تشكيل النص في شعر حسين عبد اللطيف

تشكيل النص في شعر حسين عبد اللطيف

شاكر حمد

مقدمة..

في هذا المقال نواصل البحث في موضوعنا الذي بدأناه بعنوان (بنية النص في شعر حسين عبد اللطيف) على أن نُكمل الحديث في الحلقة الثالثة عن الصورة الشعرية عند الشاعر.

والمقال بأجزائه الثلاثة يُلخِّص مادة كتابنا ” ساحر الأفاعي ” الصادرعن دار تموز – دمشق – ( 2014)

ظهر النص الحديث في ظروف تأريخية عالميّة صاخبة, لامجال للخوض فيها؛ لكثرة الدراسات والتحليلات والتنظيرات ألتي تناولتها من قِبَل الفلاسفة والنُّقاد المُعاصرين لحركتها ؛ لكن أهم ما فيها ظهور المدارس الفنيَّة في الفن التشكيلي والأدب والفنون الأخرى, والإختراعات, وإختراع آلة التصوير الثابتة والمُتحركة ومن ثم تلوين الصورة ومع تداخل وسائل التعبير وتشابكها؛ أنتجت مخاضات العصر نصوصاً مُتأثرة بالرسم أو النحت كمحاولات الدادائيين والسرياليين في أوربا, وفي هذا المجال نستذكر محاولات فنانينا ألعراقيين ومنها المعرض ألذي أقامه كاظم حيدر بعنوان (ملحمة ألشهيد) قدَّم فيه مجموعة لوحات ترافقها نصوص شعرية/نثرية (تعود للفنان) حول واقعة كربلاء المعروفة في التأريخ.

وقد ظهرت المُزاوجة بين النص واللوحة في مطوية المعرض بالأسود والأبيض, بطباعة ذلك الزمن, أمّا اللوحات فحافظت على جنسها ونوعها كتكوينات مكانية وتأليفات أقرب إلى التجريد,خصوصاً تشكيلات الخيول القريبة من النحت. وهناك مُحاولة لايمكن إغفالها وهي مجموعة لوحات ورقية بالحبر لضياء العزاوي حول المُعلقات العربية؛ والمعروف أن نص ألمُعلقة ببنيته الوزنيَّة العمودية غير قابل للتلاعب والتفكيك؛ ولأغراض التوزيع التشكيلي فقط يمكن توزيع الأبيات على اللوحة؛ كما أن نص المُعلقة – المعلقات يستند إلى مضمون واحد كما أشرنا, لذلك تشابهت تخطيطات ضياء العزاوي وتميَّزت بإستقلاليتها التكوينية عن فضاء المعلقات, ولاننسى أيضاً موجتنا الستينية في الشعر والسرد وأهم روّادها فاضل العزاوي وسركون بولص ومؤيد الراوي وأنور الغساني وجان دمّو وآخرين ممن تأثر بهم حسين عبد اللطيف. فقد ظهرت في نتاجات هذه الموجة نصوص متمردة على شكل النص وبنيته الطباعية – التشكيلية؛ وتجلت الغرابة في تفكيك النص وتعريته من القدسية التأريخية؛ في العناوين والعناوين الفرعية ومثال ذلك قصيدة جان دموّ ألمكونة من كلمة واحدة هي (ثلاثة) بينما يشغل عنوانها سطراً بثمان كلمات ونصُّه (الرجل الذي سافر بالقطارولم يقل للبرفيسور نعم).

…..

إنتظمت بِنيَّة النص الشعري العربي, كتابةً وتشكيلاً وإيقاعاً, في جميع المراحل التأريخية, مُتأثرةً بالظروف المكانية والزمانية المُحيطة بإنتاجها. ولا حاجة للتذكير بالتسميات التي أالصقت بالنص الشعري العربي القديم وإنتمائِها للبيت العربي وعناصره البنائية؛ فالمُعلقات قبل الإسلام كانت تُعبِّر,شكلاً, عن تماسك القبيلة وقوتها وكثرة أعدادها وتماسك ثوابتها الأخلاقية؛ فالسياق العمودي للنص المكتوب على الورق (إفتراضاً) – زائداً طول القصيدة بعدد أبياتها – يرمز إلى العلامة الإشهارية الأولى للقبيلة ومكانتها بين القبائل. ومن هذه البيئة الخالقة ظهرت القصيدة العربية بمميزات صوتية عالية النبرة؛ خطابية؛ ذات بنيَّة صوتية مُلحقة بمقومات القبيلة – الأمَّة؛ فالشعر ألعربي يقوم على طرفين متقابلين هما الشاعر والمُستمع (الجماعة) وعلى الشاعر إعتماد حكم الجماعة المُتلقية, وإعتباراتها في قبول الشعر وما يُعرف بالذائقة الجمعية أو الرأي العام..ولولا الإطالة في هذا المجال؛ نُحيل القارئ إلى الجاحظ في (البيان والتبيين) حيث يُحدد الجاحظ بعض سمات الشعر الإلقائي من وجهة نظر الرأي العام السائد في عصرة, وينطبق على القصيدة العمودية, إلى عصرالثورات على الشكل القديم للقصيدة. يقول الجاحظ (..إذا كان الشعر مُستكرهاً, وكانت الفاظ البيت من الشِّعر لايقع بعضها مُماثلاً لبعض, كان بينها من التنافر ما بين أولاد العَلاّت, وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أُختها مَرْضيَّاً موافقاً, كان على اللسان عند إنشاء ذلك الشعر مؤونة… وأجود الشعر ما رأيته مُتلاحم الأجزاء, سهل المخارج, فتعلم بذلك أنه قد أُفرغ إفراغاً واحداً, وسُبك سبكاً واحداً, فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان… وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر, تراها مُتفقةً مُلساً, لينة المعاطف سهلة؛ وتراها مُختلفةً مُتباينة, ومُتنافرة, مُستكرهة, تشق اللسان وتُكُدُه. والأُخرى تراها سهلةً لينة, ورطبةً مُتواتية, سلسة النِّظام خفيفةً على اللسان, كأن البيت بأسرهِ كلمةٌ واحدة, وحتى كأن الكلمة بأسرها حرفٌ واحد.) وفي نفس الباب ذكر الجاحظ الحروف وما يجوز ولا يجوز في تجاور بعضها مع بعض..إلخ(1).

