الطب والشعر / تنويمة الجواهري

د. حسن كاظم محمد

النوم من منظور الطب

لنضع جانباً دراسة النوم من الناحية الفسيولوجية المعقدة والكيمياء الحيوية المرتبطة به والتجارب والبحوث الكثيرة التي نُشرت بصدده، ونركّـز على الناحية العمليّة منه باعتباره غريزة بشرية ضرورية إلى الخليقة جمعاء، وهو الغذاء الكامل إلى الدماغ وتنشيط الذاكرة. النوم يجب أن يكون معتدلاً وبحدود الثماني ساعات يومياً لمتوسطي العمر، أمّا الأطفال فهم بحاجه إلى ساعات أكثر. وبصورةٍ عامة فإن المقولة المتفق عليها “إن ثلث العمر نوماً” لا تزال فاعلة.

إن المشكلة التي تواجه الطب والتي أشغلته سنين طويلة وصدرت عنها الكثير من البحوث الرصينة هي الأضرار الناتجة من قلة النوم ومنها أغلب حوادث السير، قلة المناعة، داء السكّر، اضطرابات القلب، اضطراب الجهاز الهضمي والتناسلي، واختلال الذاكرة بجميع درجاتها كالزهايمر. كل ذلك ثبت علمياً بأنّ له علاقة مباشرة بقلة النوم.

والرسالة التي يقدمها الطب للبشرية هي رفع الألم عن الجسم كلياً مع الاحتفاظ بالروح ما يُدعى بالتخدير العام أو التخدير الموضعي لحين الانتهاء من العمل الجراحي. وما تقدّم علم الجراحة إلا بتقدم علم التخدير بكافة أنواعه، ويُعتبر بمثابة الموت المؤقت واصطُـلح عليه التنويمة التخديرية.

تنويمة الجواهري

أتُّخذَ النوم في الموروث السياسي الشعبي ككناية عن الخنوع والسكوت على الظلم الذي تتعرض له الشعوب من قبل الحكام الطغاة والظالمين. ولا عجب أن ينعكس ذلك في النتاج الأدبي للشعوب. وبهذا نرى الشاعر معروف الرصافي يقول ساخراً: ناموا ولا تستيقظوا، ما فاز إلّا النوّم. أما الشاعر الكبير المرحوم محمد مهدي الجواهري فقد عبّر عن ذلك أجمل تعبير بتنويمته الناقدة والساخرة من الحكام والمعروفة بتنويمة الجياع:

نامي جياع الشعب نامي، حرستك آلهةُ الطعامِ

نامي فـإن لـم تَشبـعـي، من يقظةٍ فمن المنامِ

نامي على نغم البَعوض، كأنّه سـجـعُ الـحمامِ

منظور الشاعر عمر الخيام للنوم

أما خيال الشاعر والطبيب الشيخ عمر الخيام وتصوره للنوم فهو ألّا يكون إسرافاً داعياً الإنسان للتأمل والحيوية والتجدد وإلى التمتّع بجمال الطبيعة والموسيقى والوتر والسحر قبل الموت معتبراً أنه متى كان الأنسان منتجا فهو حياً والعكس ميتاً. وردتْ هذه الأفكار برباعياته المشهورة المترجمة من قبل الشاعر أحمد رامي والمغناة من كوكب الشرق السيّدة أمّ كلثوم:

أفقْ خفيف الظلِّ هذا السحرْ، نادى دع النوم وناغِ الوترْ

فما أطال النومُ عمراً، ولا قصّر في الأعمار طولُ السهرْ

علماً بأن زيادة النوم عن حاجته الطبيعية لا فائدة منها وقد تعتبر حالة مَرضيّة.

تنويمة الأم

المشهد الأخير في مقالنا والذي جلب انتباهي مباشرةً أو نقلاً عن مشاهدين هو عند قدوم المولود الجديد للحياة، فتعويضاً عن تعبه تأخذه نومة لا تتجاوز الدقيقة الواحدة بشبه غيبوبة، ويستيقظ بعدها مرتاحاً هادئاً. وهذه اللمحة يجب أن نُخبر الأم بها لتجنب قلقها على المولود ونطمئنها على صحته الجيدة. بعدها تبدأ الأم الحنون بواجبها بتحضير كل ما يحتاجه من الرضاعة والدفء حيث تضعه بجنبها في مهده المريح وتبدأ بأغنيتها المألوفة في الموروث الشعبي بترنيمة موسيقية مع حركة المهد المتناسقة المستمرة لحين أن ينام نومته المريحة وأتذكرها:

دِلِل اللول يوليدي دِلِل اللول، عدوّك عليل وساكنِ الچول

دِنام يولـيدي وآني ألوليـلـك، والعافية امن الله تِجيلك

وأخيرا تبقى تنويمة ألأم حقيقة ثابتة مملوءة بالمحبة والحنان مدى العصور.

الأبوذيّة:

ما صدِّگ شعب نام اعلَ ظُلمه

ولا جوعان نـام بليـله ظَـلمه

ما ينسه الطفل نومه إبظل مّه

تِرضْعنّه تهفّيله وتغنّيله بهْدَيّة

وإلى اللقاء

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close