هل من أمل واقعي في إقامة دولة فلسطينية مستقلة؟

كاظم حبيب

إن المتابعة المستمرة لمسيرة القضية الفلسطينية منذ صدور قرار الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 الذي نص على ما يلي: “تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان العربية واليهودية، والحكم الخاص بمدينة القدس المبين في الجزء الثالث من هذه الخطة، وذلك بعد شهرين من إتمام جلاء القوات المسلحة التابعة للسلطة المنتدبة، على ألا يتأخر ذلك في أي حال عن 1 أكتوبر/تشرين الأول 1948. أما حدود الدولة العربية والدولة اليهودية ومدينة القدس فتكون كما وضعت في الجزأين الثاني والثالث أدناه”. (راجع: نص قرار تقسيم فلسطين 181 سنة 1947، موقع الجزيرة، 28/11/2016). خصص قرار التقسيم 55% من مساحة فلسطين لإقامة الدولة اليهودية، و45% منها لإقامة الدولة العربية.

رفض عرب فلسطين وحكومات الدول العربية وذات الأكثرية الإسلامية والقوى والأحزاب الإسلامية والقومية العربية والقوى المحافظة قرار الأمم المتحدة بإقامة الدولة الفلسطينية على الأرض المخصصة لعرب فلسطين، كما رفضت واعترضت على موقف الاتحاد السوفييتي في عام 1947 قرار التقسيم اليسار الفلسطيني وبعض قوى اليسار في الدول العربية. وفي عام 1948 وافق اليسار الفلسطيني على قرار التقسيم لإدراكه سعة وعمق المؤامرة المحاكة ضد عرب فلسطين مما دعاه إلى الاعتراف بقرار التقسيم، وأيدته وشاركته في ذلك القوى والأحزاب الشيوعية في الدول العربية.

نشأ هنا موقفان مختلفان: الأول، موقف النظم الحاكمة في الدول العربية والقوى الإسلامية السياسية والقوى القومية التي رفضت قرار التقسيم وأعلنت الحرب على يهود فلسطين بهدف الاحتفاظ بكل الأرض الفلسطينية. فكانت حرب عام 1948 التي شاركت فيها قوات عسكرية من عدد غير قليل من الدول العربية والتي انتهت بخسارة الحرب، وقيام الدولة الإسرائيلية، وامتناع عرب فلسطين عن إقامة دولتهم العربية على تلك النسبة من الأرض التي خصصت لهم. واستمرت حالة الحرب مع عدد من الدول العربية حتى الآن، وانتهت مع عدد متزايد منها، كما عقدت اتفاقيات سلام وتبادل دبلوماسي و (أو) تعاون متعدد الجوانب. فماذا حصل خلال فترة الـسبعة عقود المنصرمة في القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية التي اعتبرتها تلك الحكومات “قضيتها المركزية!”؟

أما الموقف الثاني فكان للشيوعيين والعديد من قوى اليسار في الدول العربية، ومنهم شيوعيو فلسطين، حيث رفضوا في عام 1947 قرار التقسيم وانتقدوا موقف الاتحاد السوفييتي في الموافقة على القرار. ولكنهم أدركوا في عام 1948 حجم المؤامرة على الشعب الفلسطيني، فحصلت الموافقة على التقسيم من جانب الشيوعيين في فلسطين ومن ثم في عدد متزايد من الأحزاب الشيوعية في الدول العربية. يشير حزب الشعب الفلسطيني إلى هذه الحقائق بما يلي: “عند الإعلان عن قرار التقسيم عام 1947 القاضي بتقسيم فلسطين لدولتين واحدة عربية وأخرى يهودية، وقف الحزب ضد قرار التقسيم بحزم منذ إعلانه، لكنه وبعد دراسة أبعاد ذلك وإدراكه للمخطط الصهيوني الذي كان يستهدف الاستيلاء على كل الأراضي الفلسطينية وأجزاء من الأراضي العربية، وسعي الحركة الصهيونية لتهجير أبناء شعبنا عن أراضيهم، أعلن الحزب عن موافقته على قرار التقسيم واصفاً إياه بأفضل الحلول السيئة، لكن الهيئة العربية العليا في ذلك الوقت رفضت هذا القرار، مما أعطى للحركة الصهيونية فرصة تاريخية لتنفيذ مخططها، الأمر الذي كرس الوجود الصهيوني على ارض فلسطين.” (راجع: حزب الشعب الفلسطيني، الموقع الرسمي، دولة فلسطين، منظمة التحرير الفلسطينية، موقع الحزب الإلكتروني).

