البطل الكاظمي .. بمواجهة أبطال ” الفتنة”!

البطل الكاظمي .. بمواجهة أبطال ” الفتنة”!

بقلم : محمد الصافي

اقرأ ما كتب الكاتب المعروف كنعان مكية في كتابه ” هوامش على كتاب الفتنة”، الصفحة 23 :- ( هل كان من الممكن أن يحدث غير الذي حدث في العراق بعد 2003؟ … الجواب هو نعم، لم تكن هناك أيّة حتمية لانزلاق العراق إلى هذا الحد من الوحشية … الأمل، كوقفة سياسية، و الافتراض المسبق أن على كل ناشط سياسي أن ينطلق من أحسن ما في الطبيعة البشرية، كان دوماً نشاطي السياسي. و هكذا قيل عني… ” كنعان… يمثل انتصار الأمل على الواقع”. وهذا صحيح، لكوني دائماً أرى ضرورة بناء الأفكار و التحليلات السياسية على أحسن ما في الطبيعة البشرية، متغاضياً عن سيئاتهم، و كم من مرةٍ أخطأت في اختيار اصدقائي للسبب نفسه .قبل، ولفترةٍ قصيرة بعد 2003، تجرأتُ و آمنت بأن ما لا يمكن تخيله قبل 2003- الديمقراطية في العراق- كان ممكناً بعد 2003. في هذا أنا مُذنِب، و سأبقى مذنباً إلى نهاية حياتي.

ولكن، من المنطلق نفسه، أنا لست مذنباً أكثر من أولئك الشباب الشجعان الناشطين الذين خرجوا في تونس والقاهرة والبحرين ودمشق عام 2011، و الذين أيضاً آمنوا بإمكانية قيام أنظمة أكثر ديمقراطيةً من تلك التي عانوا منها لعقودٍ. الفرق الوحيد بيني و بينهم أن الكثير منهم بقوا في بلدانهم و ضحوا بحياتهم لما كانوا يؤمنون به ، بينما أنا رجعتُ أقيم مجدداً في أكبر ملجأ للعرب اليوم في العالم: بلدان الغرب و أمريكا. هذا فرقٌ كبير بكل تأكيد و لكن ليس فرقاً سياسيا.

اثنان بقيا في العراق: صديقي عمار الشابندر ‘ الذي قُتل بسيارة مفخخة في اليوم الثاني من آيار 2015 ، في حي الكرادة في بغداد. وصديقي الآخر مصطفى الكاظمي، و الذي كنت على الدوام متيقناً بأني سأهدي كتاب ” الفتنة” له. صحفيان بارعان، ولكن ما ميزهما هو إنسانيتهما، شيء في الخلق الذي يصعب عليّ وصفه. في عملهما غطيا بشاعة الحروب و إساءة الإنسان لأخيه الإنسان، رأيا القسوة بالعين ولم يتخاذلا، و قاما بذلك يوماً بعد يوم، داخلين في أعماق العراقيين رجالاً و نساءً… بينما معظم الآخرين كانوا مهتمين بمصالحهم فقط… مصطفى من القلائل الباقين الذين ما زالوا يمنحون لكلمة ” الوطني” … صِدْقَ ما المفروض أن تعنيه…إننا مسؤولون تجاه القتلى من أمثال عمّار و مئات الآلاف مثله، مسؤولون تجاه الأحياء من أمثال مصطفى الذين ما زالوا يؤمنون او يرفضون مغادرة الصفوف الأمامية من الصراعات المستمرة لبناء عراقٍ أفضل).

