اسلاميي وعلمانيي العراق يعيد الوطن إلى التعصب والتخلف

لقد عالج القران الكريم خطر النفاق بالتفصيل مقارنة بمعالجة اخطار الكفار والمشركين والملحدين. فقد تحدثت معظم سور القران الكريم عن خطر هذه الظاهرة لا سيما البقرة وال عمران والنساء والاعراف والتوبة والاسراء والاحزاب والمنافقون والجمعة وغيرها. كما إن عذاب وعقاب المنافقين عند الله اسوء بكثير من عقاب غير المؤمنين به. إن مصير الفريق الاول في الدرك الاسفل من النار. لقد وصف رسول الله اهم مواصفات المنافقين عندما قال “ايات المنافق أربع اذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا ائتمن خان واذا خاصم فجر”.
لقد كانت تلك الايات الاربع هي من الصفات الاساسية التي عايشناها لاغلب الاسلاميين المعارضين للنظام العراقي السابق. فقد كانوا يمارسون التقية على أوسع نطاق حتى مع الذين يعملون معهم في نفس الخندق. إن تعاطي التقية في مثل هذه الحالات هي النفاق بعينه. كان أغلبهم يعارض النظام العراقي السابق صوريا لكنه مرتبط بمخابراته أو المخابرات الايرانية أو الاثنين معا. لم يكن للشأن العراقي عندهم اية اهمية سوى التطلع لسرقة ثروات العراق. لقد ظهرت اهدافهم واضحة بعد استحواذهم على الحكم بفضل سادتهم الامريكان الذين سلموهم مقدرات العراق اثر غزوه عام 2003. أنهم لم يعارضوا صدام لدكتاتوريته أو لظلمه العراقيين. إنما لانه كان حائلا بينهم وبين السيطرة على ثروات العراق. لعل أفضل وصف لهم قاله الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل عندما قال بأن مثلهم كمثل عصابة استولت على بنك كبير.
هذه الخواص الاجتماعية الذميمة لخصها ابن خلدون بمقولة تحاكي وضع العراق اليوم تحت قيادة هؤلاء المنافقين الذين سماهم السفلة او السفهاء إذ يقول ” لا تولوا أبناء السفلة والسفهاء قيادة الجنود ومناصب القضاء وشؤون العامة. لأنهم اذا اصبحوا من ذوي المناصب اجتهدوا في ظلم الابرياء وأبناء الشرفاء واذلالهم بشكل متعمد. نظرا لشعورهم المستمر بعقدة النقص والدونية التي تلازمهم وترفض مغادرة نفوسهم”. نعم لقد ارتكبت مليشيات السفهاء الحكومية في العراق جرائم تطهير طائفي يندى لها الجبين لشرائح وطنية محترمة عزيزة شريفة فاضلة في معظم محافظات العراق فاتهموهم بالارهاب ورموهم بالمعتقلات وقتلوهم وهجروهم وابتزوا اموالهم وهتكوا اعراضهم.
إن صفة النفاق والدونية وتغيير الولاءات حسب المصالح الدنيوية صفات لا يمتاز بها اسلاميو اليوم فقط. إنما هناك الكثير من الاحزاب التي كانت تسمي نفسها علمانية قومية تقدمية ماركسية ماوية ترفع شعارات ضد اسرائيل والامبريالية العالمية والغرب الراسمالي. لقد كانت الاحزاب اليسارية في العراق والمنطقة بكل توجهاتها ترفع شعارات تدعو لقيادة الطبقة العاملة للسيطرة على الحكم السياسي. لقد كانت اديولوجية التنافر والعداء بين الطبقات متاصلة في البلدان التي تأسست فيها. انها لا ترى الا صنفين من الناس اما أن يكون مع افكارهم أو عدو لهم.
لقد احدثوا شرخا واسعا داخل المجتمع العراقي الواحد. فهدموا ومزقوا تالفه عبر تقسيمه الى طبقات متعددة بعضها شريرة بنظرهم تمثل البرجوازية الكبيرة والصغيرة وبعضها الاخر طبقات مظلومة كالعمال والفلاحين. كانت تلك الشعارات الشعبوية ومنذ البداية مجرد تخدير للشعوب وغطاء لكسب ود الطبقات الفقيرة الواسعة في مجتمعاتنا. ظهر ان هدفها الاستيلاء والسيطرة على الحكم السياسي والاقتصادي. ولكي يتميزوا عن النظام الراسمالي اطلقوا شعار الحكم الثوري الاشتراكي التقدمي الديمقراطي. اما الطبقات العاملة التي سيطروا باسمها على الدول ظلت مهمشة فقيرة تعاني الظلم والجوع. في حين كان القادة الثوريون من اغنياء ووجهاء المجتمع ومن كبار رجال الجيش ومن البرجوازية. مما افرزت انظمة دكتاتورية استئصالية عقب ثورة أكتوبر 1917 في روسيا مقابل الأنظمة الراسمالية.
هذه الاحزاب العلمانية اليسارية وتبعتها القومية كانت ولا تزال تختبأ وتساند الانظمة الدكتاتورية لمدارات مصالحها المادية. لقد تخلت في نهاية المطاف عن قضايا الشعوب العادلة كفلسطين. واضحى اؤلئك اليساريون لعبة بيد أمريكا يطبلون لها حيث شاءت. لمحاربة الشعوب تحت مفاهيم تمزيقية مبتكرة كالارهاب الذي صنعته أمريكا نفسها ونشرت افراده وجماعاته في المنطقة. وذلك لاستمرار الفوضى وؤد حركات التحرر العالمية. لقد سبق ان لبست تلك الاحزاب لباس الديمقراطية والتقدمية والاشتراكية حفاظا على مصالحهم الانية والانانية. ثم تناقضوا مع مبادءهم عندما تحالفوا واختبأوا تحت عباءة الدين الذي سبق ان وصفوه بافيون الشعوب.
نحن اليوم في العراق وغيره نحصد ما زرعناه نتيجة غربة افكار الشعب وتفريطه في ثقافته الوطنية وتخليه عنها لصالح عقائد غربية أو شرقية بعيدة عن دين وهوية وحضارة الوطن. لقد تخلي الشعب نفسه ايضا عن مفاهيم اساسية تتعلق بالعدالة والمساوات وتكافى الفرص والتسامح مع الفكر المختلف الاخر. إن العراق لا يمكن أن يقف على قدميه ويطور نفسه دون إشاعة مفاهيم يتحمل فيها الشعب روح المسؤولية في العمل ويراقب الاداء السياسي للسلطة ويتوجه إلى البحث العلمي المتواصل ويقول الصدق ويعمل باخلاص ويضحي لخدمة الوطن والحفاظ على هويته. كذلك يجب تحريم وتجريم الغش والخداع والرشوة والطائفية. في عراق الغد ينبغي إعادة بناء التنظيمات والاحزاب السياسية سواء كانت من الإسلاميين أو العلمانيين واستبدالها بتنظيمات تقودها نخب وطنية عراقية مخلصة تعرف امراضه واسباب قوته ومن مجتمعه وتعتز بهويته وثقافته وتناى بنفسها من التقليد الاعمى لتجارب الاجانب. لتبني دولة مدنية لا تفرق بين مواطنيها لأسباب مذهبية او دينية أو قومية أو عرقية
الدكتور نصيف الجبوري
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close