كلمن يمشي باللي يصرف له

“كلمن يمشي باللي يصرف له”

علي علي

عهدنا في الحروب أنها تنشب بين طرفين كحد أدنى، إذ قد يدخل طرف ثالث ورابع وعاشر في أتونها، كما حصل في الحربين العالميتين. ونادرا ما تنشب حرب بين طرف ونفسه، غير أن النادر هذا هو عينه مايحدث في الساحة العراقية، لاسيما عراق مابعد عام السعد، عام الانفتاح، عام الانفراج، عام (الطرگاعة الطاحت على روسنا) عام 2003.
إنه لمن المفترض أن تنصهر الحكومة والشعب في بودقة واحدة، ليكوّنان بالنتيجة طرفا واحدا، وبذا من المستبعد أن تنشب حرب -كما أسلفت- بين طرف ونفسه. إلا أن مانراه ونلمسه في عراقنا الجديد، أن الأطراف فيه يفوق عددها عدد أصابع الكفين والقدمين معا، وكلٌ قطعا يبكي على ليلاه ويبحث عن بثيناه. لذا نرى الحروب فيما بينهم قائمة على قدم وساق كل حين، ومن سوء حظ الشعب العراقي، أنه في كل الحروب يشكل قطبا أساسا وجوهريا لوحده، تدور عليه رحى الحروب، أما أبرز الأطراف المتكالبة عليه فهي رئاسات بلده الثلاث. فرئاسة الجمهورية تحاربه عن بعد، في وادٍ لاصدى لأعمالها فيه، ولعلها تستند على الحديث النبوي: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”. فلو استقرأنا دور مجلس رئاسة الجمهورية، في كل الذي حدث ومازال يحدث من مشاكل ضحيتها الشعب، لانلمس من المجلس -رئاسة ونواب رئيس وهيئات- سوى دور المتفرج، والمعلق، والمربت على أكتاف الجميع، ماسكا العصا من وسطها، ليضمن جلوسه على العرش، وكانه يردد قول أبي فراس الحمداني: “إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر”.
فيما يشهر الطرف الثاني مجلس النواب -رئاسة وأعضاء- سيفه على رقاب المواطنين، في سن القوانين الجائرة سرا وعلانية، من خلال تشريع مايضر الشعب ويسلب حقه، دون مخافة ضمير ولومة لائم وعقاب أولى وحساب آخرة، إلا في ظرف تكون فيه “الطاوه حاره” كالذي يجري حين تثور ثائرة الشعب في التظاهرات، ويصلون مشارف المنطقة الغبراء -عفوا الخضراء-. فحينها يهرعون إلى مخارج مقراتهم الخلفية، مرددين شعار: “انجُ سعد فقد هلك سعيد”. أو يلهجون بمثلنا القائل: “ياروح ما بعدچ روح”.
الحديث الآن عن الطرف الثالث المتكالب على المواطن تكالب الضباع على فريستها، والضبع معروف بجبنه وضعفه، إذ لا يجرؤ على الهجوم لوحده، بل يجتمع مع بني جنسه ليغدروا بالفريسة فيما يسمى: “ولية مخانيث”. ذاك الطرف هو رئاسة الوزراء أو المجلس التنفيذي، وهو اسم على مسمى، ذلك أن المنفذين فيه -وزراء ووكلاء ومديرين- يؤدون -صاغرين- ماتمليه عليهم أحزابهم وكتلهم، وفق نظام المحاصصة المحصن، والذي لايتمكن أي رئيس وزراء من اختراقه، مهما كان حازما وصارما ولوذعيا. والأحزاب والكتل بدورها لها ظهير ساند، في الداخل ومن الخارج، يسندها أيما إسناد، ويداريها (مثل المي بالصينية) وهي مؤيدة بجنود نراها وأخرى لا نراها، أما الشعب فإنه (يقبض فلوسه من دبش).
إن المنفذين في هذا المجلس على أجناس وأشكال وأصناف وأنواع، لها أول وليس لها آخر، وكما يقول مثلنا: “شكول شكول ورد الباجلة”. كما أن أغلبهم لا يصل منصبه إلا بتعميد من السيد الفلاني، أو الشيخ العلاني، وإن اقتضى الأمر “الرفيق” الفلاني، حيث الشبه كبير جدا بين حقبة حكم البعث، وحقبة الحكم الحالي، وكما قال الشاعر المرحوم عبد الحسين الحلفي: “گبل چانت رفيق وهسه مولاي.. والشعب بثنينهم ماشاف راحة”.
وللأمانة أقول، هناك وطنيون ومخلصون ونزهاء في الرئاسات الثلاث، غير أن عمرهم الوظيفي قصير، فرياح الفساد العاتية تعصف بهم، كلما حانت للفاسدين فرصة إزاحتهم عن طريقهم، فالفاسدون يعشقون الجري في الطرق الملتوية اللامشروعة، ويجيدون السير (wrong side) وقد قيل لـ (أبو الجنيب): ليش تمشي أعوج؟ قال: كلمن يمشي باللي يصرّف له.
[email protected]

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close