ابداع في الزمن المائي

صالح الطائي ..
الخير كل الخير في الماء ، ينساب في المنحدرات ، فيملأ الوديان ، تاركاً القمم باسقة غير عابئاً بها ، فهو الذي صنعها وجعل لها وزناً ومكاناً مهماً لدى أرباب القوارب والزوارق ، لكن الماء لم يسئل نفسه يوماً هل هذه القمم جديرة بما منحها من منزلة أم لا؟! ، الماء نفسه لا يعبأ أيضاً بما غمره في الوادي من كنوز لا زالت مغمورة لم تكتشف ولم تبرز للسطح الا ما ندر ، ولا يهمه سوى ان يحافظ على اللون الأخضر في جنبات الوادي وعلى سفوح الجبال ، إدامة لاستمرار جمال الطبيعة الخلاب والذي لا يكون إلا به وينعدم بإنعدامه.
للماء تيارات داخلية وأمواج قد تتلاعب بها الرياح من الخارج ، يبلل هذه القمة فتخضر ، وينحسر عن تلك القمة فتجف وتصفر ، لعل القمة التي جفت واصفرت خير من تلك القمة التي أخضرت ، لكن الأمر ليس بيده ، فالرياح من الخارج قررت ، وتياراته من الداخل لعلها انقادت أو تمردت ، وربما أذعنت الى أهواءها أو الى أجندات خارجية ، رغم هذا وذاك يبقى الماء سر الحياة والجمال.
في زمن الانهيارات الثقافية الجيولوجية التي رفعت بعض القمم وأطاحت بالبعض الأخر لا عن كفاءة واقتدار وتمكن ، بل ربما الصدفة لعبت دورها ، أو مواربات الكواليس الخلفية تهادنت مع أصابع طامعة خفية على أن تزعج الماء وتغضبه كي ينحسر عن بعض الأماكن لتبرز اليابسة ، القاحلة ، البور ، السبخة ، التي لا تنفع في شيء ، أو يسحب وجوده من أعماق التربة فيحدث الانهيار ، تندرس قمم كانت كفوءة في مواجهة أخطار الرياح والأعاصير ، وترقت قمم كانت بالأمس ترزح في عالمي الجهل والظلام.
حال الثقافة الراهن لا يختلف كثيراً عن حال الماء ، فالرياح الخارجية لعبت بها وقادتها نحو الحضيض ، وتياراتها الداخلية انقادت الى سطوة الرياح ولعلها انسجمت معها ، على أثر ذلك اختفت المكتبات الكبيرة وشحت الكتب بعد ان غادرها روادها ، أو بعد طغيان ثقافات أخرى ، كثقافة الدولار والاثراء ، أو كثقافة الطبخ والغذاء فانتشرت المطاعم بدلا من المكتبات ، وحلت الوجبات السريعة بديلاً عن بائعي الكتب على الأرصفة ، بينما ازدهرت فضائيات الطبخ بشكل واسع مقابل خفوت في الفضائيات الثقافية التي تناقش الكتب والأفكار.
لعل اسلوب العرض الثقافي أصبح مملاً ، لا يستهوي حتى رواده ، أو ربما تسلقت شخصيات بعيدة عن عوالم الثقافة والفكر والعطاء الإنساني وتجاهل الشخصيات الإبداعية الحقة والمؤهلة علمياً وثقافياً وإبداعياً ، لأسباب كثيرة لعل من أبرزها التداخلات السياسية أو الدينية أو حتى الدولارية على غرار المقولة القديمة (من لا مال له ، لا علم له) ، فالعالم الفقير والمبدع المعدم التزما الكواليس وركنا الى عالمي التجاهل والنسيان .
رغم ذاك ، هناك من المبدعين من حطموا القيود وكسروا السلاسل وتسلقوا الحواجز ، وظهروا عنوة على كل التيارات والأمواج ليعلنوا عن وجودهم كذوات نبيلة وإبداع إنساني لا زالت موجودة رغم كل عوامل التعرية الثقافية ، الدكتور صالح الطائي خير مثال نقدمه بشكل سريع ومختصر كنموذج للإبداع الإنساني في زمن ليس ككل الأزمان .
د. صالح الطائي برز في مجالات عدة ، لعل ابرزها :
1- البحث:
تميزت بحوثه بالصبغة الاسلامية العصرية ، والنظرة الثاقبة والتحليل الدقيق ، كما أمتاز أسلوبه البحثي :
أ/ الرصانة العلمية .
ب/ الشجاعة في الطرح.
ج/ الفكر الناهض .
د/ الترفع عما لا يليق والابتعاد عن الخرافات وتعريتها.
هـ/ الحيادية والترفع عن الميول الشخصية.
و/ إختيار دقيق لمواضيع البحث.
ز/ تعرية المنتشر والمتداول ووضعه بين كفتي الميزان العلمي الرصين.
ح/ توخي الأمانة العلمية.
ط/ الدقة العلمية.
مع كل ذاك وأكثر ، لا غرابة ان تفوز بحوثه بجوائز قيمة ، وتنال الاهتمام والرعاية من جهات مختلفة.
جانب من مؤلفاته في المجال البحثي:
أ‌- الإمام الحسن العسكري آخر الممهدين للغيبة .
ب‌- خرافة دولة الخلافة.
ت‌- جزئيات في السيرة النبوية.
ث‌- نظرية فارسية التشيع.
ج‌- عوالم الحكومة المهدوية، بجزئين.
ح‌- خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم.
خ‌- الحركات المهدوية المدعية.
د‌- ثائر في قرن الدماء؛ سعيد بن جبير.
ذ‌- الحسن بن علي الإمامة المنسية، بجزئين.
ر‌- أثر النص المقدس في صناعة عقيدة التكفير.
ز‌- أثر النص المقدس في صناعة عقيدة المثلة وحرق البشر.
س‌- رجال البصرة في كتاب ربيع الأبرار للزمخشري.

