شائي) الملقب بالدكتور جلال مسؤول منظمة الثورة الايرانية (= سازمان انقلاب ايران) الذي انشق عن حزب توده الايراني(= الشيوعي الإيراني)، ودخل الى العراق عام1965م كمعارض سياسي للشاه الايراني محمد رضا بهلوي(1941-1979م)، فتأثر الطالباني بأفكاره الثورية واقتنع منه بضرورة العمل على انشاء نواة ماركسية خالصة تتحول بالتدريج الى حزب ثوري قادر على النهوض بمسؤولياته وفق الشروط التالية: الاولى وجود منبر اعلامي يبث أفكاره بين الجماهير ويمهد الطريق أمام الحزب الثوري. وثانيهما تكوين خلايا تنظيمية سرية يتم تثقيفها على ضوء ما يجري طرحه في برنامج المنبر الاعلامي .

ويذكر السيد الطالباني في مذكراته الاسباب التي دعته الى تبني الإتجاه الصيني ومناصرته بالقول،:” ما جذبنا أكثر في الصراع الدائر بين الإتجاه الصيني السوفيتي هو مسألة النضال الثوري ضد الإمبريالية والإعتماد على الظهير الشعبي، وكذلك دعم وإسناد حركات التحرر لشعوب العالم.في تلك الفترة كانت الخروشوفية ترفض كل هذا، ولذلك وقعنا نحن الأغلبية تحت تأثير المباديء الصينية وتأثرنا بأفكار ماوتسي تونغ. وكانت هناك أوجه تشابه كثيرة بين الوضع الصيني والوضع الكردستاني، فالماركسية اللينينية طبقت في الصين وهي بلد شبه إقطاعي وشبه محتل ومتخلف وتقع ضمن خارطة العالم الثالث، وكذلك نضالهم الطبقي الذي بدأ من القرى والأرياف ثم إنتقل الى الجبال والوديان وإنتهى بتحرير المدن، كل ذلك كانت قريبة من واقع كردستان. هذا بالإضافة الى الإنتصارات التي حققتها الصين وكذلك المقالات التي نشرت في الصحف، ومجلة كلاويز(= النجمة التي كانت تصدر في السليمانية)، وبعض الكتب المترجمة الى اللغة العربية، كل ذلك كان له تأثير في الأفراد الذين إعتبروا أنفسهم ماركسيون لينينيون في الحزب، وخصوصا أن الخروشوفية كانت تؤيد تأسيس الإتحاد الإشتراكي في بلدان كمصر وسوريا والعراق تضم كل الأحزاب الثورية وأن تحل جميع الأحزاب

الماركسية اللينينية نفسها بتلك البلدان”. وبخصوص الموقف من الاتحاد السوفيتي، فإن السيد الطالباني يحدد موقفه في هذا الصدد بما يلي:” كان السوفييات من الناحيتين النظرية والعملية يؤيدون قيادة الملا مصطفى(= البارزاني) ضد قيادة المكتب السياسي، حتى أنهم نشروا مقالا في جريدة البرافدا حول تلك الخلافات، ووصف المقال قيادات وأعضاء ومريدي جناح المكتب السياسي باليساريين المتطرفين. وإستطرد المقال بالقول (أن هؤلاء يؤمنون فقط بالنضال الثوري ولا يفهمون حقيقة أن التطور هو سمة من سمات النضال بشكله السلمي، فهؤلاء مجموعة متطرفة ومخطئة من الناحية الفكرية وأسسوا لجناح داخل الحزب ضد الجناح الآخر الذي لا يؤمن بتلك الأفكار العنفية والمتطرفة)”.

