“حماة المذهب” جائعون

الفقر يتغلل في مدن الجنوب خزان الأصوات وأرض التضحيات المنسية

أحمد حسن

بدا وجهها الطيني غارقا في ظلام الغرفة المضاءة بمصباح نفطي وهي تطالع أطفالها الغارقين في النوم، بينما كانت منشغلة بترديد الأدعية، قبل ان تنهض وتعاين دولابا بدا شبه فارغ، إلا من كيس من الدقيق وبعض الرز وعبوة زيت أوشكت على النفاد، حين طرقت جاراتها باب المنزل ليمضين معا نحو ما بات يشكل مركزا لتوزيع المساعدات الغذائية على آلاف الفقراء في محافظة المثنى الجنوبية.

منذ أكثر من شهرين، كل يوم جمعة، تستيقظ “أم عباس” قبيل الفجر وتمشي لعدة كيلومترات للوصول الى “جدار احباب الله” بمدينة الرميثة، أملا في الحصول على مساعدات غذائية، تاركة أطفالها الأربعة في فراش النوم بمنزلها الطيني الذي لا تتجاوز مساحته الـ120 متراً، في حي عشوائي بقضاء الوركاء، والذي تعيش فيه عائلتان.

تبلغ نسبة الفقر في المثنى، التي تحتضن عشرات المواقع التاريخية التي شهدت أولى الحضارات الانسانية في وادي الرافدين، 53% بحسب احصاءات رسمية لوزارة التخطيط نشرت في شباط الماضي، لتحافظ منذ سنوات على تصدرها للمناطق الأكثر فقرا في البلاد، لكن تلك الأرقام تصاعدت مؤخرا بسبب تداعيات جائحة كورونا وفقدان آلاف الأشخاص لأعمالهم.

الموت “رحمة وستر”

قبيل الساعة السابعة صباحا، وقفت ام عباس في طابور طويل يضم مئات النساء المتشحات بالسواد والقادمات من مناطق مختلفة بالرميثة والوركاء والسماوة، بينما تشكل طابور آخر للرجال، عند موقع توزيع المساعدات الغذائية.

بعد مشاجرة كلامية نشبت بين عدة نساء نتيجة التدافع في الطابور، قالت أم عباس مبدية تذمرها: “لدي اربعة أيتام ولا املك راتبا، ولا معيل لأطفالي، والسلة الغذائية التي نحصل عليها هنا لا تكفينا لأكثر من ثلاثة ايام، لكن هناك في الطابور من له راتب رعاية اجتماعية ويشاركنا المساعدات”.

وتتابع الأرملة (28 عاما) التي فقدت زوجها بعد تطوعه لقتال تنظيم داعش، بينما حاولت اخفاء وجهها بطرف عباءتها السوداء “لم نعد نملك ثمن الطعام، منذ توقف عمل ابنائي عباس (11 عاما) ورضا (9 اعوام) في سوق الوركاء بسبب كورونا، كانا قبل ذلك يحصلان يوميا على ثمانية آلاف دينار، نصفها كان يكفي لتأمين طعامنا، والباقي نجمعه لشراء العلاج لطفلي الصغير (4 اعوام) المصاب بضيق التنفس الحاد ويحتاج الى ادوية لتوسيع الرئتين واحيانا الى الاوكسجين”.

وتضيف بينما تجرها جارتها لتحثها على التقدم في الطابور “حين تسوء حالته علي ان أخذه الى المستشفى العام بالسماوة”. تصمت لبرهة، وهي تنظر في شباك بناية قريبة كان يطل منها طفل، قبل ان تكمل “سيموت اذا لم نفعل ذلك سريعا”.

لا تختلف اوضاع “فاتن محمد” الأرملة العشرينية التي تملك محلا لخياطة الملابس النسائية، عن اوضاع أم عباس، وان كانت تملك مهنة تدر عليها بعض المال، فلديها طفلان يعتمدان عليها فيما تأثر عملها مع الأوضاع الجديدة في البلاد.