هنا نقف على تقييم عصر الجاحظ للقيم الجماليَّة في الشعر؛ أي روح العصر, ونستنتج منه إحاطة النص بتأطيرات زمن الكتابة والقراءة؛ حيث ظروف إستقرار المجموعات المُستمعة والمُتذوقة للشعر؛ وكانت الأسواق كسوق المربد و المجالس والحلقات والنوادي البريَّة والمُغلقة؛ تؤدي هذا الغرض في المطارحات الشعرية وما يتمخض عنها من تحكيمات وتقييمات. وهكذا يقوم النص على دعامتين أساسيتين هما:

– العلاقة بين القائل (الشاعر/الخطيب/القاص) و السامع.

– العلاقة بين المُدون (الكاتب/ الناسخ) و قارئ النص على الورق.

ومثلما حافظت الأمَّة على تقاليدها الإجتماعية في السكن والجلسات والتخاطب والمُنازعات والبطولات فقد حافظت القصيدة العربية على شكلها القديم, العمودي المُتوازن, لغاية العصر الحديث, كما ألمحنا في بداية هذا المقال؛ حيث تنامت إهتزازات في الشكل البنائي للنص الشعري, هنا وهناك, بفعل التطورات التأريخية والتداخل بين الأمم؛ فقد تراجعت القصيدة, الحماسية, الطويلة في بنائها المعماري العمودي؛ لصالح القصيدة (الطويلة) الغرامية, والرثائية, بفعل موجات الهجرة والحروب؛ فقد تحوَّل صوت الشاعر من ناطق بلسان القبيلة – الأمّة إلى ناطق بمعاناة الذات. إنتقل هذا التحوُّل إلى الشكل الفني للنص الشعري.

إن التطورات التي تلحق بالشكل الفني إنما هي نتاج تفاعلات العلاقات الإجتماعية وصراعاتها الطبقية؛ حيث تصبح المُتغيرات والتجديدات وأشكال التمرُّد من الضرورات المُناسبة لعصرها.

على سبيل المثال أن تتويج القصائد بعناوين لم يكن معروفاً حتى العصر الحديث؛ بل حصل تالياً بإشتهارها بأحداث هامَّة أو مُناسبات خاصة.

تقلَّص النص (طولاً) في الحِقَب التالية, مُتأثراً بهندسة البناء وروح العصر؛ فالشعر الأندلسي الغنائي عبَّر عن نظام الجلسات الباذخة وروح الطرب وإيقاع الآلات ورقص الجواري ورقص المجموعات, وعن زخرفة القصور العربية وغُرف الملوك والأمراء والأميرات, في وحداتها الصغيرة الهندسية والنباتية, وبشكل خاص في الأقواس العربية في تناغم تكرارها وإيقاعات وحداتها الهندسية؛ وهكذا تشكَّل النص الغنائي التكراري , الإيقاعي, الرباعي والدائري والمُجزأ والقصير وما يُناسب الوقت المُخصص للطرب.

وهناك حقيقة تأريخية تتصل بتطوُّر النص الأدبي منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين؛ وهي تغريب النص الأدبي وتجديد بِنيته (مع الحذر من هذه الملاحظة حيث إنصبَّ التجديد والتغريب على الموضوعات والغايات في ظروف تراجع الشعر لصالح النثر الغرائبي وظهور السرد الميتافيزيقي العربي. يقول إبن رُشد مُعلقاً على فن الشعر (إخراج القول غير مُخرج العادة.).

يقول عبد ألفتاح كيليطو في غرابة النص الشعري (النص الشعري يتكون من عنصرين إثنين؛ العنصر الأول مردّه إلى التعابير المألوفة الشائعة, والعنصر الثاني مردّه إلى التعابير الغريبة ألتي تُستورد من مكان بعيد غير معهود فتجتاز مسافةً طويلة ثم تستقر في مكان ليس من عادتها ان تكون فيه, فهي كالغرباء بين أهل المدينة.)(2) .

…….

