لماذا نحتفل بثورة العشرين ؟

لماذا نحتفل بثورة العشرين ؟

عندما نشاهد صور لمدن العراق خلال فترة الحكم العثماني ,خاصة العاصمة بغداد , نجد دروب متربة وحمير وجمال تثير الغبار وعربات تجرها الدواب , تحيط بها أبنية قديمة شبه مستهلكة , ووجوه ناس يظهر عليهم التعاسة والقهر , كان هذا حال العراق خلال الحكم العثماني الذي أحتل العراق وبقى يستنزف طاقاته وثروته الطبيعية , وإجبار مواطنيه القتال في حروبه والسيطرة على قوت الشعب لتسخيرها لجيشه مما يؤدي إلى مجاعة يذهب ضحيتها ألألوف من المواطنين , هذا في مدينة الموصل عندما نهبت المونة من الغذاء التي هي ذخيرتهم طول فصل الشتاء كما هي العادة لمواطني المدينة , وزيادة على هذا جندوا الرجال للقتال تاركين أهاليهم بدون معين كما جرى لأعمامي أمين وسعيد , ليبقى والدي تحت سن الخدمة العسكرية ولما أشتد الضغط على جيشه وخسائر في صفوفه , أعلن النفير العام , واستحدث فصيل من الجيش أطلق جيش (أبو شخاطة ) قوامه من ألأحداث ,لكن بقى المرحوم والدي يعيل والدته وأخوته الصغار , لأن والده قبلها فارق الحياة , عدم ضمه لهذا الفصيل , كانت مشيئة الله جلا جلاله شفعت لخلاص والدي من الخدمة العسكرية ليبقى معينا لهم وينقذهم من المجاعة , ولما اندحر جيش الاحتلال العثماني , ودخول الجنرال مود أرض العراق ليعن أنه جاء محرر لا مستعمر , وصدق قوله لهذا أقامت الحكومة العراقية التي شكلت بعد تحرير العراق نصبا تخليدا له , وخلال الحكم الوطني تغير شكل البلاد بمساعدة الجيش البريطاني الذي أتهم كمستعمر , وأنا أصفه كمعمر , كل هذه الحسنات أثيرت حملة تغذيها أوساط من شاكلة الأغوات والبكاوات وشيوخ العشائر ورجال الدين , الذين كانوا ينعمون بالظروف المهيئة لهم بخيرات البلاد لتسهيل جباية الأموال وأعطأها إلى أسيادهم العثمانيين ليعمروا بلادهم ويشيدوا القصور والقلاع ليبقى الشعب العراقي أرض الخير والخصب جائعا خانعا ذليلا بعدها غرروا ببسطاء الفلاحين الفلاح القيام بالتصدي للجيش البريطاني اسموها ثورة العشرين , بين قوة قهرت جيش الاحتلال العثماني بكل عدته وعتاده , ليحمل السلاح والقتال , وكان سلاحهم المكوار أمام المدفع , وكانت هوسه ( الطوب أحسن لو مكواري ) الذي حصد عدد كبير من الضحايا في صفوفهم, وبعد عودة الهدوء في البلاد يد بيد مع الجيش المستعمر !! بني صرح جديد للعراق , بعد قضاءه مدة خمسة قرون في حياة العوز والجهل والفقر تحت حكم استبدادي قهري لم يستطع الخلاص منه حتى دخول جيش الجنرال مود أرض العراق لينتقل من ظلامات القرون الوسطة إلى مشارف القرن العشرين , عندما بدأ البناء والعمار وتغير شكل وهندام المواطن العراقي , عند ظهور مجتمع ألأفنديه وخلع الطربوش لتأتي بعده السدارة الفيصلية , وسن قوانين عصرية تساير التقدم الذي وصلت له شعوب العالم المتمدن , سوت شوارع المدن , تسير في شارعها آخر موديلات وسائل النقل , سيارات الكديلاك والبويك والشفرليت مكان عربات التي كات تجرها الدواب , وبنت عمارات السكن الحديثة والمتشفيات وفتحت كليات الطب والصيدلة تحت أشراف أطباء إنكليز أخذ منهم أطباء المستقبل العراقين أحدث طرق العلاج ليكونوا في خدمة المستشفيات بأنحاء القطر الذي افتتحت حديثا , قبلها كانت لمدينة الموصل مستشفى بنيت في العهد العثماني , يطلق عليها الخستاخانه , لا زلت أذكر شكلها المقبض للنفس وكأنها بيت الأشباح , بنيت بعدها خلال الحكم الوطني مستشفى حديثة جهزت بوسائل العلاج الصحي الحديثة , وجسر حديدي بأشراف مهندس مدني موصلي هو السيد أرشد العمري بمساعدة خبراء فنين من الجيش البريطاني ,شيد هذا مكان الجسر القديم , الذي كان عبارة عن قوارب فوقها منصة يعبر عليها الناس والدواب , يسحب الجسر إلى ضفة النهر قبل موسم الفيضانات خوفا من أن يجرفه تيار المياه المتدفقة بقوة ويخسر أبناء المدينة وسيلتهم الانتقال بين الضفتين , ويأخذ التيار المندفع جسرهم بدون موانع منحدرا يجرف الجسور أمامه نحو الخليج العربي ليكون عثرتا لسير سفن الخليج , لذا يبقى الناس في أنتظار عودة المياه إلى مجراها حتى يعود ربط الجسر ليكون باستطاعتهم العبور بين الضفتين , لهذا يجب تغيير عبارة أعمار بدل استعمار , والكف لدول الغرب تهمة كل ما يجري لنا من أخطاء وسوء أدارة للبلد , أخيرا قرأت على صفحة ألأنترنيت , صحفي أجبني سأل مواطن بصراوي , من أقام هذا الكورنيش الجميل ؟ أجابه الإنكليز , وهذه محطة القطار الحديثة البناء ؟ أيضا الإنكليز , واستمر بالسؤال , وماذا فعلتم أنتم ؟ كان الجواب طردنا الإنكليز!! موقف يحرجني أمام المواطن البلغاري الذي عانى لمدة خمسة قرون تحت عبودية الحكم العثماني , لكن بقى يقاوم بشجاعة وبطوله , قدم خلالها عدد كبير من ضحاياه , قبل عرض عددها ومكان وزمان وقوعها , كنت أبادره قائلا لي علم بما جرى للشعب البلغاري خلال سنين حياتي هنا في بلغاريا , بدأت تعداد أسمائهم وقصة حياتهم, بعدها أعلمته أننا كنا أيضا تحت الحكم العثماني لخمسة قرون , ليبدأ السؤال عن سجل مقاومة شعب العراق وذكر عدد ضحاياه ؟, عندها وقعت في ورطة لأني لم أتعود الكذب , بأننا قدمنا ضحايا أمام طغيانه , ولنا أبطال مقاومة مثلهم , لذا أفضل السكوت ,بدل القول بأننا قدمنا ضحايا عندما جاء الآخرون لتحرينا من حكم طاغي مستبد ناكرين الجميل , بعدها نحتفل بهذا الحدث المعيب , لأن الشعب البلغاري عندما جاء الجيش الروسي لتحريره لم يحمل السلاح ضده بل أنضم في صفوفه ليسهل له انتصاره على العدو المشترك , وللأعراف بالجميل , أقيم نصب في وسط مدينة صوفيا لقائد تلك الحملة كما للجنرال مود في العراق لذا يجب تصحيح هذا الخطأ .

مازن الشيخ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close