تاريخ تسرب الأفكار العَلمانية الى كُردستان/ج15

أ.د. فرست مرعي

وكنموذج لكتابات بعض الماركسيين ضد الاسلام، نقتطف بعض أفكار المفكر الشيوعي الكردي والوزير السابق في الحكومة العراقية مكرم رشيد الطالباني(1923-؟) في أحد مؤلفاته حول الدين بقوله:” يهدف الاصوليون الى العودة الى المبادئ الاصلية للاسلام قبل ان تنخر فيها افكار التجزأة، كما يهدف السلفيون(= الاسلاميون بصورة عامة) الى العودة الى سيرة السلف الصالح ونبذ ما تعلق بأمور الدين من احكام و طقوس …”.

وفي تطرقه حول دولة الخلافة العثمانية يقول بالحرف الواحد:” وفى عهد الاحتلال العثماني لمعظم اقاليم كردستان. أخذ الدين طابعا ضد الكولونيالية(= الاستعمار) العثمانية . بالتوفيق بين رجال الدين المؤمنين والبرجوازية الكردية العلمانية في وقت توجهت البرجوازية التركية نفسها لتحطيم الطابع الديني للسلطة والغاء الخلافة الاسلامية(= حزب الاتحاد والترقي – وأتاتورك)…”.

وفي محاولة منه للفصل بين تيارين من تيارات رجال الدين(= علماء الدين) حسب قوله:” وأصبح واضحا انشطار رجال الدين “سلفيين” (= الاصوليون الاسلاميون- الحركيون)، وهم يهدفون الى التوفيق بين الاقطاعية المتخلفة والبرجوازية النامية و “متجددين” يريدون محو التخلف الاقطاعي(= التيار القريب من السلطة – وعاظ السلاطين)…”.

ويحاول السيد مكرم الطالباني احداث فجوة بين الاسلام كدين وبين الاحزاب والتيارات الاسلامية بقوله:” ويقتضي عدم الخلط بين الدين و بين الاحزاب والتيارات الدينية، فالاخيرة كأي حزب

سياسي قد يكون تقدميا أو رجعيا، فالتيار الديني السلفي(= الاسلاميون بشتى إمتماءاتهم) هو تيار يدافع عن مصالح كبار ملاك الاراضي وفئة كبار التجار، فهو يجد الحنين الى استعادة الماضي(= عهود الخلافة الاسلامية) والاستعانة به لحل التناقضات الموجودة مع الامبريالية او بالمغازلة معها. وهو يرى ان الغاء المجتمع الحالي يجري بالعودة الى المجتمع السابق بعد تجريده “خيالياً” من تناقضاته، وإن أحسن طريقة للمضى الى الامام بالتقهقر الى الوراء. ويعبر هذا التيار عن آراء ملاك الاراضي الاقطاعيين والتجار التقليديين الذين عارضوا التحولات البرجوازية منذ ثورة 14تموز عام1958م ولحد الان؛ إن ذلك تعبير عن الاغتراب عن التحول الديمقراطي في البلاد والالتفات الى الوراء لا إلى الامام”.

وحول تفسيره للتاريخ حسب وجهة نظره (= المادية التاريخية) البعيدة عن القيم الروحية والاخلاقية، يقول:” إن كل مساوىء التاريخ، بنظر هؤلاء (= الاسلاميون) هي انحرافات طارئة على الثوابت الاسلامية، وان اساس السلوك الاخلاقي حسب رأيهم، في انتشار مفاهيم معينة في المجتمع وليس علاقات اجتماعية معينة.ان الحل – حسب رأيهم- (= الاسلاميون) يكمن في تغير سلوك الانسان، لا في تغيير المجتمع أوالعلاقات الاجتماعية ، ويعتبرون أن الصراع الاخلاقي انما هو بين الروح والمادة، فينظرون الى النظامين الاجتماعيين: الرأسمالى والاشتراكى، بمقياس واحد، فالرأسمالية تهمل الاخلاق والقيم المعنوية، والاشتراكية تنكر الروح الفردية، وهي حضارة مادية تركض وراء اشباع الغرائز، دون تحديد تلك الغرائز وسبل اشباعها، أو دون تحديد جوهر ” الروحانية الطاهرة” .