لقد أضفى الكاتب مكية على صديقه الكاظمي صفات البطل التراجيدي . فالبطل التراجيدي انسان جاد ونبيل، وإن لم يكن ليس مكتمل الصفات بطبعه البشري، ولكن الأنظار تتوجه اليه بوصفه العنصر الفاعل في توجيه الصراع،و بكونه البطل المتفوق الذي يواجه قوى كبرى تحاول أن تصرعه. والذي هو في العادة يصنع بطولات نادرة ، باعتباره في حلبة الصراع بطلاً ثورياً تقدمياً يكافح، ليس من أجل ذاته الخاصة فحسب، بل لتغيير شروط حياة اجتماعية جائرة، كونه يتميز بحسٍّ مرهفٍ نبيل مع إدراكٍ فكري صحيح. لأنَّ قراره ينبع من الداخل ( الضمير و البصيرة و الحكمة)أكثر منه إلى الخارج ( الانتماء السياسي أو مهارة فن الممكن في موقع المعارضة أو موقع الحكم ) . وكذلك لأنَّ البطل يرفض المساومات والحلول الوسط التي تتناقض تناقضاً جوهرياً مع المبدأ و الادعاء و جوهر الرسالة التي أكتسب صفة البطولة لطول تمسكه بثوابت مبادئ الخير ، و لأنه يستمر في سعيه المثابر للانتصار على ( قوى الشر و الفساد و الطغيان) ، ولو على حساب حياته.

وقبل أن ننتقل للحديث عن مفاجأة القدر في نقل المصارع في الحلبة الى مقصورة الحاكم، من حيث لا يحتسب، نعرج قليلاً على رواية ” الفتنة” التي كتبها مكية و الحقها بكتاب ” هوامش على رواية الفتنة”. في هذه الرواية الضخمة يرصد الكاتب ( المفكر) جوانب من المؤامرات والدسائس والفساد المستشري، كما يصور كيفية التخلي عن فكرة بناء الدولة لصالح بناء عصابات طائفية. و على نحوٍ بالغ الوضوح فيما يخص” الشيعة”. بالإمكان توصيف رواية “الفتنة” بأنها هجاء سياسي بامتياز، هجاء الممارسات الشائنة باسم الوطن، و التي تحمل في حقيقتها إساءة كبرى للوطن نفسه، وهجاء أولئك الذين انغمسوا في لعبة الفساد وساهموا بدفع عجلة التدمير قُدُماً إلى الأمام و مهدوا الأرضية الحاضنة له، كما أنها هجاء الذات قبل الآخر.

و فيما كان الكاتب المفكر السياسي كنعان مكية يمعن في هجاء و نقد السلطة الشيعية الشنيعة و يشهر سيفه البتار بوجه التنين الشيعي الذي يظهر بألف رأس و رأس، في وقفة نزاهة و بطولة وفداء نادرة ، كان يقف على يمنه و شماله شريكاه عمار الشابندر و مصطفى الكاظمي، و أحدهما قضى نحبه محتسباً و الآخر قضى له القدر أن يركب على ظهر هذا التنين ممسكاً بأزمته. رئيساً لمجلس وزراء الحكومة، التي وقف هو وصاحبيه وقفتهم البطولية التراجيدية ازاءها.

هل كان مكية يتوقع مثل هذه النقلة؟. يقول مكية في كتاب الهوامش هذه العبارة :- ”

من حيث المبدأ، أهم التغيرات في عالم السياسة لا يمكن توقعها “.

و الآن وقد وقع ما ليس بالحسبان، وصار صديقه صاحب الصولجان نقول له ” هذا الميدان يا كنعان”.. ما أنت فاعل؟! . عندك “خزان الأفكار” لتمد نسغ عقل صاحبك لاتخاذ القرار . اذهب أنت وصاحبك فقاتلا، لا تأخذكم في الحق لومة لائم ” كأصحاب بطولة تراجيدية و قررا للتشيع و العراق كمقاتلين مستميتين” . إنا هاهنا قاعدون ننظر ما تفعلان!

و الآن هل يمكننا أن نتوقع ما يقرره الأستاذ الكاظمي ،المثقف المتنزه، و ظهيره المفكر مكية ؟

لا يسعنا إلا أن نستعير نفس هامش مكية أعلاه، -” من حيث المبدأ، أهم التغيرات في عالم السياسة لا يمكن توقعها”… سبحان الله الذي كتب أن يداول الأيام بين الناس !.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close