اشتقت إليك يا أمي

اشتقت إليك يا أمي

بقلم لقمان عبد الرحيم الفيلي

مع دخولنا الذكرى الاول لرحيل الوالدة رحمها الله، واشتياقي لها، وجدت ان افضل علاج لهذا الشوق هو محادثتها وهي عند المليك المقتدر. ادناه مقتطف من ذلك الحوار (الافتراضي).

– السلام عليكم يا امي، اشتقت اليك يا ام الرحمة والحنان، ماذا حل بك بعد رحيلك الى الملك الاعلى؟

– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا ولدي، قبل الاجابة على سؤالك، قل لي كيف تعيشون وسط هذه النكبة والجائحة؟ كلي قلق وحسرة وحزن عليكم، عليك وعلى الاحفاد والأسباط والأولاد والجيران والارحام والأصدقاء وابناء الجالية، يا ليتني اعود لكم ليوم او لبضعة يوم لارعاكم وسط هذه النكبة الانسانية، على الأقل في حينها أواجه ما تواجهونه واشعر ما تشعرونه واحس بما تحسون به، وان تطلب الامر امرض بدلا عنكم، فبعدي عنكم مثل بعد الطفل الضائع عن أمه.

– لا يا امي لا ترجعي، بحق كل المقدسات، بحق ابي وجدي وجدتي لا ترجعي، فهذه الجرثومة غدارة، لا ترحم احداً ولا تعطي احداً سابق إنذار، ولا تبقي للانسان كرامته وتراه بعد اصابته تجعل احدنا يعتبر استنشاق الهواء من جهد نفسه كرم ما بعده كرم.

– الام منا يا ولدي لا تعرف معنى الخوف على النفس او الحذر من العدوى عندما نواجه شيئاً يخص اولادنا، آه من ما ارى من محنة تمرون بها وانا بعيدة عنكم، عجبي على احوالكم، فصلة الرحم تعتبر عندكم الان امر اً مشيناً، فلا زيارة بعضكم لبعض مسموحة، ولا اللقاءات موجودة، علاقاتكم كلها عبر شاشة صغيرة، كل واحد منكم سجين داره كأنه منبوذ او مختفي او مطلوب للعدالة، الامهات منا لا يقبلون بذلك للأغراب او الاعداء فكيف بالأحباب وذريتهم.

– نحن بخير يا ام الرحمة والحنان، لا تقلقي علينا، نعم بعدك عنا امر صعب وصَّعَب علينا الأمور، على الاقل عندما كنت بين ظهرانينا كنا نعرف ان الله سوف يرعانا لقربك منا وشفاعة بك، وكذلك كنا نترقب طرقة باب الدار او رنة الهاتف لنسمع صوتك وانت تسألين وتستفسرين بكل لهفة وعطف وجدية عن احوالنا وحالنا. سنبقى نحتاج إلى دعائك ان كنت بجنبنا او عند المليك المقتدر. بُعدك لا يطاق ولكن من جنبة أخرى نعرف ان الله شملك برحمته وازاح عنك عناء الدنيا وما عانيت طول حياتك المثمرة المتعبة على هذه المحطة التي تسمي بالارض.

– الله سبحانه وتعالى سوف لن ينسى عباده، فكلهم عياله ورحمته لا حد لها ولا حدود.

– احدنا يا أمي لا يعرف ماذا يملك من درر وكنوز واشياء غالية وثمينة الا بعد فقدانها، كنا نعتقد ان رحمة ربي تعني بقاءك بجنبنا ابد الدهر ، أنانيتنا صورت لنا ان ملك الموت سيؤجل أخذ امانته إلى امد بعيد، ونسينا ان رحمة الله بعباده الخلّص تعني اشتياقه هو لهم ايضاً.
وان مهمة الابرار والصالحين والأولياء من عباده من امثالك هي اداء امانة الرسالة الربانية لعباده على الأرض وهجرتها والرجوع إلى رب الأرباب الحنون في اسرع وقت. اذ يعرف الله عز وجل ان لا مكان للخلّص من امثالك بين عالمنا وبشرها الملوث بالحقد والضغينة والحسد والغير، صبر هؤلاء الأطهار من امثالك على الأرض هو بحد ذاته جرس إنذار وامتحان من المولى لخلقه. كم يا ترى تعلمنا من هذا الدرس وحضرنا أنفسنا إلى هذا الامتحان؟

– رحمة الله تعني ان الخيرين مكلفون ومتطوعون لتبيان الرحمة من القسوة وما علينا نحن العباد الا ان نبين سنن الرحمن من سنن غيره.

