الفقراء ينتظرون من الحكومة منحة ال30 ألف دينار

باسل عباس خضير

قررت اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية بالعراق في اجتماعها المنعقد في 8 نيسان الماضي تخصيص مبلغ ٦٠٠ مليار دينار لصرف منح للفقراء لشهرين تشمل نحو عشرة ملايين مواطن أو مليوني رب أسرة ، ويتم منحها من خلال تلقي المعلومات من المستحقين عبر تطبيق الهواتف الشخصية ( وبطريقة تفيد شركات الاتصالات ) ، ويعني هذا القرار إن الحكومة أخذت على عاتقها إعالة الكسبة من أصحاب المصالح الخاصة والعاطلين وممن توقفت إيراداتهم أثناء فرض حظر التجوال بسبب وباء كورونا العالمي ، وهو قرار غاية في الروعة والإنسانية وقد سبق وان تمت الدعوة إليه لإيصال لقمة العيش إلى الفقراء والمعوزين الذين يعيشون تحت خطر الفقر ، ومن الناحية الحسابية البسيطة التي لا تحتاج إلى مسطرة او آلة حاسبة وإنما من خلال القسمة والضرب فان ال600 مليار ستوزع على شهرين أي إن حصة الشهر الواحد هو 300 مليار دينار عراقي ، وبقسمة هذا العدد على 10 ملايين من المستهدفين فان حصة الفرد الشهرية ستكون 30 ألف دينار كما إن قسمة 300 مليار على 2 مليونين عائلة فان الحصة الشهرية للعائلة الواحدة ستكون 150 ألف دينار كحد أقصى شهريا ، ويا له من ذكاء ما بعده ذكاء ليس ذكاءا رياضيا بان النتيجة الحسابية هي 30 ألف للفرد في كل المعادلات ولكن بكيفية التفكير بان الفرد يمكنه أن يعيش في ظل الحظر وتعدد وتراكم الاحتياجات والمتطلبات بمبلغ 30 ألف دينار ، سواء كان يشرب حليب الأطفال او حليب سباع او يأكل ثلاث او خمس وجبات في اليوم كونه إنسان ، والأكثر جمالا في هذه المعادلة إنها تفترض إن 360 ألف دينار تكفي لمعيشة الفرد خلال السنة على أساس 30 ألف دينار في الشهر مضروبا بعدد أشهر السنة الشمسية او القمرية ( 12 ) ، وبموجب أسعار صرف الدولار السائدة قبل ارتفاعها أثناء الحظر والبالغة 120 ألف دينار لكل 100 دولار فان الفرد تكفيه 300 دولار للمعيشة في السنة ، ولو تم اعتماد هذه المؤشرات على سكان العراق جميعا والبالغ عددهم 40 مليون نسمة فان مليار ونصف مليار دولار كافية لمعيشة العراقيين جميعا ، بما يعني إن أي كمية نصدرها من النفط وبأي سعر ستجعل العراقيين قادرين على المعيشة على وفق حسابات القرار الأخير في توزيع ( الخيرات ) على السكان ، وهذا كلام سوف لا يقبله اغلب من يقرأ هذه السطور لأن بعض ما تحتويه هي عبارة عن مبالغات ومغالطات لان من وضع مبلغ 30 ألف دينار ربما استند لاعتبارات تتعلق بحجم الصرف او الصلاحيات ، ومن المؤكد انه لم يأخذ بنظر الاعتبار الأسعار السائدة للمواد الغذائية لان سعر رغيف الخبز الواحد هو 250 دينار وإذا كان استهلاك الفرد 4 أرغفة من الخبز يوميا ، فانه يحتاج إلى ألف دينار في اليوم و30 ألف دينار في الشهر ليأكل خبزا فقط دون شرب الماء او الشاي ، لان ماء الإسالة لم يعد صالحا للشرب في كل المحلات والنسبة الكبيرة من السكان تشرب ماء RO او UVوهو يشترى من الأسواق او يصنع في البيوت كما إن الشاي لا يوزع بالحصة التموينية ويتم شراء نوعياته من الأسواق وبالأسعار المعروفة للجميع ، والعائلة الفقيرة او غيرها إمامها التزامات أخرى تتعلق بكيفية إشباع البطون ، كما إن هناك التزامات أخرى تتعلق بالإيجار والكهرباء وأجور المولدة وخدمات الهاتف النقال وأدوية الأطفال والإمراض المزمنة وغيرها من ابسط مستلزمات الحياة ومنها خدمات الانترنيت بعد أن تحول التعليم إلى منصات الكترونية تدرس عن بعد بسبب الحظر الجزئي او الكلي .

