لقائي الخاطف مع نينو الجميل : قصة قصيرة

بقلم مهدي قاسم

ليس من عادة الجيران الغربيين ــ عادة ــ التلصص من
خلف النوافذ نحو نوافذ جيرانهم ، حتى وأن رغب أحدهم النظر إلى الخارج من خلال نافذته فهو يتجنب النظر إلى نوافذ البيوت المقابلة ، ولكن يحدث أحيانا بمحض صدفة أن يقع أحدنا في زاوية النظر فنُحّيي بعضنا سريعا بانحناءة رأس أو تلويحة يد عريضة و قوية ذات تصميم
واضح ، تأكيدا على روح التضامن ووحدة المصير المتشابه تحت ظلال كورونا ” الوارفة ” على رؤوس الجميع ، ثم نزيح نظرنا نحو الشارع لمواصلة النظر و التامل للمشهد الهادئ والأشبه بهدوء أيام الأعياد الأخيرة ، لجريان الحياة الخافت بشكل يثير الدهشة والاستغراب ، بالمقارنة
مع أيام ما قبل كورونا ، حيث كان هدير الضجيج والصحبة والضوضاء تصل حتى عنان السماء مثلما يُقال، ولكنها الآن لا تعدو أن تكون مجرد نظرات يثقلها أسى وحسرة ، خاصة أن الطقس يبدو مشمسا جميلا يغري بالخروج و النزهة إلى أحضان الطبيعة وهي ترتدي حلتها الخضراء المورقة
بعدما خلعت حلة الشتاء الرمادية و الكالحة بتلك السحنة المتجهمة والعبوسة مثلما معظم أيام الشتاء ، إذ إن الاعتكاف الإجباري هو السيد الآمر والناهي الآن . أحيانا نرى شابا متشردا بقوته الفتية يدور حول حاويات القمامة نابشا و بحثا عن شيء ثمين يكون قد كُنس سهوا ورمي
هناك ، أو قطا بريا يمرق سريعا كبرق خاطف إلى مكان ما ، مستغلا خلو الشارع من المارة ، أو سنجابا يتجرأ على النزول من شجرته المعمرة ليتنزه بقفزات راقصة متشمما ببوزه على الرصيف اللامع والنظيف ، ربما بحثا عن حبة بندق قد سقطت سهوا من إحدى النوافذ العالية ، وللتو
خطرت على بالي فكرة أن اشتري في الأيام المقبلة لجاري السنجاب هذا ، بعضا من حبات بندق وفستق وأنثرها تحت الشجرة المعمّرة قوتا له وطعاما لذيذا ، على أمل أن نكون أصدقاء حميميين في الشهور و السنوات القادمة ، إذ أنني أصبحت فرحا حقا بوجوده كجار قريب لي فأحد أغصان
الشجرة المعمرة يكاد أن يلامس نافذتي . و يحدث أحيانا أن نستغل نحن الجيران الفترة المحددة للخروج للتبضع أن نلتقي هنا أو هناك مصادفة ، فنُحييُ بعضنا مجددا ، في هذه المرة عن قرب عند المدخل أو بقرب المصعد ، وباصوات مسموعة مع تبادل كلمات من قبيل :

ــ عمتم صباحا جميلا جارتي اللطيفة !.. كيف تجري الأمور
عندكم في هذه الأيام الاستثنائية ؟! ..

ــ شكرا جاري اللطيف ! حتى الآن كل شيء على ما يرام
ــ ضاحكة ــ نبذل جهدنا قدر الإمكان حتى نتلائم مع هذا الوضع الاستثنائي جدا ، عسى ولعل ننجو بجلدنا .، إذا قًُدر لنا ذلك !.

ــ شيء رائع سيدتي يسعدني أن اسمع ذلك منكم !ّ.. بالمناسبة
إذا كنتم بحاجة إلى أي شيء فيمكنكم الاعتماد علي إذ بإمكاني التبضع لكم أيضا أثناء التبضع لنفسي ..

ــ شكرا و امتنانا ، جاري العزيز !.. فينبغي عليّ أن
أخبركم إذن بكون أبني قد رجع من السويد نهائيا وهو يقوم الآن بمهمة الشراء والتبضع لي ــ ثم بصوت خافت كأنها تزودني بسر خطير ــ تصوروا هناك يعطون حق الاختيار في التنقل والحركة و من ثم تحمل تبعات ذلك كل حسبما يريد و يقرر .. فأظن بأن هؤلاء الاشتراكيين و الليبراليين
الملاعين الذين يحكمون في السويد يريدون التخلص من الكهول والعجائز بهدف توفير مليارات من النفقات والتقاعد و …

ــ ولكن عفوا .. أظن بأن أبنكم لا زال شابا في الثلاثين
من العمر أو شيء من هذا القبيل حسبما عرفت منكم مؤخرا ..

ــ ثقوا يا جاري العزيز أن هذا الوباء قد حصد حياة
عددا لا بأس به من الشباب أيضا ، ولا يميز أحيانا بين شاب و عجوز ، فهو عادل بظلمه مع الجميع هههه..

ثم انتبه لكلبها الجميل والفتي نينو وهو ينوص ويوصوص
بشكل ينمّ عن نفاد صبر ورغبة انطلاق منتظرا انتهاء حديثنا ، لكي يذهب إلى المكان المخصص لنزهة الكلاب حتى يقضي حاجته وأن يلعب مع أقرانه وأصدقائه هناك فاحييه هو الآخر على نحو :

ــ مرحبا يا نينو الجميل ! وأنت كيف حالك في زمن كورونا
هذا !..

ينظر لي بوقار وآنفة مثل إنكليزي أرستقراطي ، و كمن
يعرف جيدا قدر نفسه ، و كم هو كلب مدلل ومحبوب جدا ، فيدُيره وجهه جانبا مع علامات استياء واضحة ..

، فهو يبدو مستاء من طول حوارنا ، فتنهره السيدة الجارة
قائلة بلهجة تأنيب وتقريع :

ــ كن مؤدبا ولطيفا يا نينو فرد السلام بشكل لائق !..

فيهز نينو ذيله على مضض محييا بنباح قصير و خافت وعصبي
في نفس الوقت ، ويهم بالانطلاق نحو الساحة الكبيرة ..

ثم أضيف كتحية توديع :

ــ نزهة سعيدة ومريحة لكليكما ودوام العافية !

ــ ولكم أيضا !..

ثم ينصرف كل واحد منا إلى شأنه ..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close