فاتن التي كانت تحاول ان تتحاشى جموع النسوة، وتغطي فمها بعطاء رأسها، وسط نسوة يشغلهن تدبر الغذاء لعوائلهن اكثر من التفكير بما قد يشكله كورونا من خطر عليهن، تقول بنبرة صوت منخفضة “لم اتعود ان اطلب شيئا من أحد لكن الحياة تزداد قسوة”.

وتضيف: “محلي مغلق منذ بداية اجراءات التباعد الاجتماعي.. أعيش بالاعتماد على مساعدة أهلي.. في السابق كان عملي يوفر متطلبات عائلتي اليومية، لكن الآن الوضع تغير فأنا اعمل من المنزل والزبائن أقل نتيجة تعطيل الأعمال وتراجع القدرة المالية للعوائل”.

وتلفت فاتن الى ان الناس في المثنى تعودت ومنذ عقود على التعايش مع الفقر، لكن الأوضاع ازدادت سوءا في الأشهر الأخيرة “اعرف الكثيرين ممن لا يملكون ثمن شراء الدواء لمرضاهم بل حتى ثمن شراء كيلوغرام من الرز والفاصوليا… بعضهم يرى ان الموت رحمة وستر”.

أرملتا رجل واحد تبحثان عن المساعدات

ذلك الفقر بدا يظهر حتى عند متوسطي الدخل كـ”أم جبار” وهي سيدة في الثلاثينات من عمرها، قدمت من مدينة السماوة (مركز المحافظة) أملا في الحصول على مساعدات لعائلتها التي تضم ستة أفراد بعد ان توقف عمل زوجها سائق التاكسي نتيجة تكرر حالات فرض حظر التجوال داخل المدن وبين المحافظات بسبب كورونا.

تقول وهي تفترش الأرض بينما همت بمسح العرق الذي تصبب على جبينها: “لم نشهد أياما كهذه من قبل.. لأول مرة نواجه صعوبة في توفير لقمة العيش، لذا انتظر مثل الجميع فرق توزيع المساعدات.. ان مر اسبوع على عدم تسلمنا لسلة غذائية اتصل هاتفيا بالمتطوعين للاستفسار منهم عن موعد التوزيع.. ما نحصل عليه بالكاد يكفي ليومين او ثلاثة”.

حين كانت فاتن وام جبار تنتظران دورهما، حصلت “أم عباس” وبعد موجة من التدافع العنيف، على نصف سلة غذائية تضمنت كيس من كل مادة (فاصوليا ورز وزيت وعلبة معجون ونصف طبقة بيض).

طلب منها الشاب الذي كان يسلم السلة لها التوقيع على ورقة لإثبات استلامها الحصة، قبل ان يدرك انها لا تعرف القراءة فبصمت بابهامها الأيسر على حقل التوقيع، ثم سحبت حالها بقوة بسبب شدة التدافع بعيدا عن سيارة البيك آب التي كانت تحمل المساعدات، ووضعت سريعا كل ما حصلت عليه في عباءتها وقامت بطي أطرافها ولفها باستثناء طبقة البيض التي امسكت بها بيدها اليمنى، قبل ان تجلس على الأرض في انتظار تسلم جاراتها لحصصهن.

مقاتل بلا حقوق

في تموز عام 2017 خلال المعارك مع تنظيم داعش في محافظة كركوك فقدت أم عباس زوجها الذي كان مقاتلا في قوات (الشهيد الصدر) ولم تحصل على راتب تقاعدي لأن زوجها لم يدرج رسميا ضمن مقاتلي الحشد الشعبي.

تقول “علمت بذلك بعد وفاته.. خلال فترة تطوعه كان يصرف له راتب شهري قدره 450 الف دينار من قيادة الفصيل بشكل غير رسمي.. موظفو دائرة الحشد الشعبي نصحوني بالذهاب الى دائرة الرعاية الاجتماعية للحصول على راتب من هناك، قبل نحو عام قدمت الأوراق المطلوبة لكني لم استلم راتباً منهم الى اليوم”.