وعن إعلان حرب الدول العربية في عام 1948 كتب القائد الشيوعي المعروف الرفيق نعيم الأشهب في مقال مهم له بهذا الصدد ما يلي: “لم يكن المجتمع الفلسطيني مهيأ، حينها، وﻻ قادرا على منع قيام إسرائيل، سواء بالسلاح أو بغيره. فلا سلاح وﻻ تدريب وﻻ قيادة مركزية. بينما في ميدان السياسة، تخلّت القيادة الفلسطينية، في تلك الظروف المصيرية، عن دورها، للنظام العربي التابع للاستعمار. يقابل ذلك، توفر جميع هذه العناصر، وبتفوق كاسح، لدى الطرف اﻵخر.” أما عن الطرف اليهودي والعربي بقواتهما المسلحة فكتب الأشهب بحق ما يلي: ” فعلى المستوى العسكري الحاسم استطاعت القيادة الصهيونية تجنيد عشرة بالمئة، رجالاً ونساءً، من سكان القطاع اليهودي الذي كان يعدّ، حينها، قرابة 65 ألفا، جميعهم يتقنون استعمال السلاح، ونواتهم المركزية ألوية تزيد عن العشرين ألف محارب، سبق لها أن شاركت في الحرب العالمية الثانية. أما الجيوش التي أرسلتها اﻷنظمة العربية، بزعم تحرير فلسطين، فإن مجموعها التي دخلت فلسطين، بعد 15 أيار 1948، بلغ 21 ألف و500 جندي، أي أن المعبأين تحت السلاح في الجانب اليهودي يعادلون ثلاثة أضعاف جميع الجيوش العربية التي دخلت فلسطين، هذا عدا الفارق النوعي في مستوى اتقان فنون الحرب العصرية، ولم يقتصر اﻷمر على انعدام التنسيق الحقيقي بين تلك الجيوش، بل حلّ مكان التنسيق التنافس العدائي، كما بدا جليا بين الجيشين المصري واﻷردني في الصراع على مناطق النفوذ في منطقتي الخليل وبيت لحم. أما الجيش العراقي، فلم يكن ضباطه يخفون أن ليست لديهم أوامر بالقتال (ماكو أوامر)، بينما الجيش اﻷردني يقوده الجنرال البريطاني جون كلوب، ومعروف دور النظام اﻷردني حينها في التآمر على القضية الفلسطينية، بينما كان جيش الملك فاروق المصري يقاتل بأسلحة فاسدة، كما تَكشَفَ ﻻحقا. واﻷدهى أن أول إجراء لهذه الجيوش، بعد دخولها اﻷرض الفلسطينية، كان مصادرة أسلحة الفلسطينيين المتواضعة وحرمانهم حتى من أي نشاط سياسي، بدعوى أن ذلك يعرقل عمل هذه الجيوش في تحرير فلسطين!”. (راجع: نعيم الأشهب، ما سرّ اجترار اﻹفتراءات على تاريخ الشيوعيين الفلسطينيين؟

فماذا كانت حصيلة مواقف حكومات الدول العربية وقوى الإسلامي السياسي والقوى القومية اليمينية والرجعية إزاء قرار التقسيم والأرض والدولة الفلسطينية العربية، وهي التي تحدثت أن فضية فلسطين هي قضيتها “المركزية”؟

1) تقلصت مساحة الأرض المخصصة لعرب فلسطين من 45% إلى حوالي 22% فقط في الوقت الحاضر من إجمالي مساحة فلسطين قبل التقسيم عام 1947، في حين أصبحت إسرائيل تسيطر عل 55% زائداً 23% من الأراض الفلسطينية التي احتلتها بعد حرب عام 1967 والتي كانت ضمن حصة الدولة العربية، وبهذا أصبحت إسرائيل تسيطر على 78% من أرض فلسطين قبل التقسيم.

2) ثم تقلصت مساحة الضفة الغربية عملياً ببناء مستعمرات يهودية فيها على مساحة 23% من أراضي الضفة الغربية والتي يريد البيت الأبيض ورئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو اعتبارها جزءاً من أرض دولة إسرائيل، علماً بأن إسرائيل مستمرة ببناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

3) لم تعد القدس تحت الإدارة الفلسطينية منذ عام 1967، وبعد نقل سفارة الولايات المتحدة فعلاً من تل أبيب إلى القدس، واعتبرت الآن جزءاً من الدولة الإسرائيلية!

