مظلومية الإمام علي بن أبي طالب ع،

مروان خليفات

الحديث عن الإمام علي ع لا تسعه القراطيس والمصنفات، ولا نوفيه حقه مهما كثر المؤلفون حوله. لقد عاش الإمام مظلوما ومات شهيدا في محراب المسجد، لتكون رسالة للناس أن آخر عهد أمير المؤمنين كان في المسجد.

إن الحديث عن مظلومية أمير المؤمنين ع يحتاج إلى دراسات تحليلية معمقة، وفي هذا المقال نضع اشارات قد تهيىء وتشجع أهل القلم لكتابة دراسة مفصلة.
تستوقف الباحث رواية ذات مغزى كبير رواها البخاري في صحيحه، حيث قال : ( دثني محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا معتمر قال سمعت أبي يقول حدثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)
صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل

نلاحظ أن كلامه عليه السلام مطلقٌ، فهو من دون الرسل والأنبياء والأولياء والصالحين يجثو ليقدم شكواه لرب العزة، ولأن الإمام علي ع متصل بالنبي وأخبار الغيب أخذها عنه، فيلزم القول أن قوله هذا اخذه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

لكن رواة هذا النص يلجأون كالعادة لتأويله وحرف معناه، ففي تكملة النص في صحيح البخاري : ( وقال قيس بن عباد وفيهم أنزلت هذان خصمان اختصموا في ربهم قال هم الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة أو أبو عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة)

يلاحظ أن هذا مجرد رأي لقيس بن عباد لم يسنده للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وهل ان قتال علي وحمزة… لمشركي قريش مع انتصارهم عليهم هو سبب جثو علي بين يدي الله دون سائر الأولين والآخرين ؟!

لا شك إن المسألة غير هذه وهي أكبر من ذلك، ومن يطالع النصوص في كتب الفريقين يجد شكوى علي ع الدائمة من قريش وظالميه.

قال ابن أبي الحديدـ المعتزلي : (واعلم أنه قد تواترت الاخبار عنه عليه السلام بنحو من هذا القول ، نحو قوله : ” ما زلت مظلوما منذ قبض الله رسوله حتى يوم الناس هذا ” . وقوله : ” اللهم أخز قريشا فإنها منعتني حقي ، وغصبتني أمري ” . وقوله : ” فجزى قريشا عني الجوازي ، فإنهم ظلموني حقي ، واغتصبوني سلطان ابن أمي ” . وقوله ، وقد سمع صارخا ينادى : أنا مظلوم فقال : ” هلم فلنصرخ معا ، فإني ما زلت مظلوما ” . وقوله : ” وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ” . وقوله : ” أرى تراثي نهبا ” . وقوله : ” أصغيا بإنائنا ، وحملا الناس على رقابنا ” . وقوله : ” إن لنا حقا إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ، وإن طال السرى ” . وقوله : ” ما زلت مستأثرا على ، مدفوعا عما أستحقه وأستوجبه )
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 9 – ص 306 – 307

وذكر ابن قتيبة جوابا من علي لأخيه عقيل، ومما جاء فيه : ( فدع ابن أبي السرح وقريشا وتركاضهم في الضلال فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك ، اجتماعها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليوم ، وجهلوا حقي ، وجحدوا فضلي ، ونصبوا لي الحرب ، وجدوا في إطفاء نور الله ، اللهم فاجز قريشا عني بفعالها ، فقد قطعت رحمي ، وظاهرت علي ، وسلبتني سلطان ابن عمي ، وسلمت ذلك لمن ليس في قرابتي ، وحقي في الإسلام ، وسابقتي التي لا يدعي مثلها مدع…)
الامامة والسياسة – ابن قتيبة الدينوري ( تحقيق الزيني ) – ج 1 – ص 54

وروى الطبراني : (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال خرجت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه في حشان المدينة فمررنا بحديقة فقال علي رضي الله عنه ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله فقال حديقتك في الجنة أحسن منها ثم أومأ بيده إلى رأسه ولحيته ثم بكى حتى علا بكاؤه قيل ما يبكيك قال ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني )
المعجم الكبير – الطبراني – ج 11 – ص 61، ورواه الحاكم بلفظ قريب مع اختصار وصححه، مستدرك الحاكم، ج3 ص 139.

وروى الحاكم وصححه ووافقه الذهبي : (عن حيان الأسدي سمعت عليا يقول قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله ان الأمة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملتي وتقتل على سنتي من أحبك أحبني ومن أبغضك أبغضني وان هذه ستخضب . من هذا يعني لحيته من رأسه )
المستدرك – الحاكم النيسابوري – ج 3 – ص 142 – 143.

وروى الحاكم وصححه : (عن علي رضي الله عنه قال إن مما عهدا لي النبي صلى الله عليه وآله ان الأمة ستغدر بي بعده )
المستدرك ، ج 3 – ص 140

وقد تحقق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فغدرت الأمة به وكرهته قريش وحسدته، لأنه قتل صناديدهم، ولعل كثرة أكلهم لحم الإبل المعروف بحقده الشديد قد أثر في طبائعهم، يحدثنا أمير المؤمنين ع ، عن موقف قريش منه، فيقول : (كل حقد حقدته قريش على رسول الله ” صلى الله عليه وآله وسلم”أظهرته فيَّ وستظهره في ولدي من بعدي، مالي ولقريش إنما وترتهم بأمر الله وأمررسوله، أفهذا جزاء من أطاع الله ورسوله إن كانوا مسلمين)
شرح نهج البلاغة ج20 ص328

ولأن عليا ع كان لله ، فقد كانت شكواه وحزنه لله، لا لنفسه، حيث ان الإنحراف الذي حدث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد أدى لتضييع الناس للإمامة التي هي صمام الأمان لهم ، وأدى ذلك لقتل الائمة عليهم السلام وتسلط الظالمين على هذه الأمة عبر العصور.

فسلام الله على أمير المؤمنين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close