وتعتبر أم عباس، الزوجة الثانية لزوجها المقتول. ولزوجته الأولى خمسة اولاد، وهي بدورها تأتي كل يوم جمعة الى جدار الرحمة لتحصل على المساعدات الغذائية والأدوية بعد أن أصيبت بجلطة دماغية وتحتاج الى علاج مستمر.

لا يقتصر طلب المساعدات على النساء، فهناك طابور طويل من الرجال ينتظرون بدورهم الحصول على سلال غذائية.

“حماة المذهب” بلا غذاء

علي حسين، عامل في مجال البناء، لا يحصل على عمل إلا لبضعة ايام كل شهر، كان يقف الى جوار شقيقه عبدالله الذي يعاني من مشاكل في القلب. يقول “حركة البناء محدودة جدا، قلة هنا من يبنون بيوت جديدة او يوسعون او يرممون بيوتهم، ولا شركات خاصة هنا ولا قطاع صناعي، والزراعة تعاني بسبب شح المياه.. فرص العمل محصورة بالقطاع الحكومي وتحديدا في اجهزة الجيش والأمن لكنها محتكرة لمن يملكون علاقات في الاحزاب الحاكمة”.

“علي” الذي اكمل كلية التربية قبل نحو 20 عاما، يضيف بصوت خفيض وهو يمسح التراب عن دشداشته البيضاء: “الناس هنا طلباتها بسيطة، يريدون تأمين غذائهم وادنى متطلباتهم المعيشية… لكن حتى هذا اصبح حلما بالنسبة للكثيرين… باتت الأسر تعاني فقط للحصول على غذائها اليومي”.

يبتعد “علي” بضع خطوات عن شقيقه ويشير الي بالاقتراب، وكأنه سيطلق سرا لايريد لأحد سماعه: “هذا حال عشرات آلاف العوائل في المثنى وفي المحافظات المجاورة، حيث الجهل والفقر.. أبناؤهم في الأزمات يشكلون حماة المذهب وعمق الوجود الشيعي وفي الانتخابات خزان اصواتهم الوفي، في المقابل لا أحد يهتم بهم، هم مغيبون تماماً والأحزاب الحاكمة لا تعرف ان كانوا أحياءً او امواتاً… حتى الاعلام لا يذكرهم”.

ويتابع بنبرة حادة دون ان يغادر لغته الساخرة: “تصور هنا مهد الحضارات، هنا آثار الوركاء.. في الرميثة وحدها 35 موقعا اثريا تواريخها تعود للعصر البابلي والآشوري وعصر ما قبل الإسلام”.

ويؤكد مختصون بالتاريخ ان مدن المثنى كان لها دور مهم في التاريخ القديم فقد شهدت أول كتابة في العالم وهي الكتابة المسمارية، وظهرت فيها أقدم الملاحم وهي ملحمة كلكامش.

وما تواجهه المثنى من فقر وانعدام للبنى الاقتصادية وضعف في البنى الخدمية، يتكرر في معظم المحافظات الجنوبية بما فيها المنتجة للنفط والتي تضم بعض اكبر حقول النفط في العالم، فوفق وزارة التخطيط، كانت نسبة الفقر في المحافظات الجنوبية عدا البصرة، هي الاعلى مقارنة بباقي مناطق البلاد، ففي الديوانية بلغت 48% وفي ذي قار 44% وفي ميسان 45%، بينما سجلت في المثنى المعدل الاعلى بـ52%. في حين انها بلغت في العراق بشكل عام (20%) قبل ازمة كورونا.

في ثاني مؤتمر صحفي لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بعد تشكيل كابنته الوزارية، قال وهو يضرب بيده اليسرى على المنصة موجها كلامه للسياسيين الذين حاولوا تعطيل اجراءات مكافحة متعددي الرواتب :”هل رأيتم نساء قضاء الرميثة في رمضان كيف يصطفون في طابور طويل مع اطفالهن للحصول على المساعدات الغذائية.. الا يستحقن تخصيص راتب؟”.