– شوقي وحنيني لك يحدث مع كل نجاح احصل عليه، مع كل الم اشعره، مع كل لحظة حزن امر بها، نعم فارقت الحياة ولكن لم تفارقي مخيلتي، او عيني او ذاكرتي يا أمي.
لا اعتقد ان رجوعك الى الملك الاعلى يمنعك من الدعاء لنا، فما احوجنا لذلك الدعاء الطاهر النقي ونحن نرى الحروب والأوبئة والإرهاب تحصد شبابنا قبل شيوخنا.

– ومن قال باني مت او رحلت عن فضائكم، فأنتم بأعمالكم الحسنة امتداد لوجودي، بل هو وجودي.

– نعرف يا امي ان البشر من امثالك لا يموتون، فأعمالهم اصبحت سنة يُقتدى بها، وطاقتهم الإيجابية تغلب اي طاقة اخرى، وحضورهم او اثر اعمالهم مصدر أمان لمن حولهم. ولكن مع هذا كوننا بني البشر من التراب والمادة، لا زلت اتخيل ان رحيلك كابوس وسأصحو من ذلك قريبا واذا بي مع صحوتي من الكابوس اكتشف ان الكابوس سيبقى معي ما دمت حيا. اذ لم ولا اريد ان افارقك، لاني لا اريد ان افارق الأمان والحنان.

– انه قضاء الله، كلنا نموت ونرجع لامنا الأرض، فاسأل الله ان يجمعني بك وبباقي احبتي تحت ظل عرشه.

– ونعمة بالله ورحمته لا حد لها، نعم اعرف ان جسدك تحت الأرض يلتحف التراب، وانه القضاء، واعرف بان الله اخذ روحك الى الملك الاعلى رحمة بك، لا اعرف كيف تجرأت أيادينا على دفنك، وان كنت مصراً بانك ستبقين معي ولن تفارقي روحي وان رحلتي. أحسدك يا قبر كيف تضم جسداً طاهراً وقلباً طاهراً وروحاً طاهر اً، قلب نبعه من الطهر وسيبقى ذلك القبر منبع نور.

– كيف حالكم وسط هذه الفوضى الكونية، إذ مع طول حياتي ومعاشرتي لتاريخنا الحديث لم ارى من غموض لابناء الأرض في مستقبلهم مثل الان؟

– لمن نشرح ونصرح بهمومنا بعد رحيلك وسط هذا العالم الاشبه بغابة يأكل فيها القوي الضعيف، فانت كنت السكينة التي نطمئن بالسكون تحت خيمتها، كانت كما ضاقت بي الدنيا كنت افر إليك والان بعد رحيلك افر الى ذكرك كونه ملجئي، واعلمي أنني كلما رأيت الابتسامة على محياك تبتسم لي الدنيا.

– الدنيا وبعدها الآخرة ستبتسم لك ما دام ذكر الله ورضاه وسنة أوليائه هي البوصلة التي توجه مسيرتك، وما دامت الحقوق التي لك وعليك واضحة وجليه في وجدانك، ان كان الناس فيك من راحة فأنت بخير، وان كنت أنت عنهم في غني فأنت بخير.

– وحقك علينا لا يمكن ان يوفى يا أمي وخصوصاً وان خلقك الرفيع جعلك تكسبين ولاء وطاعة واحترام الجميع فلم يخافك احد لانك كنت تعكسين الرحمة في كل شيء، بل كنت أنتِ تخافين على الآخر.
ذكرى رحيلك لا يقتصر على يوم واحد، بل كل يوم وذلك لانك كنت حسنة جارية أين ما كنت وذكرك حسنة جارية لمن تعامل معك، وعليه ذكرك لا يقرن بالحزن بل بالفرحة كون عطائك المتدفق لم يقف او يجف بل نهر طاهر مطهر. لم نبالغ عندما كتبنا على قبرك “دا ام الجميع”، وأنا على يقين ان الشوق لك لا ينحصر بأرحامك فقط بل يشمل كل من تعامل معك.
رب اغفر لي ولوالديّ وارحمها وهما في دار الفناء واغفر لهما واجزهما خير جزاء، استودعك الله يا ام الحنان والرحمة.

– استودعكم الله يا ولدي.

‫بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ‬ ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ صدَقَ الله العَظِيم [الإسراء: 23، 24]

بغداد – أواخر حزيران ٢٠٢٠

اشتقت إليك يا أميبقلم لقمان عبد الرحيم الفيلي مع دخولنا الذكرى الاول لرحيل الوالدة رحمها الله، واشتياقي لها، وجدت ان…

Posted by Ambassador Lukman Faily on Friday, June 26, 2020

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close