رمضان، والانتصارات الميمونة، المباركة للمسلمين ج2

رمضان، والانتصارات الميمونة، المباركة للمسلمين ج2

موفق السباعي

يتميز رمضان منذ بداية تكوين دولة الإسلام، في المدينة، على أنه شهر الانتصارات.. شهر البركات.. شهر الأمجاد.. شهر البطولات.. شهر التضحيات.. شهر البذل والعطاء والفداء.. شهر الفتوحات.. شهر إرواء الأرض العطشى بالدماء الطاهرة الذكية، لتُنبت نباتا زكياً، وتُنشئ رجالا ونساء عُلياً..

إنه شهر بداية الدعوة إلى توحيد الله، وبداية نزول القرآن..
إنه شهر الشهادة والشهداء الأبرار.. شهر الملاحم والمعارك العظام..
وليس شهر الكسل، والنوم، والطعام، والشراب، ومشاهدة المسلسلات، والاستماع إلى الموشحات، والطرب بالأناشيد، المخدرة، المنومة، والتغني بالأمجاد الغابرة والاستمتاع بالذكريات الخالية، والقناعة بما تحقق من إنجازات عظيمة، على يد الأجداد، والركون إلى الحياة الدنيا!!

وقد ذكرنا في مقالنا السابق 11 غزوة أو موقعة أو حربا، حصلت في تاريخ المسلمين، في رمضان، وكان آخرها موقعة الزلاقة في الأندلس، أواخر القرن الخامس الهجري..
ونتابع الآن بقية المعارك، من القرن السادس إلى القرن الرابع عشر الهجري..

12- فتح حارم:
وفي السنة 559 توجه أربعة ملوك من الإفرنج، هم الدوك مقدم الروم، وبيمند صاحب إنطاكيا، وقمص طرابلس، وابن جوسلين صاحب القدس، بحدهم وحديدهم، وخيلهم ورجلهم، نحو حارم، حينما سمعوا مسير نور الدين زكي إليها، وحصاره لها، وبفضل الله تعالى تمكن من تحريرها، وقتل آلاف الفرنج، وأسر الملوك الأربعة، الذين كانوا يسيطرون على بلاد الشام.(14).

13- فتح قلعة صفد:
وفي السنة 584 وبعد موقعة حطين، وفتح القدس، اللذين حصلا في السنة التي قبلها، أخذ صلاح الدين، يفتح الحصون، والقلاع المحتلة من قبل الفرنج، فتمكن في منتصف شهر رمضان، من حصار قلعة صفد، وهي قريبة من حطين، ورميهم بالمنجنيق، والهجوم عليهم، لمحاولة دخولها عنوة، إلا أن أهلها وجدوا أنه لا قِبَل لهم بمقاومته، فسلموا القلعة صلحاً وسلماً، وكفى الله المؤمنين شر القتال.(15).

14- موقعة عين جالوت:
وفي السنة 658، وبعد أن احتل المغول بلاد الشام والعراق، وأسقطوا الخلافة العباسية قبل سنتين، توجهوا نحو مصر، التي كان يحكمها المظفر قطز من المماليك، فحرض الناس في مصر على الجهاد، وبث فيهم روح الإيمان، وحب الشهادة..
وطلب من العلماء الربانيين، أن يقوموا بدورهم الريادي الفعال، لشحن النفوس بالإيمان، وحب الجهاد، للدفاع عن حرمات المسلمين..
وكان للعالم الرباني الجليل العز بن عبد السلام الدمشقي، أكبر الأثر، والفضل في حث، وتشجيع الناس على الجهاد.
فانتقل من دمشق إلى مصر، وقابل السلطان المظفر، وحينما استشاره في فرض ضرائب على الناس، لتمويل الحملة العسكرية، رفض رفضاً قاطعاً، فرض أي ضرائب على عامة المسلمين، وطالب الأمراء، وأصحاب المناصب العالية، من المماليك بدفع ما لديهم من أموال، أخذوها بدون حق!!!
وهدد السلطان، إن لم يفعل ذلك، فسيعرض المماليك للبيع في سوق النخاسة، والرقيق، حتى لُقب ( ببائع المماليك )، كما هدد إن لم يستجب لطلبه، ولفتواه التي أصدرها، فسيرجع إلى الشام!!!
ولما انطلق راجعاً إلى الشام، تراكض المصريون والمماليك وراءه، رافضين مغادرته، فقام المظفر حينئذ، بتجهيز جيش قوي، مدرب تدريباً قوياً على فنون القتال، وتدريباً إيمانيا، على كيفية الاستشهاد في سبيل الله، والتضحية بكل شيء..
وبعد أن أعد كل شيء للحرب، لم يجلس في مصر ينتظر قدوم التتار إليه، بل انطلق مباشرة لملاقاته خارج مصر، في منطقة عين جالوت، في فلسطين..
وانتصر المسلمون انتصاراً باهراً، على المغول، وقتلوا قائده كتبغا نوين، فأخذ جيشه يولي الأدبار، فتعقبهم المسلمون، ولاحقوهم حتى دمشق، ثم حلب، وفرح المسلمون بنصر الله.(16).