لم تعترف الأمم المتحدة بالمناطق المحتلة منذ عام 1967 ولا باحتلال القدس أو اعتبارها مدينة إسرائيلية حتى الآن، إلا إن الواقع على الأرض يقول ويفرض شيئاً آخر.

4) لم تعد منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنوات موحدة، وهي غير قادرة على تنفيذ قرار إقامة الدولة الفلسطينية ما لم توافق إسرائيل على ذلك أولاً، ومن ثم موافقة الولايات المتحدة الأمريكية والدول المؤيدة لها، ثم مجلس الأمن الدولي أخيراً. وهذا لن يحصل لأن إسرائيل لا تريد لمثل هذه الدولة أن تقوم.

5) لم تعد الجامعة العربية ولا الدول العربية والدول ذات الأكثرية الإسلامية دون استثناء مهتمة بالقضية الفلسطينية وليست قراراتها واعتبارها قضية مركزية سوى حشو كلام فارغ وقاتل، وليس سوى عربة فارغة كثيرة الجعجعة.

6) الشعوب العربية والقوى الديمقراطية التي رأت غير ما تراه الحكومات العربية وغيرها مغلوب على أمرها وعاجزة عن تغيير دفة السفينة في بلدانها بسبب وجود نظم سياسية مستبدة ورجعية وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط.

لماذا حصل كل هذا طيلة العقود المنصرمة؟ سأحاول تكثيف رؤيتي في الإجابة عن هذا السؤال.

** فَشَلَ الفلسطينيون في الاحتفاظ بقرار مستقل حول إقامة الدولة الفلسطينية بأيديهم مباشرة، بل فوضوه عملياً وتركوه لعبة للمزايدة بأي القوى الإسلامية والقومية العربية اليمينية الكاذبة، وكذلك بأيدي حكومات الدول العربية وذات الأكثرية المسلمة التي كانت مستبدة، ومتآمرة ومتصارعة وتابعة ورجعية في آن.

** فَشَلَ الفلسطينيون، ومعهم كل العرب والمسلمين، الذين رفضوا قرار التقسيم وحملوا شعار “رمي اليهود وإسرائيل بالبحر”، بإقامة الدولة العربية على وفق قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة على الأرض الفلسطينية، في حين فسحوا في المجال بسياساتهم المساومة والمراوغة والمزاودة الخرقاء، بتعزيز دولة إسرائيل وتوسعها على الأرض من جهة، وتقليص مساحة الأرض العربية في فلسطين من جهة ثانية.

** لعبت هذه الحكومات والقوى دورا قذراً في تفتيت وحدة الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية والديمقراطية، ومن ثم تفتيت وحدة منظمة التحرير الفلسطينية، بتبنيها السياسي لهذا الطرف السياسي ضد الطرف السياسي الآخر، كما حصل في مواقف نظامي الحكم البعثي في كل من سوريا والعراق، وكذلك الحكم السعودي وفي مصر والأردن ودول لخليج وبقية الدول العربية، ودفعها باتجاهات عبثية زاد من شلل الشعب الفلسطيني ومنظمته وعجزهما عن إيجاد لغة مشتركة فيما بينها وعن إدارة عقلانية لدفة الصراع مع إسرائيل على الصعد المحلية والقومية والدولية.

** ولعب الفساد والإفساد المالي لحكومات الدول العربية وذات الأكثرية المسلمة، لاسيما إيران، وغيرها دوراً مدمراً في عملية الفساد السائد الذي تعاني منه منظمة التحرير الفلسطينية والأجهزة الإدارية والعسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة الخاضع لحماس بسياساتها الانفصالية المتطرفة، وهي جزء من حركة الإخوان المسلمين الإرهابية. كما تلعب إيران منذ عدة عقود دوراً سيئاً جداً يساهم في تعميق شقة الخلاف والصراع بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية.