ويحاول المفكر الشيوعي إسقاط مفاهيم وتصورات الدولة الدينية النصرانية (= الثيوقراطية) في العصور الوسطى في أوروبا على الدولة المدنية الاسلامية، وتحميل الاخيرة كافة أوزار الدولة الثيوقراطية النصرانية بقوله:” فهم يرون أن الدولة الاسلامية ممثلة السيادة أو تمنح الحرية الكلية،

مخولة بفرض هذه المنظومة، وأن اساس البلاء هو في الانفصال بين السيادة والاخلاق، فيكون المخرج – برأيهم – هو الانتقال من الاسلام كدين للدولة الى الاسلام كدولة دينية، أي اقامة دولة ” ثيوقراطية ” تسبغ على حكم طبقة معينة طابعاً مقدساً لا يمكون المساس به وغير قابل للاعتراض. وقد يكون ذلك بشكل معارضة للتحولات البرجوازية (في تصفية النظام الاقطاعي) أو احتجاج على التبعية والنهب الامبريالى أو السخط على ازمات النظام الرأسمالى وكساد التجارة والتدهور الخلقي (الجرائم والبغاء والترفية …الخ)، وغالباً ما يجري صياغة ذلك في اطار معاد للماركسيين يؤيدون التحولات الاجتماعية التقدمية التي تقوم بها البرجوازية الوطنية.

ويحول المفكر الشيوعي دق أسفين بين الطرق الصوفية العاملة في كردستان، فيتهم الطريقة القادرية بدعم الدولة العثمانية، فيما يعد الطريقة النقشبندية معارضة للدولة، وهي التي قامت بأغلب الانتفاضات الكردية ضد الدولة العثمانية؛ والحقيقة أن الشيخ عبيدالله النهري النقشبندي قام بانتفاضة ضد الدولة القاجارية الايرانية الشيعية عام1880م، ولم يقاوم الدولة العثمانية، لأن السلطان الحاكم آنذاك (عبدالحميد الثاني -1876-1909م) دعا الى الجامعة الاسلامية بدعم من المصلح الكبير (جمال الدين الافغاني- 1838-1897م)، فيما قامت الثورة النقشبندية الثانية (ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م) ضد السلطات التركية الكمالية رداً على الغاء الخلافة الاسلامية وتأسيس النظام العلماني.

فيقول ما نصه :” أمارجال الدين المتصوفين، وأهمهم مرشدو الطريقة القادرية والطريقة النقشبندية، فبقدر ما أيد مرشدو الطريقة القادرية الدولة العثمانية، عارض النقشبنديون الكولونيالية العثمانية وحدثت انتفاظات هنا وهناك ضد الدولة العثمانية. وكثيراً ما أتهم خصومهم تلك الانتفاضات بأنها

موحي بها من قبل الاجانب، فلا غرابة في مثل هذه الاتهامات الصادرة من الحكومات المناوئة للحقوق القومية للقوميات في الامبراطورية العثمانية”.

وبشأن موقفه من بعض كبار علماء الاسلام الكرد، وإتهامه بتقويض كيان الامارة السورانية عام1836م، وهي مزاعم طالما رددها العلمانيون بشتى صنوفهم دون أي دليل أو إثبات، فالملا (محمد الخطي) كان عالماً كبيراً و مفتي الامارة السورانية التي كان يحكمها الامير (محمد باشا كه وره-1823-1838م) في الثلث الاول من القرن التاسع عشر، وكان الامير يستشيره فيما يستجد من أمور، ويحاول العلمانيون الجدد الصاق تهمة سقوط الامارة به، في الوقت الذي حاول السلطان العثماني محمود الثاني (1808-1839م) القضاء على الامارات الكردية شبه المستقلة الواحدة تلو الاخرى بدعوى إعادة النظام المركزي الى النظام السياسي العثماني، فيقول ما نصه:” وفي وقت الذي عمل رجل الدين الكردي مولانا حكيم الدين ادريس البدليسي لتثبيت كيانات الامارات الكردية شبه المستقلة، عمل(مه لاى خه تئ- الملا محمد الخطي) لتقويض كيان امارة سوران عندما ثار أميرها (محمد باشا كور) ضد السلطة العثمانية، فاصدر فتوى بتحريم رفع السلاح بوجه الخلافة الاسلامية…”.