لتحقيق ما يُسميه حسين عبد اللطيف (بالغرابة) يتحول إلى منطقة النص؛ أي المنطقة الجُغرافية على الورق مروراً بشبكة من التقنيات وتشمل ما يُسميها جيرار جينيت بالمناص المُحيطي؛ من مقدمة وعنوان وإختيار شكل مُناسب وإهداء, أي الحالة الوظيفية للعنوان..( فالحالة المكانية, والزمانية, والماديَّة, والتداولية للمبدأ المناصي..)(3)

وإذ يقترن النص بالبيئة ويتأثر بها, نستطيع أن نتأمل الصورة الشعرية الشديدة الكثافة والإقتصاد في الكتلة الحروفية ونعزوها إلى ضيق الأماكن التي عاش فيها الشاعر؛ أمَّا الفواصل والأجزاء البنائية في النص فتشبه قطع القرميد وأحجار البناء؛ بينما تُحاكي البياضات والفراغات على السطور وبينها؛ جميع الثغرات في الأرضيات والجدران وتلك الفتحات والأجزاء المُقتلعة بفعل تقادم البناء؛ إنه البيت, البيئة القديمة, الأليفة بتراكم ذكرياتها, بأشكالها وألوانها وفسحاتها وظلالها, ونوافذها الهوائية وشمسها الدوّارة داخل الحوش, وملاعب طفولتها؛ وهكذا يتنافذ المكان, بفراغاته وبعثرة مُحتوياته, إلى بِنيَّة النص عند حسين عبد اللطيف؛ فتتخذ العلامات والإشارات والأقواس والتنصيصات والشوارح والتنقيطات وسطورها ومساحاتها والبياضات؛ وظائف تعبيرية موازية في النص بألإضافة إلى هندسة الأرضيات وتوزيع الكلمات ( الكتلة ألحروفية) بأشكال جديدة تقترب من التوزيع العبثي لبعضها على الأرضيات البيضاء؛ أي فضاء النص. وسننظر في الأمثلة:

– بِنية العنوان في شعر حسين عبد اللطيف:

لنؤجل الإنسياق في المتاهة التأريخية إلى حديث آخر ونواصل مُعاينة تجربة شاعرنا في تشكيل نصوصه؛ بدأً من العنوان؛ غرابة العنوان ثم تجزئة النص وترسيمه بعنوانات فرعية؛ وثمَّة دلالات ودوافع وظروف تستوجب المُبالغة والتكرار وتحديد حجم العنوان ومدى قُدراته في الإبلاغ, والإشهار, والإيحاء, عن غايةٍ موضوعية.

تلك هي الخطوات البادئة بالعتبة الأولى التي يسميها جيرار جينيت بالمناصات؛ ونجد هنا ضرورة تحليل نصوص حسين عبد اللطيف من الزاوية البنويَّة والبنائية فكل نص ينتظم على وفق منهجية شكلية – تداولية – تكتسب تقاليدها من تقاليد الحياة العامة والظروف الموضوعية والذاتية المُحيطة بِعالم النص.

في منظومة الشاعر حسين عبد اللطيف؛ يتشكل النص على الورق, مع تشكيل البياضات والفراغات, متأثراً بالجغرافية المكانية الطبيعية والهندسية وبالفضاء والزمن, وبحكم معاصرته للظروف التأريخية وتطوراتها خلال النصف الثاني من القرن الماضي فقد تأثرَ شاعرنا بالموجة الستينية وتياراتها العالمية بالتوافق مع الأوضاع المحليّة (العربية/ العراقية) كما سنبيِّن لاحقاً؛ وما زلنا نتحدث عن أثر البيئة في تكوين النص وتشكيله؛ ننقل هذا النص المُطوَّل من كتابنا “ساحر الأفاعي” وقليل من التعديل:- (إن للعوامل النفسية أثرها المُباشر في توجيه الرؤية نحو العَتَمة – الليلية ففي الليل هروب من مُكابدات النهار وأثقال الواقع اليوميَّة, والتراكم التأريخي للصدمات النفسية والإحباطات.. عليه فإن متاهة الدهاليز لمظلمة والأرض المُتعرجة بالكثبان والطبيعة الوحوشية ومُفاجآتها المُنذرة بالأخطار..وفيها الأشباح والموتى يظهرون في الأحلام – ألزائرون ليلاً- كل ذلك يستدير في رؤى سريعة خاطفة في الظهور ولزوال.

في تداعيات الأحلام كتب كتب الشاعر مجموعة من القصائد [السريالية في نصوصها وعنواناتها] منها [ سأعلن بإسمي] [تكريس؛ خرائطي خططتها ألمياه] [مشهد][الدريئة] [حدائق] [نافذة]..نقرأ فيها الشعور بالإحباط والعُزلة عبر الرموز والإشارا ت النفسية؛ ففي الرؤية أنفاق مُلتوية ومُحاولات يائسة في إيجاد منفذ يُضيء الدروب لتغيير مجرى الحياة الإنسانية.. ونلاحظ إمتداداً لهذاالإهتزاز, مبعثه الخوف على مصير القصيدة (خشية الشاعر من سرقة نصوصه وتقليد مُنجزه الشعري) وعلى شكل النص وبنيته وصوره المُشكَّلة من نسيج ضغوطات نفسية على الطراوة الروحية للنص من خلال:

– التكرار غير الواعي أحياناً للصورة والمفردة.

