عيد كورونا!!

عيد كورونا!!

عيد سنة ألفين وعشرين يختلف تماما عن أي عيدٍ , فهو عيد كورونا المطلق الذي ألزم الناس بيوتهم , وفرض عليهم دخول مساكنهم , وإلا سيجتاحهم الوباء العارم ويأكل منهم ما يشتهيه.

عيد كورونا وضع البشرية أمام ذاتها , وأخرجها من دائرة النزق التي كانت تسكر فيها , وفرض عليها أن تجالس نفسها وتبصر حقيقة الحياة ومعانيها وما يدور في أعماقها وماهية جوهرها.

عيد كورونا جعل الناس تبتعد عن بعضها , وتخشى الزيارة والإحتفاء بالعيد في البيوت والجوامع والفنادق , وغيرها من أماكن الإحتفال والإجتماع , لأن الكورونا سيندس بين الحاضرين ويصيبهم بدائه الوخيم.

عيد كورونا يقظة بشرية ما بعدها يقظة , وزعزعة إدراكية , وهزة وعيوية عنيفة , كأنها الإعصار الذي يداهم الأشجار فيجردها من أوراقها ويلقي ببعضها أرضا.

عيد كورونا , تمكن منّا , فعزلنا وأجبرنا على التعايش مع وحدتنا والتباعد عن بعضنا , والتفاعل عن بعد لكي نحافظ على حياتنا , وجعلنا نتيقن بأن المخلوق يواجه مصيره لوحده , فلا ينفعه مال ولا بنون , ولا أي وهم من أوهام سكرة الدنيا.

عيد كورونا لديه عيون ميدوزية تحدّق في الموجودات , التي لا تزال غير قادرة على كظم ما فيها من نوازع البغضاء والشرور , وما أن تلمحها حتى تحيلها إلى عصف مأكول , وترمي بها في غياهب أسرة العناية المركزة لتلقى حتفها بعد حين مرير.

عيد كورونا علينا أن نوظفه لإستكشاف طبقات وعينا , وفضاءات مداركنا , ومدارات عقولنا , فنتبصر ونتحذر ونعمل على تعبيد سبل نجاتنا من قبضة العدم , ومن الأسر في متاهات الرغبات والنزعات الدونية التي سحقت الإنسانية.

عيد كورونا يعلمنا المعنى الحقيقي للعيد , ويبعدنا عن الهشاشة والسذاجة والغباوة السلوكية , التي أدْمَنّا عليها وتوارثناها جيلا بعد جيل , فأرانا قيمة التفاعل الإيجابي الرحيم , وأن نكون أخوة , فالتراب أبونا وأمّنا , وكل مخلوق سواء بعرف كورونا , الذي يتحدّى مَن يرى أنه في مَنعة وأمان من صولاته العِظام.

عيد كورونا أجبرنا على التنافر والإبتعاد , ليُشعرنا بقيمة التفاعل والإقتراب , الذي وشحناه بالدموع , ومضينا في النيل من بعضنا بقيادة أبالسة ما فينا من أمّارات السوء والكراهية والعدوان وحب سفك الدماء.

عيد كورونا يخبرنا أن الحياة رحمة ومحبة وألفة وأخوة , فالمصير واحد وقافلة الأحياء يصعد إليها الكثيرون وينزل منها الكثيرون , وهي تسير على ظهر سيارةٍ تدور.

فهل سنتعلم معاني العيد السعيد؟!!
د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close