امنحوا الكاظمي الفرصة لتنفيذ الاصلاحات

امنحوا الكاظمي الفرصة لتنفيذ الاصلاحات

علمنا الاسلام بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. لذا فان تحقيق المطالب للوصول الى أهداف نبيلة لا بد ان تمر عبر محطات كثيرة تعتريها فتن عصيبة تحتاج من اي قوم إلى صبر وتروي وثقة بالمصلح. فقد مر رسول الله رغم أنه لا ينطق عن الهوى ومسدد من الله ومستجاب الدعوة وخير البشر بضروف مليئة بالفتن والحروب فقد أصيب بجروح خطيرة في معركة احد. كما ترك وحيدا مع قلة قليلة من اصحابه لمواجهة الاعداء في حنين بعد فتح مكة. اما في الحديبية فقد كان رسول الله ينتظر الفرصة السانحة للصلح مع قريش. لقد اختار الصلح رغم اعتراض صحابته عليه لان ظاهر مواده مذل. هكذا وبعد الصلح اضحت أجواء السلام سببا لاعتناق الكثير من القبائل الاسلام ومصدر قوة ادى إلى تحرير مكة.
من جهة اخرى فإن سهيل بن عمرو الذي وقع الصلح نيابة عن مشركي قريش هو نفسه اسلم وكان له موقف تاريخي لتشجيع أهل مكة للبقاء على الايمان بعد وفاة رسول الله. حيث قال كلمته المشهورة لثنيهم عن الردة بالقول يا أهل مكة لا تكونوا أول من أرتد بعد أن كنتم آخر من اسلم. كما ان السحرة ساوموا فرعون للفوز بمراكز مهمة لديه لكنهم عندما عرفوا الحق ضحوا بحياتهم من اجله. كذلك الحال لحبيب النجار الذي كان مشركا وذكرت قصته في سورة بس إذ ضحى بنفسه لنصرة رسل الحق.
علينا نحن العراقيين أن تستوعب هذه الدروس ونحكم على الأشخاص من خلال عملهم وقولهم اليوم ولا نعير اهمية كبيرة للماضي. فالمسيء قد يتوب وتكون عاقبته خير كما قرأنا انفا. إن ما يهم العراقيين اليوم تعهدات واعمال الكاظمي لمحاربة الفساد وحل المليشيات وعودة نفوذ الدولة. لا ينبغي الالتفات إلى ماضي الرجل سواء كان مع العملية السياسية ودستورها البائس او كان من ضمن جوقة الاحتلال. لننظر إلى عمله اليوم.
فمن المعلوم أن اذناب الاحتلال بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 قاموا باهلاك الحرث والنسل وتمزيق نسيجه الاجتماعي وسرق ثرواته وقتل وتهجير واعتقال الوطنيين من شعبه. لقد مر شعبنا منذ ذلك التاريخ بايام عجاف وظروف عصيبة. فقد سلم الامريكان زمام الامور لرؤساء وزراء عراقيين طائفيين متعصبين تكفيريين كابراهيم الجعفري ونوري المالكي وعادل عبدالمهدي. أنهم رؤوس الخيانة للوطن والشعب إذ قتلوا العباد ودمروا البلاد ولم يخدموا الا أمريكا وإيران ومصالحهم الانانية الشخصية. بعد ان وقعت الواقعة شئنا ام ابينا واحتل العراق ووقع الفاس بالرأس. ينبغي أن نعلم الآن بأن مقاومة الاحتلال العسكرية في ظل التمزق الاجتماعي والطائفي والوضع الاقتصادي الكارثي باتت عصيبة ولن تؤدي الا إلى عملقة الهيمنة الايرانية أو غيرها. يمكن أن نصل إلى بر الامان عبر بدائل سلمية للوصول إلى طريق الحرية والاستقلال الحقيقي. يجب سلوك طرق غير عنيفة مشفوعة بالحكمة والصبر وبعد النظر لتجنيب العراقيين المزيد من التدهور.
جاء مصطفى الكاظمي في ظروف عسيرة بعد تجذر الظلم والطائفية وبعد أن اضحت اراضي العراق منطقة ملتهبة لتصفية حسابات دموية بين الدول الاجنبية واضحى حقل تجارب للتعرف على فعالية الأسلحة الغربية التي حصدت دماء واموال واقتصاد العراقيين. رشح الكاظمي لاستلام السلطة رغم انف الكتل السياسية ومليشياتها وخياراتها بعد أن أصبحت يتيمة بعد الانطواء الايراني على نفسه. إذ تعاني ايران من حصار أمريكي قاسي ومن تاكل الطبقة السياسية الحاكمة منذ أكثر من أربعة عقود. جاء الكاظمي في ظروف اقتصادية صعبة بسبب انهيار أسعار النفط ووضع اجتماعي عسير بسبب كورونا. لكن هذه الظروف رغم قساوتها قد تفسح المجال للعراقيين بالاعتماد على النفس لقيادة نهضتهم. ان ما يتمنونه من أهداف مثالية ومبادى مشروعة يمكن تحقيقها والوصول إليها عبر طرق ومسالك أخرى لان الشعارات التعجيزية والمعارضة اللامسؤلة التي ترفض كل شئ لا تغني من الحق شيئا. كما أن اي اصلاح في أي مكان في العالم لا يمكن ان يتم دفعة واحدة لان عصر المعجزات انتهى وخلق الاشياء بكلمة كن فيكون لا يملكها احد غير الله.
على العراقيين اليوم معالجة الظروف القاسية التي ستعصف باقتصاد البلد تماما وذلك بالاخذ بنظر الاعتبار التجربة النبوية. لذا فإن الأولوية في العراق هي الحفاظ على حياة الناس وإيقاف الانهيار المجتمعي ومحاربة السراق الكبار. ان محاربة هذه المفاسد المتعددة لا يمكن انجازها ما لم توضع اديولوجيات الإسلاميين والقوميين واليساريين والليبراليين جانبا. لا تهمنا اليوم اديولوجية الكاظمي أو مذهبه أو ماضيه إنما يهمنا فيه ما بفعله من اصلاح ومحاربة للفاسدين من جهة وبناء عراق حر مستقل من جهة اخرى.
لقد كان الوطنيين الاحرار ولا يزالون ضد الغزو الأمريكي واذنابه الطائفيين الشعوبيين وضد الفاسدين والمفسدين لكن لكل مقام مقال ولكل حدث حديث. أن تحقيق هذه الغابات النبيلة بحاجة إلى معرفة الظروف الدولية والاقليمية والداخلية. فقد تغلغل الاعداء في الداخل العراقي وان وجود الطابور الخامس المدعوم من أمريكا أو ايران لا يمكن الاستهانة به والقضاء عليه كما نريد ونطمح. على العراقيين في هذه الظروف القاسية التزام التأني والحكمة والذكاء والفطنة. لأن امكانية تحقيق بعض المطالب الحياتية من قبل رئيس الوزراء وان كانت جزئية خير من الاستمرار في مطالب مثالية لن تزيد الاوضاع الا تدهورا. كما ان البدء في انقاذ مصير الفقراء والمعدمين وايجاد فرص عمل وبدأ الشروع في التنمية الشاملة الزراعية والصناعية خير من المطالب الاعلامية بطرد الاحتلال الأمريكي والعنتريات الفارغة التي لا تشبع جائع ولا توفر عمل ولا تأوي مشرد.
الدكتور نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close