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس بلاسخارت، قد ذكرت خلال احاطة في مجلس الأمن الدولي، في 12 أيار، إن “هناك توقعات بانكماش اقتصاد العراق بنسبة 9.7% وأن يرتفع معدل الفقر الى 40%”.

وذكر وزير العمل عادل الركابي، في تصريحات صحفية في شهر أيار، ان نسبة البطالة ارتفعت إلى 40%، لكن المتحدث الرسمي لوزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، توقع ارتفاع النسبة الى 20% بعد ان كانت 14% قبل ازمة كورونا.

فيما أعلن وزير التخطيط خالد بتال النجم عن ارتفاع نسبة الفقر في العراق إلى 31.7% ارتفاعا عن نسبة 20% التي كانت عليها في العام 2018 بسبب تداعيات أزمة كورونا.

وذكر الوزير في بيان رسمي نشر في تموز 2020 ان دراسة تفصيلية انجزتها الوزارة عن تقييم أثر جائحة كورونا على الفقر والفئات الهشة في المجتمع العراقي بالتعاون مع البنك الدولي ومنظمة اليونسيف، أظهرت ان عدد الفقراء بلغ (11) مليونا و(400) ألف فرد، بعد أن كان قبل الأزمة حوالي (10) ملايين فرد”.

ورغم وجود برنامج لتوزيع المواد التموينية شهريا في العراق منذ عقود، غير ان اهالي المثنى ومعهم معظم محافظات الجنوب، اشتكوا من رداءتها وعدم صلاحية بعضها للاستهلاك البشري خاصة الرز، وتأخر توزيعها أحيانا لنحو شهرين، فضلا عن قلتها فهي لا تسد الا جزءا بسيطا من متطلباتهم الغذائية اليومية. وتتألف المواد التموينية تلك من (الطحين والسكر وزيت الطعام والرز).

“إهانة” أم تقديم مساعدة؟

يقول الناشط الحقوقي والعضو المتطوع في فريق الهلال الأحمر في محافظة المثنى محمد الحجامي: “العوائل هنا من الأكثر فقراً في العراق، معيل الأسرة غير الموظف، اما عليه تأمين دخله من بسطية لبيع الخضار أو يشتغل عاملا في السوق”.

ويضيف:”هناك آلاف العاطلين ممن يعيشون على المساعدات الانسانية التي تقدمها المنظمات والجمعيات الخيرية.. هناك احياء كاملة تسكنها عوائل تحت خط الفقر، هي تعتمد على راتب الرعاية الاجتماعية الذي لا يتجاوز قيمته للعائلة الواحدة 150 الف دينار عراقي”.

المثنى التي يعاني اكثر من نصف سكانها من الفقر، زادت الأوضاع فيها سوءا عقب اجراءات حظر التجوال نتيجة تفشي جائحة كورونا، وفق الحجامي :”معلومات المسح البياني الأخير لفريقنا الطوعي، اظهرت ارتفاعا ملحوظا في مستوى الفقر، فالرقم صعد من 50% قبل كورونا الى 60%”.

وينبه الى ان الحملات الانسانية لتوزيع المساعدات الغذائية لا يمكنها تغطية كامل الأسر “غالبية الفقراء لا يملكون اليوم الطعام الكافي في منازلهم، ما يجبرهم على الذهاب الى (جدار احباب الله) فجراً والوقوف في الطابور لساعات طويلة حتى يستلموا سلة غذائية وكيسا من الخضراوات”.

ويتابع وهو يشير الى صف طويل من الرجال الذين ينتظرون تحت الشمس الحارقة لتسلم المساعدات: “قبل كورونا كان هناك طابور نسائي فقط، اليوم اصبح هناك طابور للرجال أيضا”.