2- أديب:
تتجلى في نصوص د. صالح الطائي الأديب القيم الإنسانية والتربوية لافتة للنظر من حيث الهيكل والبناء ، وهو غني عن التعريف في هذا المجال ، ومن أبرز نتاجاته الأدبية:
أ/ قراءات انطباعية في حكايات أدبية.
ب/ مقدمات وأصول.
ج/ سعود الأسدي سيد اللغتين.

3- ناقد:
ككل أديب محترف يميل الى نقد الأعمال الأدبية ، لكن نقده يتسم بالبناء والموضوعية ، كأن صفة النقدية تلازم كل أديب ذو ذوق رفيع ، ومن أعماله في هذا المجال:
أ/ قراءات انطباعية في حكايات أدبية

4- شاعر:
قيل إن ( الشعر نزهة الأدباء) ، لا يكاد هناك أديباً لا يكتب أو يمارس الشعر فغالباً ما يجد له متنفساً بين أبياتها بعد أن تنتابه لحظات شاعرية أو حالة من الحنين الى شيء ما يختلج في صدره ، ومن أعماله في هذا الصدد:
أ‌- نوبات شعرية .
ب‌- عوالم الروح أو ملكوت الروح ( نصوص نثرية) .
بيد أن أعماله الشعرية أو النثرية يسودها الفعل المضارع ، على العكس من الشعراء المتقدمين بالسن حيث يسود شعرهم الزمن الماضي ، ربما لشخصيته الفريدة أو لقلبه المفعم بالشباب والحيوية.

5- كاتب:
د. صالح الطائي غني عن التعريف ككاتب ، فله المئات من المقالات المنشورة في الصحف وعبر الشبكة العنكبوتية ، فهو في هذا المجال كالسيل الجارف لغزارة نتاجاته وفي مختلف المواضيع .

شخصيته:
تميزت شخصية د. صالح الطائي بميزات عدة :
1- القلب الطيب: والكبير والذي يمكنه احتواء الكل ممن يتفق معه وممن يختلف معه .
2- الروح الشبابية : المفعمة بالهمة والنشاط ، لا ينفك عن الكتابة ولا يكل من التفكير .
3- الإنفتاح : تميزت شخصيته بالانفتاح على الجميع ، دونما استثناء ، جميع الأعمار وجميع الفئات .
4- التواضع: صفة ملازمة لكل شخصية ناجحة ، لا مجال للترفع الا عما يجب الترفع عنه ، وهنا يضرب د. صالح لطائي اروع المعاني من خلال شخصيته المتواضعة.
5- الروح الوطنية : وشعور عال ورقيق تجاه الوطن وابناء الوطن ، شعور بالانتماء (للوطن) والتواصل (مع أبنائه) ، يؤذيه ما يؤذي الوطن والشعب فيصرح عما يختلج في صدره بمرارة وألم ، وإن لم يتعرض هو للأذى شخصياً ، ويفرحه ما يفرح الوطن وسكانه (وإن قل) فيدون ذلك بفرح وسرور ، وإن لم يصبه شيء من ذلك المفرخ السار.
6- المهابة : لكل ما تقدم وأكثر ، ظهرت على شخصيته المهابة في قلب من يراه يقابله ، وهنا المهابة مهابة إحترام وتقدير لنبل شخصه .
يستمر الماء بإرسال أمواجه ، الصغيرة والكبيرة ، بعض المبدعين ممن لا يجيد العوم قد تغرقه الأمواج الصغيرة ، والبعض الأخر من المبدعين لا تغرقهم إلا أمواج كبيرة وعاتية ، رغم هذا وذاك يبقى هناك دوماً ودائماً مبدعين كالجبال الباسقة ، لن ترقى المياه إليهم كي تطمرهم ، مهما كانت الأمواج عالية ، وسوف ينبثقون من بينها ويثبتون للعالم انهم أكبر منها وأشد مراساً.

حيدر الحدراوي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close