– العتَمة المُتسيدة على باطن الرؤية.

– الهبوط بالمفردة وصورتها وإستعاراتها بما يوحي بتعذيب الذات .

– التلويح بالخطر وتكرار الإنذارات.

– القطع القاسي للجملة والتحول المُفاجئ والخروج عن سياق النص.

– الإعتراف بنبرة صوتية مُرتفعة.

– الصمت وتُعبِّر عنه الفراغات والسطور التنقيطية والعلامات والتنجيم. – النهايات الحزينة للمقاطع.

– الرمز والتجريد

– التركيب اللغوي ( البلاغي, الإستعاري, التناصِّي, التضمين, الكولاج.)

– التغريب والميتافيزيقيا في العنونة, وإمتداد موجات التغريب إلى تركيب العنوان فالنص. – (4)

تتردد نبرة صوتية, خاصة, صوت الشاعر الباطني في تعطيل جريان الشعور؛ بترسيم الوقفات الزمنية, بالتجزئة والتقطيع, وإصطحاب القارئ إلى وقفات قصيرة. فالعنوانات تجترح مناطق مكانية وزمانية وأفضيَة مُترامية وبهذا تكون العنوانات الفرعية حسب تسمية جينيت ” العناوين الفوقية أو العلِيَّة )(5 ).

يرى جينيت في العنوان ” عقد شعري بين الكاتب والكتابة من جهة, وعقد قِرائي بينه وبين جمهوره وقرّائه من جهةٍ, وعقد تجاري/إشهاري بينه وبين الناشر من جهةٍ أخرى..)(6).

ومن بين الوظائف ألتي يُحددها جينيت للعنوان هناك (الوظيفة الإغرائية ) ولاتعني بالضرورة أن العنوان يجب أن يدل على مضمون الكتاب, خاصةً في الشعر,لأن العنوان في الشعر يتشكل من كلمة أو عبارة للإثارة والإستفزاز أكثر من الدلالة على المعنى؛ ويلي العنوان الفرعي تعليقات أو إستهلال ببيت من الشعر مثل بيت الشعر لريلكة (من لا يبني بيتاً ألآن.. لن يبني بيتاً في ألمُستقبل..) أو (عويل الرياح..) ونلاحظ عمق التأثير لهذين البيتين على نصوص الشاعر, حيث يقول في قصيدة (الزبير) ماذا وراء الريح غير العويل..) فعنوان القصيدة ؛ تعريفي ويدل على مكان؛ لكن النص المكون من فعَّاليات حركية راقصة وترديدات ولعب, إنما يُصوِّر فضاءاً جغرافياً من أفضيَة الصحاري العربية المترامية.

في مُستهل ديوانه (نار القطرب) يستعير النص التالي من بورخس (للأسلاف من دمي وللأسلاف من روحي قرَّبت ذبائح من أشعار.) يلي ذلك تلويحات وتلميحات عن الأسلاف وتتعدد التسميات والنعوت حولهم؛ فهم الموتى وهم السائلون وهم الجالسون على الأرصفة وهم الحرّاس والرقباء. ونجد أن شاعرنا يتبع في كل ديوان نمطاً إغرائياً خاصَّاً؛ وذلك لأن جمع الديوان يُمثلُ شوطاً من الحياة تحكمه ظروف ذاتية وموضوعية تسبق صدور الديوان؛ فالديوان الأول (على الطرقات أرقب المارَّة) صدر عام 1977 أي أنه ضمَّ قصائد الشاعر الغنائية وتأثير الأغنية العراقية فيها؛ وفيه بدايات الشاعر وباكورة إنتاجه وثقافته؛ لذلك تتوجت عنوانات نصوصه بالرومانسية والتجارب الشخصية. أما الديوان الثاني (نار القطرب) 1994 فحمل موجة التأثير الغرائبية في النصوص والعنوانات كما بيَّنا في هذا المقال. وبالتأكيد هناك فاصلة زمنية تُساوي عقدين من الزمن كُتبت فيها قصائد هذا الديوان تلي ديوانه الأول.

يقول عبد الحق بلعابد في تلخيص وجهة نظر جينيت في العنوانات الغرائبية ( غير أننا نرى بعض العناوين المراوغة خاصَّةً السريالية منها التي لاتُطابق نصوصها تماماً, وتحتاج إلى تأويل وحفر في طبقاتها قصد قراءة وفهم تلويحاتها وتلميحاتها.)(7).

وهنا تستوقفا علاقة الشكل السيميوطيقي بصفته دال, وتعدد إتجاهات المدلول؛ أي الملفوظ والغاية التعبيرية؛ فقد يتكون العنوان من مُفردة, إسم مثل ( الفرّارة)أومفردتين (الجوّاب الضائع/ دوّارة الرياح) وتضمين النص كافة الإمتدادات الإيحائية والحركية التالية إبتداءً من حركة دوران فرّارة ورقية وإنتهاءً بحركة دوران الكون أو ضياع الإنسان؛ وقد رصدنا تَواصل عنونة (الدوران) ما يؤكد قوة المُفردة ومضمونها الحركي(الفيزيائي/ الميكانيكي/الكوني/ الزمني..) في عديد من النصوص التالية للشاعر, وقد يتمثل العنوان بجملة طويلة؛ فتصبح الجملة نقطة إفتراق تتشعب منها وجهات الشاعر بإتجاه المرئي والمحسوس والمنظور فنجد إنحيازات عناوين إلى الغرابة والسريالية والمُراوغة وإستفزاز القارئ.