وحول بدايات الخلاف الصيني – السوفيتي بين الماركسيين الكرد، وموقفه الشخصي كقيادي في حزب البارتي، يتطرق الطالباني الى هذه الناحية بالقول:”في البداية ظهرت الخلافات بين جميع هؤلاء الحزبيين، وكانت لديهم تصورات وأفكار آيديولوجية حول مسألة الماركسية- اللينينية، لأن الماركسية كانت تضم إتجاهين فكريين مختلفين، الشكل السوفيتي والشكل الصيني، وكنت أنا واحدا من هؤلاء أناصر الشكل الصيني، وكنت أستمع الى راديو موسكو وبكين وأعرف الخلافات الدائرة بين هذين الإتجاهين، وخصوصا أن احمد عبدالله(= قيادي في البارتي، اغتيل من قبل جناح الملا مصطفى البارزاني في اربيل عام1967م) كان يمدني بالمنشورات الصينية، وكان هو بدوره يؤيد الإتجاه الصيني ويعتبره أفضل من الإتجاه السوفيتي”.

وعندما استفسر المحاور من السيد الطالباني حول وجود أسباب أخرى ماعدا ما ذكره آنفاً، حول شيوع الفكر الماوي داخل حركة اليسار الكردي؟، أجاب بالقول:”نعم هناك أسباب أخرى، فبعد مجيء الأخوة في المنظمة الثورية لحزب تودة الإيراني الى بكرجو(= سابقاً احدى ضواحي السليمانية) تطورت أفكارنا حول الماركسية والنظرية الماوية. وكنت ومجموعة من الشباب معي كنا ضمن هذه المجموعة، وإنتشرت هذه الأفكار رويدا رويدا داخل الحزب وإنطلقت من البداية في السليمانية من قبل مجموعة من الشباب اليساريين الواعين مثل: نوشيروان مصطفى و بكر حسين و فؤاد ملا محمود و شازاد صائب و فريدون عبدالقادر و أحمد عبدالله و جلال كركوكي و غيرهم، و نمت و تطورت و إنتشرت بفضل هؤلاء الشباب. وكان الجزء الآخر داخل قيادة الحزب، يؤيدون الماركسية الينينية ولكنهم كانوا راضين مائة بالمائة بالأفكار الصينية، بل أنهم قبلوا حتى ببعض العموميات الكلاسيكية الماركسية، ونستطيع القول، نحن في الواقع ظهرنا كتيار عام 1968 نبشر بأفكار (ماوتسيتونغ) وننشر الكتب الصينية وسط الناس وتطورنا شيئا فشيئا. كما أن حصولنا على إجازة إصدار مجلة رزكاري وكذلك مجيء الإخوان في المنظمة الثورية الإيرانية(= تابعة لحزب تودة) كان لهما دور في تأطير أفكارنا وتوجهاتنا في إطار فكري محدد. أضف الى ذلك أن بعض الإخوان في الجامعة الذين تأثروا بهذا الفكر منهم: دارو شيخ نوري، و فاضل ملا محمود، و شهاب شيخ نوري الذي كان في البصرة آنذاك ثم عاد الى بغداد، وكذلك بعض الأعضاء الذين كانوا يعملون في اللجان المحلية منهم :جمال طاهر، ومحمد صابر، ورفعت الملا، وفؤاد قرداغي، تجمع هؤلاء حول مجلة رزكاري(= التحرير)، وأخيرا شباب آخرين مثل :محمود ملا عزت، وحمة جاوشين وغيرهم ممن لا يحضرني أسماؤهم كل هؤلاء كانت لديهم أفكار يسارية، وبذلك نستطيع القول بأن التيار اليساري المنظم بدأ يظهر داخل الحزب ويرسخ أقدامه

وبعد حل الحزب الثوري (= الحزب الديمقراطي الكردستاني – جناح المكتب السياسي- الجلاليون) أين ذهب هؤلاء، هل أسسوا حزبا جديدا؟كان الجواب:”بعد إتفاقية 11 آذار(=عام1970م) وحل الحزب الثوري بدأت المجموعة التي تعتبر نفسها تيارا ماركسيا لينينيا بالتحضير لتأسيس منظمة