ومن خلال تلقي المعلومات من المستحقين عبر تطبيق الهواتف الشخصية وبطريقة اضطرت البعض للاستعانة بالمكاتب للتطبيق مقابل أجر، فقد تم الإعلان بان هناك أكثر من 2,5 مليون عائلة او أكثر من 12 مليون عراقي طلبوا شمولهم بالمنحة رغم تواضعها ، ولا تزال الجهات المعنية في وزارات التخطيط والعمل والمالية في طور مقاطعة المعلومات لتحديد المستحقين الفعليين ومنع أية حالات للفساد والاحتيال ، ولا نعلم كيف سيتم التقاطع بدون قاعدة المعلومات ، ففقدان القاعدة يشير لتحولها إلى قضية بيروقراطية قد تمتد لشهور وقد تتخللها عمليات فساد وشبهات وتشابهات وتداخل مع أسماء المشمولين بالرواتب والتقاعد وشبكة الحماية الاجتماعية وتقاعد الضمان الاجتماعي في ظل غياب التعداد السكاني وألانظمة والبرامج التي يمكن التعويل عليها ، ويبدو من خلال هكذا قرارات إن البعض يتبنون مبادرات بعيدة عن الواقع التطبيقي لأنهم لم يأخذوا بالحسبان طرق ومدة إيصال هذا ( الاستحقاق ) الطارئ لسكان بيوت الصفيح والعشوائيات وممن يعيشون في الجزيرة والبادية ، وهم قد لا يملكون أجهزة الهاتف الذكية التي تحتوي على التطبيقات ، وربما ستنتهي أزمة كورونا ويظل مئات الآلاف من الفقراء لا يعلمون بهكذا قرارات ، أما من حالفهم الحظ وأجروا التطبيق فأنهم بانتظار الفرج ، ففي حالة نجاح المعنيين بتحديد أسماء المشمولين ربما ستظهر معوقات أخرى تتعلق بكيفية إيصال المبالغ ، وقد تتم دعوة المعنيين لاستخراج بطاقة الكي كارد او الماستر او الفيزا كارت لأجل الصرف الآلي والمبلغ بمجمله هو 60 ألف دينار ، وليس القصد هو التقليل من أهمية هذا القرار ولكن لإيصال صوت وهو إن القحط في الازمات يعظم المصائب وان التأخر في إيصال المعونة خارج مداها المطلوب يقلل من أهميتها وجدواها ويجعل نتيجتها اقرب إلى الصفر مهما كان عدد الاصفار فما هو حالها وهي لا تستطيع سد نفقات رغيف الخبز ، ومن الغريب إن الجهات التي أوكلت لها هذه المهمة قد استغرقت هذه المدة في التقاطع والتدقيق على مبالغ المنحة التي خصصت لها 600 مليار دينار ، في حين إن مئات المليارات قد سرقت وذهبت في جيوب وكروش الكواسج والحيتان لعدم إخضاعها إلى هذه المستويات ( الراقية ) من التدقيق ، والفرق بين الاثنين إن الفاسدين يتمتعون بالسحت ويذهبون بالحرام إلى جهات غير معروفة من خلال غسيل وتهريب الأموال ، والفقراء يتلهفون لاستلام منحة أل 30 ألف دينار لسد الجوع وقد انقضى الشهر الأول وهم من جوعهم وعوزهم على وشك أن يرددوا ( لله يا محسنين ) .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close