في جانب من عنوانات, وإفتتاحيات, الشاعر تنفتح أبعاد المكان؛ من البيت والحيِّز الضيِّق إلى الجغرافية الكونية والمكان الميتافيزيقي.

للمكان بُعدين في فلسفة الشاعر:

– البُعد الميتافيزيق التأملي, كما أشرنا, وهو المكان المترامي وأبعاده الميتافيزيقية ويشمل الأقمار والمجرّات وبلاد ألله ومناطق الكون وفضاء الطبيعة.

– البُعد المنظور للمكان؛ المحدود, القريب, المألوف؛ كالبيت وأجزاء البيت, أو مُفردات الطبيعة؛ كالأشجار والفواكه والمياه والصحراء والتلال والوديان والكثبان. وتقترن نصوص القسم الأول بعوالم الخوف الرومانسية؛ يجتاز الشاعر فيها عوالم الكون والزمن والظلام عبر عناوين غرائبية تحتمل التأويل مثل (بلاد/ منطقة/ طبيعة صامتة..) وعناوين صورية مُقرَّبة مثل (وجه/الشجرة/بهجة/الشخص خاصتي..) وفي هذه العناوين مُراوَغة تشكيلية لاتعكس مضامين النصوص التي تقف عليها ؛ إنما تَنفذ إلى ماوراء النصّ؛ حيث نرى عنوان (دال) يُتوِّج مضمون (مدلول) ضدّي؛ فالشكل مألوف وموضوعي أما المضمون, في سريان النص, فيُجسِّد موجات من الهواجس الذاتيَّة والمُعاناة والأرق.

يقول جينيت ما معناه أن العنوان الذي لايدل على مضمون النص يحتاج إلى عنوان فرعي يؤدي وظيفة التفسير؛ لكن في الحالات السريالية والميتافيزيقيا والتجريد – كعناوين حسين عبد أللطيف – يختلف الأمر, فالعنوان يوحي بالغموض واللاّ معنى أمّا العنوان الفرعي فيُزيد الغموض, ويُضفي على الضباب غيوماً؛ مثالها هذا العنوان (تكريس) وعنوانها الفرعي (خرائطي خططتها المياه) وتزدحم هذه البِنيات الشكلية للعناوين في ديوان الشاعر (نار القطرب).

في تشكيل النص, عند حسين عبد اللطيف, تجري العمليات الإغرائية لتشمل التعتيم والتفكيك والكولاج وتبدا من العنوان لتتواصل, كتجارب المُختبر على المساحة النصيَّة وتشمل العمليات:

– الغلاف

– الإيهام في العنوان.– العنوان الفرعي للقصيدة – العنوان الجزئي (عنوان مقطع)

يلي ذلك مايُعرف بإسلوب الشاعر في البث والإرسال ويبدأ من العنوان المُلغِز ثم سيرورة النص/ المتاهة وتشمل:

– نوع الخط – الفواصل في العناوين – التشكيل الفضائي للبياضات – التوزيع الجغرافي للكتل الحروفية. – السطور التنقيطية وفضاء النص الموازي.

أمَّا الديوان الثالث (أمير من أور) 1995 فيحمل إشارة إلى مضمون الشعر وهو موجه إلى شخص الفنان أحمد أمير الذي توفي في ألمانيا ويصبح الديوان أشبه بمراثي عنه؛ حتى أن قصيدته ( دوَّارة الرياح) تبدو وكأنها رثاء للفنان سبق رحيله وقد بثَّ فيها الأحزان ألمُرتقبة.(يُنظر كتابنا – ساحر الأفاعي – ص237-).

أمَّا الديوان الرابع – مختارات – (لم يعُد يُجدي النظر) الصادر عام 1995عن دار الجمل ففي عنوانه دلالة اليأس وقد صدر في وقت بلغت فيه مُعاناة العراقيين درجة اليأس والإحباط. ونلاحظ إمتداد ظواهر التمزق النفسية وتشابكها مع تشكيل العنوانات الرئيسية والفرعية؛ ويمكن تعيين أهم أعراضها:

– الإغتراب. – اليأس والندم. – الخوف من الحاضر والمستقبل. – العُزلة.

وهذه الحالات يُرسلها العنوان أولاً؛ثم تهبط مع النص وصولاً إلى الصدمة, أو مايُسميها الإفتضاح أو الخسارة والخوف من المصير المادّي المُخيف؛ من ضياع سنوات العمر ويرمز لسنوات العمرتارةً بالقمح (إحملي قمحنا وإنثريه في وِهاد القرى) و تارةً بذهب العائلة:-

(الرياح التي من مراكش قادمةً

دخلت منزلي

وإختفى في عذاب القرنفل والبرتقال

ذهب العائلة.) .