إنشأ “جدار احباب الله” في قضاء الرميثة في صيف عام 2011 من قبل شباب ناشطين، وتم اختيار حائط السجن القديم (البريطاني) الذي يعود تاريخه الى عام 1920 لما له من رمزية وطنية، فكان السجن يضم شخصيات مناهضة للبريطانيين بينهم الشيخ شعلان أبو الجون، أحد قادة ثورة العشرين التي انطلقت من المدينة في 1920.

وقام المتطوعون بترميم الجدار بشكل بسيط ووضع مسامير ليعلق المتبرعون الملابس المستعلمة عليها، كما منحت ادارة مبنى السجن القديم غرفة لخزن الملابس والمساعدات الغذائية.

يقول علاء الشيخ مسؤول مبادرة الجدار:”كنُت وقتها متخوفا من عدم تفهم اهالي الرميثة للمبادرة، لكن حصل تفاعل سريع ودعم كبير الى الحد الذي تمكنت فيه المبادرة من بناء أكثر من 83 بيتاً لأسر معدمة، وبناء مجمع (الباقر السكني) الذي يضم 54 بيتا تسكن به عوائل كانت بلا سكن، وهذا تحقق من خلال حملة جمع (الف دينار) لمدة ثلاث سنوات”.

ويتابع “المبادرة نجحت في بناء دار للمسنين وآخر للايتام، ومشغل للحرف اليدوية، ومحمية صغيرة للطيور لتشغيل بعض المستفيدين، الى جانب التزامها بتوزيع المساعدات الغذائية بشكل اسبوعي يومي (الجمعة والسبت) وهناك ايام استثنائية أخرى للتوزيع”.

ويستفيد من المبادرة بشكل شبه مستمر نحو 28 الف عائلة، تستلم “رز، شعرية، معجون طماطة، زيت، سكر، شاي، عدس وفاصوليا” ومواد أخرى تأتي من التبرعات، كما يتم احيانا توزيع دجاج وقطع قماش.

ويؤكد مسؤولون في المبادرة ان لديهم متعهدون يذهبون الى بيوت عوائل الأيتام والأرامل والفقراء ممن لا يستطيعون المجيء الى الجدار لاعتبارات اجتماعية.

ويبدي الشيخ أسفه للانتقادات التي توجه اليهم من قبل بعض الشخصيات السياسية والدينية والعشائرية “عندما تحصل حالات تدافع شديد بين النساء نتيجة عدم الالتزام بالطابور، يعتبرون ذلك معيبا في منطقة معروفة بأعراف اجتماعية لا تسمح للمرأة حتى الوقوف في طابور لطلب المساعدة.. الانتقادات وصلت الى حد اتهامنا بإهانة كرامة المحتاجين، فيما هم يتفرجون دون تقديم المساعدة لنا”.

يقدر عدد سكان مدينة الرميثة (25 كلم شمال السماوة مركز المحافظة) بنحو 115 ألف نسمة، فيما يبلغ عدد سكان القضاء نحو 330 الف نسمة، في محافظة تضم نحو 900 الف نسمة وتعد ثاني اكبر محافظة عراقية مساحة وتتألف من عدة وحدات ادارية تمتد الى الحدود السعودية.

يتقاسمون ما يملكون

وفي ظل تراجع فرص العمل في مدن جنوب البلاد نتيجة جائحة كورونا وتراجع اسعار النفط التي عطلت انجاز بعض المشاريع، يعرب ناشطون في الجهد الانساني عن قلقهم من تدهور الوضع المعيشي أكثر وعدم قدرتهم على تأمين الحد الأدنى من متطلبات آلاف العوائل.

وأظهر فيديو نشر في شهر أيار تدافعا كبيرا بين محتشدين كانوا ينتظرون في صفوف طويلة، اثر وصول وجبة من السلات الغذائية.

ويؤكد ناشطون ان الفقر لم يعد يطال عوائل محددة تضم أرامل وأيتام في احياء سكنية محددة، بل صار يشمل سكان احياء كاملة خاصة في ضواحي المدن الذين يسكنون بيوتا طينية محرومة من أبسط الخدمات.