ولكن المفكر الكردي مسعود محمد (1919-2002م) له وجهة نظر أخرى بحق مفتي الامارة السورانية الملا محمد الخطي ويبرئه من تهمة الخيانة في كتابه (له به روشه كاني زيان ــ من هموم الحياة ) وبعد إطرائه على علم ومكانة العالم محمد الخطي يقول: ” بأنه لم تمتد أصابع الاتهام بالخيانة إلى الخطي إلا بعد النهضة القومية الكوردية، أي بمعنى أن معاصري الخطي لم يروا في فتواه تلك ما يشين أو ما يدخل في باب الخيانة”، ويستشهد في ذلك بقصائد الشاعر القومي الكبير (الحاج قادر الكويي-)1817-1897م) الذي كان عمره آنذاك أي يوم أطلاق الفتوى ما يقارب إثنا عشر عاماُ، ثم عاش الشاعر متغرباً عن بلده في استنبول وفي سنين وعيه القومي لم تبق حادثة صغيرة أو

كبيرة مما مر بتاريخ الكرد آنذاك إلا ونظم فيها شعرا وذكر الأمير محمد وأخوه الأمير احمد كثيراً يمجد أعماله وبطولاته، فلم نر بأنه طعن بفتوى العلامة الخطي أو معتبراً إياه خائناً في أية قصيدة من قصائده. ثم يقول، وفي نفس الوقت وحسب تسلسل الأحداث لم تصدر أية فتوى خلال الشهور الماضية، إلا بعد وصول طلائع الجيش العثماني إلى أطراف راوندوز، وإن كان الخطي يرى في محاربة جيش الخليفة معصية وتعتبر كفراً فلماذا لم يطلق أية فتوى قبل ذلك التاريخ والمعارك كانت على أشدها في سهل حرير. ومن جهة أخرى كان الخطي أدرى الناس بطبائع الأمير محمد وقسوته ضد من يحاول التعرض لحكومته وسلطته، فالحد الأدنى من درجات المعقولية كانت تحتم على الخطي أن يبتعد عن راوندوز إلى مكان آمن قبل اطلاق فتواه تلك كي لا تطوله أيادي الأمير، ويمضي مسعود محمد في القول مذكراً بشروط الأمير محمد لوالده عند استلام الحكم، وعدم قبوله أي كان من التدخل في شؤون الإمارة والحكم، وكيف نحى الأمير محمد عمدة علماء الدين (محمد بن آدم البالكي-1747-1822م) وأجبره على الرحيل من راوندوز ليسكن قرية ( ولزم )، ويعتقد بأن الأمير محمد لم يكن ليتوانى عن تقطيع أوصال الملا الخطي إرباً لو كان أحس فعلاً بأن الخطي ينوي خراب الإمارة وتجريده من سلطاته، ويستطرد في القول لو كان باستطاعة الأمير محمد مقاومة الجيش العثماني والتغلب عليه فانه لم يكن ليكتفي برد جيشهم وحسب بل ومطاردتهم والقضاء عليهم بما فيهم الخليفة نفسه، هنا في إشارة إلى أن الأمير لم يكن يهتم إلى محتوى الفتوى التي كانت تنص على الكفر في محاربة جيش الخليفة، ثم يذهب في القول بأن الخطي هو أول المتضررين من سقوط الإمارة بعد المكانة الرفيعة التي كان يشغلها، فهو مفتي سوران ومشاور الأمير ومعتمد أسراره على مدى عشرين عاماً، فهل من المعقول أن يضحي الخطي بكل ذلك لاكتشافه مؤخراً بأن محاربة جيش الخليفة يعد كفراً، ومن جهة أخرى إن كان الخطي كما يدعي البعض بأنه فعلاً كان على اتفاق مع العثمانيين، ألم يكن من المنطقي أن يحصل الخطي على بعض الامتيازات من العثمانيين، لكننا نراه بعد سقوط الإمارة يرجع إلى قريته ( خه تي) ليتفرغ لتدريس تلاميذه علوم الدين والمعارف، وهو لا يملك شيئاً، ويستخلص المفكر مسعود محمد بأن فتوى الشيخ محمد الخطي كانت في صالح العامة وبرضي الأمير محمد نفسه بعد أن يئس من المقاومة لكثرة الجيش العثماني المسلح جيداً. أي بمعنى

إن تلك الفتوى كانت باتفاق الملا الخطي والأمير محمد كور باشا الراوندوزي، للحفاظ على ماء الوجه. ينظر: (عوني الداوودي، إمارة سوران في عهد الباشا الكبير محمد كور باشا الراوندوزي، موقع الحوار المتمدن في22/12/2003م).

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close