ونلاحظ موجة العنوانات السريالية والتي لاتدل على مضامين نصوصها ولا تُعارضها أيضاً؛ إنما تُنبِّه القارئ أو تُغريه بإتجاه الغموض فالقصيدة التي تحمل عنوان (سحابة أمس فقط) تتحدث عن لوحات تشكيلية كما سنرى في السطور القادمة.

[

– العلامات والتأطيرات:

لم يعرف الشعر العربي تنصيص الكلمات الغريبة والأجنبية قبل العصر الحديث (يُنظر مقال الكاتب كريم مرزة الأسدي بهذا الموضوع في موقع الحوار المُتمدن)؛ على سبيل المثال كان المُتنبي يزج الأسماء الأجنبية في شعره مثل قسطنطين وفنّاخسَرَ والدمستق؛ مع سلامة الوزن والقافية وسياق وطراوة الشعر.

تستوقفنا ظاهرة كثرة الأقواس والتنصيصات والمُعقفات في شعر حسين عبد اللطيف.

الكلمات المحصورة بين الأقواس بمثابة نصوص منحوتة, مُستعارة من بيئىات خارج بيئة النص ومن أفضيَة غريبة التجنيس كصور المجلات أو العلامات أو الأشكال المُنطبعة في الذاكرة, والمشاهد المرئية؛ إنها أسوار داخلية موجهة للقارئ للتنبه لخصوصية هذه الكلمات – العلامات وما تحمله عناصرها السيميوطيقية من دلالات مُزدوجة وحضور خاص في الذاكرة؛ وهي بمجملها إستعارات صوَرية لأشياء وأشكال وألوان من تأليف البيئة أو تداخلت معها.أو مايمكن تسميته بالنص المسكوت عنه, أو النص الإسترجاعي؛ وهي على العموم نصوص باطنية موازية.

تنامت فكرة الإستعارة الصورية, في ذاكرة الشاعر, توازياً, مع تطوُّر رؤيته الشعرية وإتساع فضاء خيالاته ومُشاهداته للصور الثابتة والمُتحركة, بحالتي التلوين والأسود والأبيض.

حسين عبد اللطيف شاعر الصورة الخيالية والمرئية.

في قصيدته المعنونة (في عداد الذكرى) تتراكم صور الوجوه وبقايا الأشياء من علاقة الحب القديمة, وهنا نُصنِّف العنوان إلى صنف العنوانات الموضوعية, بالطبع حسب جينيت, وهي العنوانات التي تُقدم مرويات زمانية وتعتمد تيار الذاكرة في تقديم سيل من الصوَر المرتبطة بزمن الحب؛ كان الراوي/ الشاعر يُقلِّب صفحات مجلة للأزياء (بردا)- إحتمالاً..فتنهال الصوَر والذكريات.. ونؤكد على إستعارة الصورة وتشبيهاتها؛ في نفس الوقت وضع الشاعر الكلمات (النص الهجين حسب باختين) بين قوسين كذلك كلمة (النجوم) ذات المعنيين؛ فهي بين القوسين تدل على نجوم الأزياء داخل المجلة وتعني نجوم السماء في النص وقد ترك للقارئ تأويل النص. وهنا تتداخل الصورتان؛ المُتخيَّلة الشعرية, بالصورة الماديّة المرئية.

وأعاد الشاعر هنا تقنية التقطيع بإستخدام النقاط وتفكيك الجملة:-

(لا أذكرُ إلاّ (التيوليبَ) يُحلَّي شعرها

وثوبها (الشيفون) أزرق

المساء أزرق

(النجوم) في سماء آب

قطيعُ ماعزٍ.. مُبعثر…

بلى تماماً… كانت ألنجوم)

تلي عبارة قطيع ماعزٍ وقفة قصيرة تساوي نقطتين وتعقب العبارة ثلاث نقط ثم تأتي الجملة التالية.. (بلى تماماً) فثلاث نقط فتتمة الجملة (كانت النجوم) وقد أوردنا هذا المقطع مِثالاً من بين العديد من الأمثلة التي لايتسع المجال لذكرها جميعاً.

وهناك تفكيك للكلمة الواحدة؛ فالنص يتحول إلى الميتا نصّ وإلى النص المرئي فالإشاري..

في شعر حسين عبد اللطيف مُراوحة بين منطوق النص وتشكيله؛ فالمنطوق يسترسل في الخيال والسايكولوجيا والزمن؛ أمّا التشكيل (الطوبوغرافي) فيمنح النص تركيباً سيميوطيقياً دالاًّ على تأويلات لم تُذكر صراحةً.

يقول إمبرتو إيكو ( إن النص يتميَّز عن الأنماط الأخرى من التعبير بتعقده الكبير, والسبب الأساسي في ذلك هو أنه نسيج من المسكوت عنه ( non – dit) ” فالمسكوت عنه ” يعني عدم الظهور على السطح, وعلى مستوى العبارة, ولكن هذا المسكوت عنه هو الذي يجب تحقيقه في مستوى تحقق المضمون بالضبط, وهكذا فإن النص هو الأكثر تمظهراً من كل رسالة أُخرى لأنه يتطلَّب حركات مُتآزرة, حية, وواعية من طرف الطرف القارئ)(9).