** ثم لعبت السياسات الدولية والإقليمية وما تزال من جهة، والفساد والإفساد المالي الدولي وتقديم المساعدات المالية ودعم استمرار وجود نظم حكم رجعية واستبدادية من جهة ثانية، دوراً كبيراً جداً في تعميق التمزق في الموقف من القضية الفلسطينية في الجبهة العربية أو جبهة الدول العربية وذات الأكثرية المسلمة، بحيث لم تعد قضية فلسطين مركزية بالنسبة لهذه الدول أو القوى والأحزاب الإسلامية والقومية إلا غطاءً مهلهلاً ودعاية كاذبة ورخيصة، كما في الضجيج الدعائي الجاري للدولة الإيرانية، والذي يعتبره البعض “أكثر صدقاً!” من مواقف العرب.

** لم يعد في مقدور منظمة التحرير الفلسطينية المفككة والمتصارعة ولا في استطاعة محمود عباس (أبو مازن) غير توجيه التهديدات الكلامية وقرارات يصدرها على الورق، وهي غير قابلة للتنفيذ، يطلقها بين فترة وأخرى، ولا من سميع أو مجيب له، مما أضعف قدرتهما على الإقناع ومصداقيتها أمام الشعب الفلسطيني وشعوب الدول العربية والرأي العام العالمي.

** ونتيجة للأوضاع والعوامل الداخلية والإقليمية والدولية اعترفت بعض الدول العربية بإسرائيل وتبادل معها السفارات والسفراء أولاً، ولكن عدد الدول الذي يتعامل مع إسرائيل ثقافياً وأمنياً واقتصادياً قد ارتفع كثيرا وتجاوز كل محذور سابق بما في ذلك الحكم السعودي الأكثر صراخاً وضجيجاً كاذباً بين الدول العربية في ادعاء تأييده لنضال الشعب الفلسطيني، إنها جعجعة بلا طحين أيضا!

كتب نعيم الأشهب في المقال ذاته يقول: “وبينما ينهمك من يجترون الافتراءات على تاريخ الشيوعيين الفلسطينيين، حتى لم يبق إﻻّ أن يصرخوا بأنه لوﻻ قبول الشيوعيين الفلسطينيين بقرار التقسيم، لما قامت إسرائيل وﻻ وقعت النكبة، يغمضون عيونهم المصابة بعمى اﻷلوان عن دور الرجعية العربية في النكبة الفلسطينية، واستمرارها دون توقف يوما واحدا عن مواصلة التآمر على هذه القضية. وإذا كانت هذه الرجعية قد غلّفت دورها في التآمر على هذه القضية، مع اﻹمبريالية والصهاينة، في العام ١٩٤٨ بشعارات المزاودة (التحرير الكامل!)، فإنها اليوم، بقيادة حكام السعودية، تنتقل من المزاودة الى المناقصة، والاستعداد الكامل للتفريط بالقضية الوطنية الفلسطينية، في لهاثها المحموم للتحالف مع إسرائيل ضد محور المقاومة في المنطقة.” ثم يشير في مكان آخر فيقول: “وعلى أي حال، فكل من يعتقد أن قيام إسرائيل كان رهنا بقرار اﻷمم المتحدة فهو يجهل ما تحقق على أرض الواقع منذ وعد بلفور وحتى نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين. فإسرائيل كانت مكتملة التكوين في رحم الانتداب البريطاني لدى نهايته، ولم يكن قرار اﻷمم المتحدة إﻻّ شهادة ميلادها. ولم يكن ﻻ الوضع الفلسطيني وﻻ العربي وﻻ الدولي مهيأ ﻹجهاض هذه الوﻻدة. بمعنى آخر، سواء صدر قرار التقسيم أم لم يصدر، وصوت الاتحاد السوفياتي لصالح ذلك القرار أم ﻻ، كانت دولة إسرائيل ستقوم حينها، وفق خطة صهيونية – امبريالية أنجلو- أميركية، وبتواطؤ مع الرجعية العربية”. (راجع: المصدر السابق ذاته).