15- فتح أنطاكيا:
وفي السنة 666 توجه الظاهر بيبرس، الذي شارك في معركة عين جالوت، إلى جانب قطز، والذي أصبح بعد وفاته، قائد المماليك، وسلطان مصر والشام والحجاز، إلى أنطاكية، التي كانت لا تزال تحت حكم الفرنج، فهاجمها، وأوقع القتل في أهلها، ثم استسلموا، وسلموها إليه سلماً وصلحاً، فكان فتحاً مبيناً.(17).

16- فتح أرمينيا الصغرى:
وفي السنة 673 توجه السلطان ظاهر بيبرس، مرة أخرى من مصر، نحو أرمينيا الصغرى، لاستعادة القلاع والحصون، من أيدي الصليبيين، فدخل مدينة سيس، وهي العاصمة، منتصراً بعد قتل حاميتها، وعدداً من أبناء ملكها هيثوم، ومن بعدها توجه إلى أياس والمصيصة وغيرها.(18).

17- معركة شقحب:
وفي السنة 699 عاد المغول مرة أخرى إلى بلاد الشام، بعد أن تظاهروا بدخولهم الإسلام، وهم كاذبون، وكانوا بقيادة قازان، فخرج إليه العلماء بقيادة الشيخ تقي الدين ابن تيمية، فالتقوه في النبك – مدينة في وسط الطريق بين دمشق وحمص – ليأخذوا منه الأمان لدمشق، فمر بها، ثم عين نواباً عنه، وتابع طريقه إلى العراق.
وفي سنة 702 عاد إلى دمشق مرة أخرى، فانطلق الشيخ تقي الدين بن تيمة مرة أخرى، إلى مصر ليحرض، ويحث سلطانها محمد بن قلاوون، للمجيء إلى دمشق للدفاع عنها، واستجاب له، والتقت الجيوش الإسلامية مع التتار في منطقة شقحب، قرب دمشق، وحقق الله نصراً كبيراً للمسلمين، على التتار.(19).

18- فتح البوسنة والهرسك:
وفي سنة 791 استطاع العثمانيون، بقيادة مراد الأول بن أورخان، بعد أن فرضوا هيبتهم على أوروبا، وأصبح حكامها يدفعون الجزية للدولة العثمانية الناشئة، التي اتخذت من أدرنة بعد فتحها عاصمة لها، أن يتقدموا لفتح البوسنة والهرسك، في معركة حاسمة اسمها ( قوص أوه ).
لكن الانتصار المظفر، عراه حادث أليم، فبينما كان السلطان مراد يتجول في ساحة المعركة، ويتفقد القتلى والجرحى، وإذا بجندي صربي لعين كان متوسداً الثرى بينهم لم يمت بعد، فهاجم السلطان غيلة، وطعنه، مما أدى إلى استشهاده رحمه الله تعالى.(20).

19- فتح جزيرة قبرص:
بالرغم من من أنها فتحت في عام 28 على يد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، إلا أن الفرنج استعادوا السيطرة عليها، في أيام ضعف المسلمين، وبعد سيطرة الفرنج عليها، أصبحت تشكل قاعدة لانطلاق الحملات الصليبية على الشام.
وفي عهد السلطان المملوكي الأشرف برسباي، وجه حملة قوية في عام 829 لفتحها، وإعادتها إلى الحظيرة الإسلامية، فتم ذلك، مع أسر ملكها جانوس.(21).