مثال ذلك قصيدته (نارٌ خضراء) التي يُحاكي فيها ترديدات الأطفال؛ (وفي قصائده للأطفال يتَّضح تاثره بالسياب بقوة.) وفيها تتعدد الأصوات بما فيها صوت الشاعر؛ ويُميِّز تلك الأصوات عن بعضها بالعلامات والتنقيط؛ فصوت الشاعر/السارد بين شارحتين؛ بينما أصوات الأطفال و(إفتراض صوت طائر الشقرَّاق) تتقطع بالنقاط وهكذا..:-

(تمرُّ اللقالق

– زوارق ملأى زنابق –

ترى السربَ منها يعود..

تر…آ… ه؟!

فقصّر حبلك…

طوِّل حبلك…آه…

يصيح الشقرَّاق …آ..ه

جناحي

جناحي

ونتساءل عن كثرة العلامات؛ الشوارح والفوارز وعلامات التنصيص والمُعقفات؛ هنا يتجلى السرد بالإشارة, وتنظيم القراءة والعمل بالأصوات والنبرات الداخلية؛ كما يلجأ الشاعر إلى الإستعانة بالهوامش للتوضيح والتعليق؛ وفيها مُخاطبة للقارئ مع إفتراض أن القارئ, عراقياً كان أم غير عراقي, بحاجة إلى تلك الشروح.

يُوجه الشاعر خطابه لمُستمع, أو قارئ مُفترض, حاضر في النص؛ وقد يكون شخص مُخاطب أو ذات الشاعر داخل النص. يفترض إيكو في المقال الذي إقتبسنا منه قبل قليل حتميَّة حضور القارئ داخا النص المُنتَج ( إن النص يفترض قارئه كشرط حتمي.. لقدرته التواصلية الملموسة الخاصَّة, ولكن أيضاً لقوتهِ الدلالية, وبعبارةٍ أُخرى النص مُنتَج لواحد يستطيع تحيينه, وحتى إذا كُنا لانأمل (أو لانريد) أن يكون هذا الواحد موجوداً مادياً أو تجريبياً.)(10).

– الهامش (النص الموازي)

وللهوامش وظيفة تحويل القارئ إلى مناطق قرائية وتأملية مجاورة لجغرافية النص, ففي الهامش تذكير ببيت من الشعر يتصل بكلمة صادمة وغرائبية؛ فحين يجمع حسين عبد اللطيف كلمة (بوق) بصيغة جمع المؤنث السالم لتصبح (بوقات) يستدعي في الهامش بيتاً للمُتنبي..” إذا كان بعض الناس سيفاً لدولةٍ ففي الناس بوقاتٌ لها وطبول “. (ولم يذكر الشاعر سبب لجوء المتنبي لهذه الصيغة من الجمع؛ في الواقع كان يستصغر جوقة الشعراء المحيطة بسيف الدولة, ولو جمعها بصيغة جمع المذكر (أبواق) ما إختَّل الوزن – ش-ح)

ونلاحظ كثرة إلتقاطاتهِ لهذه التوريات ذات القيَّم الصوريَّة والإيقاعات الوزنية في النطق.

وربما يحتاج القارئ إلى معنى نبات (الشوكران) ألذي إستخرِج منه السُّم ألذي قُدِّم إلى سقراط لإعدامه؛ فيؤطر الكلمة الغريبة بهلالين ونجمة لنجد تفسيرها في الهامش:-

(لك شكري الجزيل

أيها (الشوكران)*

إذ تأوهتَ من ألمي.).

غالباً ما يعود الهامش إلى طرف مُشارك في الكتاب؛ كالمترجم او الباحث الناقد أو الناشر(على وفق عتبات النص لجينيت) ؛ أمّا حسين عبد اللطيف فيعتبر الهامش نصَّاً داخلياً, موازياً, ولديه كثرة من هذه النصوص الموازية سواءاً كانت في الهوامش أو بين سطور النص؛ مقروءةً أو غير مقروءة.

ونستطيع أن نضع جميع السطور التنقيطية والبياضات في هذا الموضع.

هناك أسباب نزعم فيها أن شكل الكلمة أو نبرتها الصوتية أو إستخراجها من أضابير زمن آخر- قلة تداولها في عصرنا – أو بيئة مكانية تسترجعها الذاكرة, أو غموض ملفوظها ومعناها؛ قد تكون وراء إستدعاء مثولها من جديد. وأحياناً تقف صورة مُلوَّنة خلف المُفردة القادمة من هناك ووراء الصورة تتحرك مشاعر وتنبعث حياة؛ كما لاحظنا في الإسترسال الذي قرأناه في قصيدة (في عداد الذكرى), أو كما سنقرأ في سطور قادمة عن إستعارة اللوحات التشكيلية والبطاقات البريدية وغيرها.

