أوروبا.. اللثام الصحي والنقاب

من ناحية أخرى، ألزمت الحكومة الفرنسية مواطنيها بضرورة ارتداء اللثام الصحي في وسائط النقل والأماكن العامة، وكذلك فعلت حكومة البرازيل التي أصيب مليون ونصف من مواطنيها بالفيروس القاتل.

ولو عدنا إلى الوراء قليلاً، فإنا نجد الكثير من الغربيين طالبوا بحظر النقاب الذي ترتديه النساء المسلمات، باعتباره (خطراً) على الأمن، لأن المجرمين يمكن أن يستخدموه للاختباء عن أعين الشرطة!، فسنّت فرنسا قانوناً عام 2011 حظرت بموجبه ارتداء النقاب، وفرضت غرامة على المخالِفات قدرها 150 يورو.

اللثام الصحي يشبه النقاب من ناحية أنه يخفي وجه الشخص وهويته، ويرتديه النساء والرجال، لكن المفارقة أن الأول مفروض والثاني محظور.

وترى منظمات حقوق الإنسان تناقضاً في القوانين التي تفرض اللثام الصحي وتمنع النقاب، خصوصاً أن كليهما يخفيان ملامح الوجه.

المدير التنفيذي لمنظمة هيومان رايتس ووتش، كنيث روث، اعتبر ذلك انعكاساً لمشاعر الـ(إسلاموفوبيا) أو الهلع من الإسلام.

المواقف الأوروبية من الأديان لها أسبابها الموضوعية، فالحروب الدينية، عصفت بأوروبا في القرن الـ16، وحصدت ثلث سكان ألمانيا و3 ملايين نسمة في فرنسا، وأعداداً كبيرة في بريطانيا وبلدان اسكندنافيا، واستمرت نصف قرن تقريباً، وأشهر حادثة كانت (مجزرة سان بارثولوميو) التي ارتكبت بحق البروتستانتيين الفرنسيين (الكالفانيين).

وبعد نجاح الثورة الفرنسية عام 1789، فرض قادتها قيوداً على الكنيسة بسبب موقفها المساند للنظام القديم، ومراكمتها ثروات واسعة، وتبنوا مبدأ الفصل بين الدين والدولة ليبتعدوا ببلدهم عن الاقتتال.

وبسبب هذه الخلفية الدامية، أصبح الأوروبيون عامة، والفرنسيون خاصة، يحرصون على إخفاء الرموز الدينية، كالصليب ونجمة داود والحجاب، خصوصاً في المدارس، لأنها في رأيهم تثير الفرقة بين المواطنين، لكن حرية الاعتقاد وممارسة العبادات بقيت مكفولة دستورياً لجميع السكان، مع الحرص على إبقاء الدين ضمن المساحة الشخصية للأفراد.

لكن جائحة كورونا فرضت شروطاً جديدة، فأصبح اللثام الصحي والتباعد الاجتماعي ضروريين لدوام الصحة، وقد يبقيان معنا لزمن طويل، لكن مقارنة المنظمات الحقوقية اللثام الصحي بالنقاب أمر مستغرب، فاللثام لا يثير الفرقة ودافعه الحرص على الصحة الخاصة والعامة، بينما يدخل النقاب ضمن الحرية الشخصية للأفراد، لكن المقارنة لا تخلو من فائدة، لأنها تشير إلى الرقابة المجتمعية على إجراءات الدولة كي تبقى منصفة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close