جديدة وعصرية. كنا قد فتحنا مكتبة بإسم الفكر الجديد (بيري نوى) في بغداد كوكيل لتوزيع الكتب الصينية وكانت إجازتها بإسم (دارو شيخ نوري) ويشرف عليها شقيقه (شهاب) وكنت أنا أتولى حل مشكلاتها المالية. كانت المكتبة بمثابة مركز فكري لنشر وتوزيع الكتب المتعلقة بالفكر اليساري، وجدير بالذكر ان علاقتنا كانت قوية مع السفارة الصينية في بغداد، وعينوا شخصا كحلقة إتصال بيننا، وكانوا يدعموننا ويشوقوننا للعمل بهذا الإتجاه”.

وبخصوص نمو هذه العصبة الماركسية الماوية وتطورها، يذكر الطالباني:” وهكذا نمت البذرة الأولى لعصبة الشغيلة، لكن الجدل ثار حول التوجه الفكري لهذه المنظمة الجديدة. وكانت هناك توجهات مختلفة، فكما يبدو فإن شهاب شيخ نوري، فريدون عبدالقادر، فاضل ملا محمود، دلير صديق و فؤاد قرداغي بدؤا بالتحضير لتأسيس تنظيم جديد وجاؤوا إلي ورحبت الفكرة، ولكني قلت لهم بأن ما تقومون به هو عمل محدود، وعليكم بالإخوان العاملين في مجلة رزكاري فلا يجوز أن تهملوهم وتنحونهم جانبا، وقلت أيضا (هناك رفاق آخرون يحملون أفكارا جيدة وآخرين يجب أن تكسبوهم)، ولذلك قرروا تفويضي بالأمر للإتيان بمن أقترحه عليهم، لأن علاقتي كانت جيدة بهم وأستطيع أن أنظمهم. وكنا قد نظمنا دورة فكرية وتربوية لكوادرنا، وهناك شيء آخر أود أن أشير إليه وهو، أن شهاب شيخ نوري كان بمثابة الأخ الكبير لتلك المجموعة، ونوشيروان يحتل نفس المكانة وسط كوادر مجلة رزكاري، وكانت علاقتهم فاترة الى حد ما وساد بينهم عدم الثقة ، فتوسطت بينهم واستطعت أن أرضي الجميع، وافق الجميع على تأسيس تنظيم بإسم (العصبة الماركسية اللينينية الكردستانية) والتي تحمل المبادئ الماركسية اللينينية وتتبنى أفكار ماوتسي تونغ وتسعى لتشكيل حزب طليعي في كردستان ومحاربة الإمبريالية والإنحرافات الحاصلة في مسيرة النضال الثوري الكردي “.

*إذن أنت تحتسب كعضو مؤسس لهذه العصبة؟

– في بداية تأسيس العصبة، شكلنا لجنة قيادية موسعة، ثم إنسحب عدد من الرفاق منهم رفعت الملا ومحمود ملا عزت وبكر حسين، ومن بقي بقيادة التنظيم هم أنا وشهاب وفاضل ملا محمود وفؤاد قرداغي وفريدون عبدالقادر ودلير صديق.

وبعد فترة أحسست بأن فاضل ملا محمود يريد أن يسير بالعصبة بإتجاه آخر، وكنا قد وضعنا برنامجا محدود التداول، قررنا أن يكون بغاية السرية الى أن يتطور التنظيم ويقف على قدميه حتى لا نتعرض الى ضربة من السلطة ومن البارزاني، وكان قرارنا أن تبقى نشاطاتنا سرية للغاية ولا نتحدث عنها لأحد.