إن أمامي من الوقائع والحقائق على الأرض ما يشير إلى أن شعب فلسطين ابتعد كثيراً جداً عن إقامة دولته الوطنية الفلسطينية المستقلة ليس بإرادته ورغبته الصادقتين، بل بسبب السياسات الجارية في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط والعالم منذ سبعين عاماً، إضافة إلى خلافات وفشل منظمة التحرير الفلسطينية. وإذا ما قامت هذه الدولة، فسوف لن تكون قابلة للحياة عملياً، بسبب الشروط الإسرائيلية والدولية التي يراد فرضها عليها. ولهذا يطرح السؤال التالي: هل يمكن تصور إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أرض لا تزيد مساحتها عن 15% من أرض فلسطين قبل التقسيم حقيقة وواقعاً ممكن التحقيق أم أنه وهم زائف؟ وهل يكون الأفضل للشعب الفلسطيني أن تكون هناك دولة واحدة على الأرض الفلسطينية حيث يعيش العرب، من مسلمين ومسيحيين، واليهود سوية؟ فهل هذا هو الحل الأسلم بالارتباط مع العامل الديمغرافي وتزايد نسب النمو السنوية المعروفة للسكان الفلسطينيين…الخ.

كنت دوماً أتمنى أن أرى دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة قائمة على ارض فلسطين بعد أن صدر قرار التقسيم، دون خوض الحرب غير ذات جدوى، وبجوار دولة إسرائيل. ولكن هل يمكن يا ترى إقامة دولة مستقلة قابلة للحياة على 15%

أو أقل من الأرض الفلسطينية، أم إنها ستكون دولة بلا استقلال ولا سيادة ولا قدرة على الحركة إلا من خلال إسرائيل. هل مثل هذه الدولة يمكن أن تسمى دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة؟ لا أعتقد ذلكَ!

كتب عن هذا الموضوع كثير من الشيوعيين والديمقراطيين منذ عقود، ومنهم بشكل خاص أميل توما وأميل حبيبي والشاعر الفلسطيني الكبير والفقيد محمود درويش، إضافة إلى كتابات قادة حزب الشعب الفلسطيني. (راجع: د. ماهر الشريف، إميل توما والحل الديمقراطي للقضية الفلسطينية 1944-1947، موقع حزب الشعب الفلسطيني، 21/11/2019).

لهذا أرى مجدداً أن يبدأ الشعب الفلسطيني، بعد كل الذي جرى، التفكير الواقعي الجاد والموضوعي بكل الخيارات المتوفرة، وأن يدرس موضوع الدولتين أو الدولة الواحدة على أرض فلسطين-إسرائيل الحاليتين، فإسرائيل سائرة إلى ابتلاع فلسطين كاملة، سواء وافق الفلسطينيون أم رفضوا! وغالبية الدول العربية مشاركة في الدفع بهذا الاتجاه، إن لم نقل كلها، والسؤال الذي يواجه الجميع في الواقع هو: ما العمل؟ إنه السؤال الذي يجب أن يشغل بال الفلسطينيين قبل غيرهم، وأن يأخذوا قضيتهم بأيديهم بعد أن بقيت لعبة بأيدي النظم والقوى العربية المستبدة والفاسدة. فسياسة نتنياهو وكل القوى اليمينية واليمينية المتطرفة في إسرائيل تسير على نهج قومي يميني متطرف (صهيوني) ثابت وواضح، وبالكاد تتحرك بعض دول العالم لتعلن شكلياً، (دول الاتحاد الأوروبي أو تصريحات أمين عام الأمم المتحدة)، إنها ضد هذا الإجراء أو ذاك، ولكن دون وجود حركة وفعل عمليين وصادقين ضد تنفيذ هذا النهج الأمريكي-الإسرائيلي. بل هناك من المؤشرات ما يؤكد ممارسة سياسات فعلية تساعد، بهذا الشكل أو ذاك، تسريع عملية تنفيذه. فهل ينبغي أن يُبتلع كل ما تبقى من فلسطين، أم أن يكون الشعب الفلسطيني جزءاً من حل يسهم في جعله نِداً للشعب اليهودي من منطلق حقوق القوميات وحقوق الإنسان والمواطنة الموحدة والمتساوية على وفق لوائح الأمم المتحدة ولائحة وشرعة حقوق الإنسان العالمية في الدولة الموحدة؟ أطرح هذه المسألة مجدداً للنقاش لأني عشت، كمواطن عربي ديمقراطي وتقدمي، هذه المأساة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن، والتي تعذب ضمير الإنسان النبيل ويتحرى عن حلول تنقذ الشعب الفلسطيني من التمزق والقتل اليومي والحصار والاضطهاد والاحتلال الظالم، في حين إنها أقدم بكثير وتبدأ منذ وعد بلفور 1917 وفي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين وفي فترة الحرب العالمية الثانية.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close