20- فتح بلغراد:
حاول العثمانيون ثلاث مرات فتحها لكنهم أخفقوا.
وفي عهد سليمان القانوني، أرسل رسوله إلى ملك الصرب، يدعوه إلى الإسلام، أو دفع الجزية، فقتل السفير، مما حدا بالقانوني إلى تجهيز حملة قوية بقيادته، وتوجه نحو الصرب لفتح عاصمتها بلغراد، في عام 927 فافتتح أولاً قلعتها المنيعة في أوائل رمضان، والعاصمة في أواخر رمضان وصلى الجمعة في إحدى كنائسها.(22).(23).

21- انتصار المسلمين في الحبشة:
منذ مجيء الإسلام لأول مرة على يد المهاجرين الأُول، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى الحبشة، وهو ينتشر فيها رويدأ رويدأ، إلى أن تشكلت لهم ممالك متعددة، غير أن النصارى المتمركزين في الداخل، في منطقة أكسوم، كانوا لهم بالمرصاد، وحصلت عبر التاريخ مناوشات وصدامات متعددة، كانت آخرها في رمضان 935، حينما تشكلت للمسلمين قوة عظيمة على يد رجل منهم، يُسمى أحمد القرين، فهاجموا أكسوم، وانتصروا عليهم انتصاراً باهراً.(24).

22- آخر معركة مع اليهود:
وآخر معركة بين اليهود والعرب، جرت في رمضان عام 1393 للهجرة، حيث سجل العرب فيها انتصاراً صاعقا مفاجئاً على اليهود في البداية.. ثم تغيرت الأمور.. إلى الأسوأ .. وإلى الهزيمة الماحقة!!!

العبر:
1- حينما تنحرف الأمة عن طريق الله، وتقبل على الدنيا، وتكثر فيها المعاصي والموبقات، ويعب الناس من الشهوات عباً، يتركها الله لمصيرها، فتنهزم أمام الأعداء بسرعة بالغة، ويذيقها أعداؤها شتى ألوان العذاب، وهذا ما ظهر جلياً في الحروب الصليبية، والتتار، وما نراه الآن على مسرح الأحداث..
2- وحينما يظهر قائد مؤمن، ممتلئ إيماناً، وتقىً، ومتأجج قلبه، بالثورة والغيرة على الدين، وينطلق لمحاربة المعاصي، والفجور، وإحياء جذوة الإيمان في النفوس، وتطهير المجتمع من الفساد، وتعبئة الصفوف، وتأجيج شعلة الجهاد، وتحريض الناس، على الدفاع عن حرمات الله، وعن المستضعفين، فإن النصر يتحقق بشكل مدهش، وهذا مصداق قوله تعالى: ( إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ یَنصُرۡكُمۡ وَیُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ).(25).
3- وحينما يظهر عالم رباني، لا يخاف في الله لومة لائم، وينشر العلم النبوي الصحيح بين الناس، ويجهر بقول الحق، لا يخاف من أي سلطان، ولا يمالئ أي حاكم على حساب دين الله، وينصح الحاكم بدون تزلف، ولا مداهنة، سراً وعلانيةً، ويتقبل هذا الحاكم النصيحة، فإن الأمة تعود بسرعة إلى جادة الصواب، وتُحقق النصر.

المصادر:
14- الكامل لابن الأثير ج9 ص468 file:///D:/%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9/kamilt09.pdf
15- الكامل لابن الأثير ج10 ص 176 file:///D:/%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9/kamilt10.pdf
16- البداية والنهاية لابن كثير ج15 ص352 file:///D:/%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9%2015%20.PDF
17- البداية والنهاية ج15 ص415 file:///D:/%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9%2015%20.PDF
18- البداية والنهاية ج15 ص444 file:///D:/%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9%2015%20.PDF
19- البداية والنهاية ج16 ص26 file:///D:/%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9%2016%20.PDF
20- من معارك المسلمين في رمضان ص 84-87.
21- نفس المصدر السابق ص81-83.
22- نفس المصدر السابق ص88-91.
23- ترك برس https://www.turkpress.co/node/49888
24- من معارك المسلمين لعبد العزيز العبيدي ص 92.
25- محمد 7.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close