* وكيف كانت أساليب العمل داخل هذه المنظمة الجديدة؟

– قررنا أن تعتمد العصبة شكل خلايا التوعية في جميع المناطق، وأن نركز في البحث وسط تلك الخلايا عن الأشخاص المستعدين للعمل التنظيمي لكي نرشحهم للعضوية. منذ البداية بدأ فاضل ملا محمود بالتآمر وكان ينشر فكر (العراقجية) الذي يؤمن به لتعميمها على التنظيم، وكانت له قدرة جيدة على التكيف ، وقد تحدثت الى شهاب و فريدون و دلير وغيرهم بأننا يجب أن نضع حدا لذلك، وعقدنا إجتماعا وقررنا فيه إبعاد فاضل وفؤاد قرداغي عنا بسبب أفكارهما العراقجية. وكان فاضل وبواسطة إبن عمه فاروق الملا مصطفى أسس لعلاقة مع القيادة المركزية للحزب الشيوعي وكانوا يريدون كسبه حزبيا، وبعد أن ذهب فاضل وفؤاد بقيت علاقتنا معهم طيبة، ولكنهم أخذوا معهم مجموعة من الأعضاء، ولكن الأعضاء الأساسيين بقوا معنا. في تلك الفترة رفض بعض الرفاق تسلم أية مسؤوليات في التنظيم الجديد منهم نوشيروان، محمود فندي وشازاد، خاصة نوشيروان الذي كان محكوما عليه بالسجن لعدة سنوات، وإستقر رأينا على إرساله الى الخارج للدراسة وبعد مصالحتنا مع الملا مصطفى تمكننا من تأمين سفره الى الخارج ولكنه ظل عضوا في العصبة وإن لم يكن فعالا جدا.كان شهاب وفريدون أكثرهم نشاطا، ودلير صديق لم يكن مثلهم، وبعد فترة إبتعد هو أيضا، كما أن بكر حسين ورفاق آخرين كانوا عناصر جيدة ولكن نشاطاتهم قليلة، وتقدم إثنان أو ثلاثة من الشباب في بغداد أحدهم جعفر عبدالواحد، وأي شخص إذا لم يكمل دورة ثقافية في بغداد للكوادر أو لايؤمن بالفكر الماوي لم نكن نقبله في العصبة.كما ظهر عامل يدعى أنور زوراب وكان شابا واعيا ونشطا وإنضم بدوره الى العصبة، وتم إعدامه بعد ذلك مع شهاب شيخ نوري.

تطورت العصبة بعد ذلك رويدا رويدا وإلتف حولها العديد من الشباب الواعي ومن الذين إنضموا إليها في ذلك الوقت، أذكر أبو شهاب من كركوك وشاسوار جلال (آرام) من السليمانية وآخرين من مناطق مختلفة. وفي تلك الفترة إشتبهنا بشخصين بأنهما أخبرا البارتي وكانا يتقربان اليه أحدهما (م.م) الذي لم يكن جبانا، والثاني ( س.ب ) الذي أوصل نسخة من برنامج العصبة الى الملا مصطفى.أما البارتي والناس عموما فقد شعروا بوجود تنظيم جديد ولكنهم لم يعرفوا إسمه ورموزه تحديدا، وبعد أن سافرت الى الخارج عام 1972، بقي هؤلاء الرفاق في الداخل منهم شهاب شيخ نوري وفريدون عبدالقادر وجعفر عبدالواحد وكانوا من أنشط أعضاء التنظيم الجديد.

* حين كنت في الخارج كيف كنت تتابع نشاطات العصبة، نقاط القوة والضعف فيها، ومن يديرها بغيابك، ونصائحك وشكل دعمك لهم؟

– كنت أتابعهم من بعيد، وشعرت ببعض الأشياء التي رأيتها مضرة بالعصبة. الأول، هو الأسلوب الهاديء الزائد عن اللزوم لشهاب شيخ نوري في إدارة الأمور والذي لم يكن مناسبا لحل مشكلات التنظيم، فقد أحدث مشكلة مع آوات عبدالغفور وآخرين مما أدى الى خروجهم وتشكيل عصبة الكادحين فيما بعد. كما كان أسلوب فريدون عبدالقادر فوضويا أيضا، كان يحب الظهور، فعلى سبيل المثال لو وافقنا على رأيه لكنا سنصدر مجلة ونضع فوقها شعار المطرقة والمنجل مع نجمة حمراء، وكان ذلك الشعار المعروف لجماعة الماركسيين، فقد كان يولي أكبر إهتمامه بالمظاهر، في

وقت كان يفترض أن نولي الأهمية القصوى بالمضامين وليس بالشكليات، ولو فعلنا ما كان فريدون يريده لكان ذلك سببا في إنكشاف أمر العصبة سريعا.