غالباً ما نسمع العويل وأصوات المراثي, ونقترب من حاسَّة الشاعر الريفية حين يوظِّف المفردة الشعبية؛ كالألوان حيث ترتبط ذاكرة القرية بالألوان؛ الأخضر والأزرق الفيروزي والعقيق الأحمر الرمّاني والأبيض الشفاف ( بياض الشب) وبالتسميات الريفية للأشياء مثل (سخائم) للدلالة على الظلال والأشكال الشبحيَّة. (ذكرنا أمثلة وافية منها في كتابنا – ساحر ألأفاعي -)

– تفكيك النص:

حين ندخل فضاء النص نجد أن الشاعر يشتغل بالتقطيع والتفكيك فالنص الواحد (القصيدة) تتكون من نصوص قصيرة, وأجزاء وبعنوانات فرعية أشدُّ ما تكون غرابة وسريالية, ولهذا لم تتخذ النصوص, في دواوينه الثلاثة, سياقا تصميمياً واحداً؛ ففي متوالية التتابع العمودي لقصيدة التفعيلة يلجأ إلى تشطير الجملة وتفكيك روابطها الوزنيَّة عن قصدٍ لبث الهواء في الفراغات, وتشمل الأمثلة أهم النصوص ذات الوجهة الميتافيزيقة والسريالية وسيأتي عرض لبعض مقاطعها.

وثمة الأنواع التي يُسميها جينيت ( المناصات ذات التمظهرات الماديّة…وتتضمن كل الإجراءات ألمُتعلقة بإختيارات الكاتب الطباعية, والرقميَّة, والتي تكون أكثر دلالةً في مكونات الكتاب…مثل أشكال الخطوط, نوعيّة الورق المطبوع به والألوان ألمُختارة…فإنه من المُناسب أن نعتبر هذا التوظيف جزءاً من النص..)(11). ويجب أن لانغفل الظروف المُحيطة بالكتاب والإمكانيات الطباعية وقدرة دار النشر في تأدية الناتج الشكلي للكتاب. وهنا ندخل صنف المناصات التي يسميها جينيت ( بالمناصات ذات التمظهرات الإيقونية و بارزة..)(12).

وقد لاحظنا تأكيد الشاعر على تصاميم خاصَّة لأغلفة دواوينه ومنها وضع المربعات (الديوغرامية) كرقعة الشطرنج على غلاف ديوانه (نار القطرب) الذي صممه خالد خضير, في طبعته الأولى عام 1994- بغداد -)

– فضاء النص وأرضياته:

– الفضاء هو الورقة البيضاء؛ نزعم هنا أن الشاعر يُنظِّم توزيع الكتل الحروفية على وفق العلاقة التشكيلية بين الكتلة والفراغ, فمعنى ذلك أن القصيدة تشكلَّت من مرئيات مُتجاورة أو مُتفارقة؛ إلى جانب قدراتها الصوتية وأبعادها الزمنية.

هنا نلاقي الفجوات الموزعة بين الكُتل الحروفية؛ وهي بمثابة نصوص باطنية (موازية) وعلى نوعين:

– سطور تنقيطية وتشتغل التنقيطات فيها بوصفها أصواتاً مكبوتة أو نبرات سريَّة يتردد صداها في عقل الشاعر؛ وأحياناً تتخذ شكل إمتداد للجملة المنطوقة؛ ويُمكن تأويلها, فالسطور المُنقطة في قصيدته (الزبير) تُعبِّر, بالفراغ المرئي, عن إمتداد الدرب (يمتدُّ… ويمتدُّ) وعن خطوات الأطفال وهم يركضون.

– أما البياضات فتدل على المسافات الزمنية التي يطول فيها الصمت أو يقصر؛ وهي مُقدَّرة من قِبل القارئ الضمني الذي يكمن في النص ويُخاطبه الشاعر.

على القارئ الفعلي أن يملأ الفراغات بعباراته الخاصَّة؛ هنا أيضاً تمهيدات للقارئ لكي يتأمل معنى أوشكل لمفردة أو يُقدِّر مسافة زمنية, كالدور الذي تؤديه المجازات والتشبيهات, كذكر صنف من النبات يقتضي التمهل والتأمل وقطع السرد.

يتكون فضاء النص, عند الشاعر, من علاقات كُتل حروفية وفجوات فضائية. ( يُذكرني هذا التركيب للنص بمنحوتات هنري مور وتخطيطاته لسنوات الحرب ), ومن فواصل تنقيط بين الجملة الواحدة ويُعبِّر فيها عن حوارات باطنية وإيقاف سياقات سردية في مواضع مُحددة وتمثيل نبرات صوتية وإيقاعات؛ فهي فقرات كلامية مسكوتٌ عنها, وتجاوب مع الحوارات الباطنية.

– يتبع –

الهوامش:

(1)- الجاحظ/ البيان والتبيين/ ج1 ص66- ص 67.

(2)- عبد الفتاح كيليطو/ الأدب والغرابة/ص 67.

(3)- عبد الحق بلعابد/ عتبات جينيت/ ص 56.

(4)- شاكر حمد / ساحر الأفاعي / ص 186ص 187.

(5)- عبد الحق بلعابد/ نفسه / ص 71.

(6)- نفسه/ ص 71.

(7)- نفسه/ ص 71.

(8)- شاكر حمد / ساحر الأفاعي/ ص 237 .

(9)- إمبرتو إيكو/ القارئ النموذجي/ طرائق تحليل السرد/ ص158. (10)- نفسه/ ص159.

(11)- بلعابد/ نفسه/ ص 52 .

(12)- نفسه ص 52.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close