عيدنا الأول في زمن كورونا

رنا عبد الأمير القيسي

الحمد لله ، مضى شهر رمضان الكريم وأدينا بخشوع مراسيم العبادة من أقامة الصلاة والصيام وقراءة القرآن والدعاء إلى الله مقرونا بالبكاء ، وكنا نتمنى أن لا تنتهي هذه الأيام المباركة حيث يكاد العبد الشعور بانت في اتصال مباشر مع خالق الكون ، وسبحانه يسمع دعواتنا وتلاواتنا وتهجدنا في ظلمات الليل وفي الخيوط الأولى من الفجر ، ،لكنه يبقى هو شهرا واحدا في كل عام هجري يزورنا فيه ويفتح أبواب الرحمة والمغفرة والتوبة لنا ولمن يشاء من العباد ، ويملأ الفرح قلوبنا بقدوم العيد لأننا وُفقنا للعبادة في هذا الشهر الفضيل فهو هدية المعبود للعابدين ، سنفرح في هذا العيد لأننا غنمنا طاعة الرحمن، ولكن هل سنحتفل بالعيد كعيد كسواها من الأعوام ؟! .

الجواب من المرجح أن يكون لا، فهذا أول عيد يمر على الأمة الإسلامية بلا مظاهر فرح وبلا حج للمعتمرين ، فلم نسمع سوى تكبيرات العيد في المآذن ولم تقام صلوات العيد في المساجد لأنها مشمولة بالحظر الوقائي والتباعد والملامسة وغيرها من التعليمات , وبدلا من هرولة المصلين لبيوت الله لترديد التكبيرات نجد هدوءا وسكون يخيم على شوارعنا ، وزيارة قبور موتانا لم تخلو من حسراتنا لأنها مشمولة بالحظر دون استثناءات، وأبواب المقابر موصدة ولعل الموتى بانتظار زائريهم الذين عودوهم بغسل القبور وإشعال عيدان البخور وإضاءة النهار بالشموع وقراءة القران وترطيب العيون بالدموع الذي هو كحل أول أيام العيد ، ومن شدة ضجرهم سيروحون ويجيئون في مقابر ليس فيها إلا من يبعثهم الله رب العالمين والمتسولين الذين تعودوا الترزق من زائري القبور.

قد بدت مدننا خالية ومهجورة ، لا زيارات ولا أصوات الأطفال وهي تلعب في الشوارع والمتنزهات، عيد بلا تجمعات للأهل والأصدقاء والأحبة، بلا تجمعات في المطاعم ، ولا برامج ترفيهية في الحدائق لان المراجيح ودواليب الهوى اختفت ، وبلا قبل حقيقية او زائفة يملأ بعضها الوجوه بلعاب المقبلين ، قد أوصدت كل الأبواب في وجوهنا ولم تبقى سوى سماء ملبدة وشمس ساطعة تحرق الوجوه .

وهنا نقف متسائلون ، هل سنستعيد أيام الفرح وتجمعات الأحبة والأهل والأصدقاء ؟ ، أم بات عيدنا هذا ( عيد الكورونا ) عيد الذكريات ، ذكريات الأيام الجميلة المبنية على البهجة والفرح وضجيج لعب الأطفال ، فمرها حلو رغم قسوة الأيام الماضية التي جعلتنا نفقد شبابا مثل الزهور في ريعان شبابها في ساحات الاعتصام للمطالبة بتغيير حال البلاد ، كل هذه الأحداث لم تجعلنا نفقد فرحة العيد إلا بعد أن ظهر كورونا الفيروس ، الذي جعل الناس تفضل الابتعاد وعدم التجمع بغية عدم الاختلاط وانتشار العدوى .

عيدنا هذا «عيد زمن كورونا» جعلنا نتأمل أحوال من يتجرعون طعم الغربة ، حيث ابتعدوا عن الأهل والأصدقاء والأحبة ، فتمر بهم أعياد ومناسبات بلا احتفال وبلا فرح ، وباتوا من بعدهم من أرض الغربة للوطن ، بعيدين عن أهلهم وأحبتهم، أتراهم يعرفون للعيد طعماً بلا أهل ولا أحباب؟!! ، ما أقسى أيام الغربة وما أقسى قسوتها عندما يدرك الغريب أن أغلال الغربة ستظل مقيدة لفرحته إلى أجل غير معلوم .

وهذا العيد جعلنا نتساءل ونتصفح ثنايا ذاكرتنا عن عدد الذين فارقونا ولجئوا إلى ديار الغربة مجبرين ، أما هربا من الحروب او لتجنب تداعيات الصراعات بين الأحزاب والعصابات التكفيرية التي احتلت بفترة ليست بالقليلة عدد من محافظاتنا العزيزة ، فمثل هذه الأحداث وغيرها من الأسباب هي التي أدت إلى الكثير من قرارات اللجوء والابتعاد عن أحضان الوطن وما فيه من حنين .

وها نحن اليوم ، نتذوق لوعة الفراق في أوطاننا محظورين حذرا او خوفا مهما تعددت الأسباب ، غربة عن أرض الوطن في الوطن ، فالغريب في القواميس من أبتعد عن أهله وأحبته ، وها نحن اليوم قد تجرعنا رشفة من هذا الكأس ، وكأن الله أراد أن يشعرنا بآلام أبنائنا وإخواننا ممن شردتهم الصراعات والحروب والاستهتار بحقوق الغير .

ونسأل أنفسنا هل سنتعظ ؟ وهل ستكون عبرة لمن أصاب البعض ألما اكبر من ألم الحظر والفراق ؟ ،الذين ينشطون في الأحزاب والذين يوقدون نار الحرب بينهم ، فيدفع أثمانها كل صغير وكبير ، فيلجئون لسياط الغربة هرباً من سياط الحرب التي تشعلها تلك الأحزاب مرة باسم الدين ومرة باسم المذهب ومرات بغيرها !!! .

الآن .. جاء العيد وزينا منازلنا وأعددنا حلوى العيد وحاولنا إدخال الفرح في نفوس أبنائنا بهدايا العيد البسيطة التي أعددناها لهم رغم ضيق الحال وتهديدات الدولة او عزوفها عن صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين بسبب الأزمة المالية التي تمر بها خزائن الدولة بعد ان أخواها الفاشلون والفاسدون التي حولت مئات المليارات من الدولارات إلى دخان او بخور يتعطر به أسيادهم .

ومن يعلم ، فلعل هذا الفيروس الذي جعلنا نتقطع بلا تواصل بين الحارة والحارة وبين العالم ، قد أرسله الله سبحانه وتعالى ليقرب القلوب والنفوس والنوايا بعضها مع بعض بعد الانشغال في ماديات الحياة وتفاه التي اوصلت الافراد والدول لحد القطيعة لأبسط الأمور ، ويا ليتها تكون إحدى العبر من دروس «زمن كورونا» المليء بالمجهولات ، ونتمنى أن يكون العيد القادم بلا كورونا مهما بلغت المغانم من هذا الفيروس اللئيم .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close