وفي حال إنكشف التنظيم فبالتأكيد كانت السلطة ومعها الحزب الشيوعي ستعادينا، كما أن البارتي لن يتردد في توجيه ضربة قاصمة للتنظيم والقضاء عليه. كان رأيي أن نعمل بقدر أكبر من السرية، وأن نكون دقيقين في إختيار وقبول الأعضاء، وكنت مع فكرة أن نوسع خلايا التوعية ونطورها ونعممها على جميع المناطق وأن يتم إختيار الأشخاص الكفوئين منها للقيام بالعمل التنظيمي خصوصا حين يطلب أي شخص برغبته الإنضمام الى التنظيم وليس إجباره، وحين ينضم الى التنظيم عندها سنكشف له ماهية التنظيم وكيف يعمل، ولكن للأسف ما حصل كان فوضى وإستعجال في كسب الأعضاء للتنظيم الجديد.

* كان الحديث يدور آنذاك وسط التنظيم عن وجود مشكلات وخلافات ، فماذا كان موقفك منها؟

– تلقيت أخبارا بوجود مشكلات وخلافات بين أعضاء التنظيم، وكان رأيي أن الرفاق الذين يثيرون المشكلات ولا يستطيعون التكيف يرسلونهم إلى الخارج وليأتي بعضهم إلي، وكان بإمكاني حينذاك أن أرسلهم الى الصين أو أي بلد آخر لكي يدرسوا ويتثقفوا، عندها سيتلقون العلم والثقافة، وبالتالي

سيخلصون رفاقهم من وجع الرأس بمشكلاتهم.. نقطة أخرى أثارت إنزعاجي هو إعجاب بعض رفاق التنظيم وخاصة شهاب وجعفر وفريدون ثم رفاق آخرين بكتابات منير شفيق، وكان منيرا هذا يتفاخر بماركسيته وماويته ويصدر كتبا بذلك. ورغم أن منير شفيق كان رجلا مناضلا ومثقفا وغزير الإنتاج، لكن كتاباته لم ترتق الى مصاف كتابات تستحق أن تكون مصدرا للوحي، بل كانت كتابات هزيلة لا يمكن إعتمادها كمصدر للعمل الحزبي. وكنت أرى أنه بدلا من ذلك يفترض برفاقنا أن يشغلوا أنفسهم بالمصادر الأساسية للماركسية اللينينية وكتب ماوتسي تونغ الأصلية ويعتمدونها مصدرا لنضالهم. وفي هذا المجال كانت مكتبة (الفكر الجديد) تقوم بدور متميز من خلال نشر الفكر الجديد حول حرب الشعوب الذي ترجمه نوشيروان مصطفى، ثم كتاب (مقتطفات من خطب الرئيس ماوتسي تونغ) الذي ترجمه الأستاذ إبراهيم أحمد ونوشيروان مصطفى، أي كنت أحثهم على العودة للمصادر الأساسية والأصلية بدل الإعجاب بالكتابات الهزيلة.

ورغم وجود بقايا ماركسية ماوية ويسارية في الحزب، إلا انه يتجه اكثر فاكثر نحو الاتجاه القومي الصرف على نمط الديمقراطي الكردستاني، وتتحدث أدبيات الحزب الان عما يمكن تسميته اتجاها اشتراكيا ديمقراطيا على نمط أحزاب الاشتراكية الدولية.

وهناك عدد كبير من الاحزاب القومية، إلا ان الفارق بين وزنها ووزن الحزبيين الرئيسيين هي من الضعف بمكان.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close