تصف الناشطة النسوية رباب الزيادي، التي انخرطت في بداية العام 2020 في حملات توزيع المساعدات الغذائية الأوضاع في حي الكرامة الذي يقع في ضواحي مدينة السماوة على الطريق السريع القادم من قضاء الوركاء، بالكارثية، حيث تسكن مئات العوائل الفقيرة في بيوت طينية لا تتوفر فيها خدمات الماء والكهرباء.

تقول: “تصلنا نداءات اغاثة من اهالي المنطقة، قدمنا لهم المساعدات الغذائية لثلاث مرات، وفي كل مرة نتفاجأ بالعدد المتزايد للعوائل التي لا تملك طعام في بيوتها.. هؤلاء عددهم كأفراد بالآلاف، ولايمكن تغطية حاجات المنطقة بمجرد توزيع 100 سلة غذائية، لذا نضطر ان نحصر التوزيع بالعوائل الأكثر فقرا، رغم ان الجميع بحاجة للمساعدة”.

وتردف:”العوائل الفقيرة في الكرامة تتقاسم لقمة العيش بينها في حالة تضامن فريدة من نوعها”.

وتنتقد الزيادي فشل الحكومة المحلية في “تقديم رؤية لمعالجة ارتفاع الفقر، مع توقف اعمال اصحاب الدخل اليومي بفعل تداعيات كورونا… العوائل هناك تقول ان المسؤولين المحليين او اعضاء البرلمان غائبون تماما: لا احد يأتينا غير الفرق الطوعية”.

الخزان الانتخابي وسور حماية المذهب

وتعمل في المثنى 16 جمعية ومنظمة وفريق رسمي، في حملات توزيع السلات الغذائية، هؤلاء لا يتلقون دعما فعليا من الحكومة المحلية التي اكتفت مؤخرا بتكريم ممثلين عنهم بهدف تشجع العمل الطوعي وتوسيع المبادرات الخيرية.

ووفق احصاءات مبادرة “جدار أحباب الله”، تم تسجيل ألف و800 يتيم في قاعدة بيانات، وهناك ثلاثة آلاف مستفيد مسجل لديها يتلقون دعما مستمرا.

لكن اعداد المحتاجين كبيرة جدا، في منطقة “ال عبس” التي تقع بالقرب من الرميثة “هناك ألف و400 شهيد مسجل من مقاتلي الحشد والجيش والشرطة”، غالبية تلك العوائل تضم عددا كبيرا من الأفراد وتحتاج الى مساعدات.

نسبة من هؤلاء ليست لديهم رواتب، وخاصة من متطوعي الحشد الشعبي، كونهم قاتلوا داعش ولم يسجلوا بشكل رسمي.

يقول المدرس (أ.هـ) ان “الخزان الانتخابي للقوى الشيعية الحاكمة يكمن في المحافظات الجنوبية الأكثر فقرا في البلاد”. ويضيف “هنا تغيب الخدمات الأساسية، فوضع مستشفيات هابط لا يتوفر فيها الامكانيات العلاجية البسيطة، المدارس متهالكة وبعضها مشيدة من طين، معدلات الفقر تقفز الى اكثر 50%، والبطالة بين الشباب فوق الـ50%”.

ويتابع بصوت متقطع وهو يطلق ابتسامة صغيرة:”وهنا أيضا الجدار الحصين للدفاع عن المذهب… لذا تغص الأحياء الفقيرة بشهداء الحشد والجيش والشرطة الذين قاتلوا مؤمنين بقضيتهم… انهم منسيون يضحون بكل شيء ولا يحصلون على اي شيء”.

الفقراء يزدادون والتبرعات تقل

يقول مسؤول مبادرة “جدار احباب الله: ان ميزانيتهم في العام الماضي بلغت نحو 160 مليون دينار “أحد التجار تبرع بـ 90 مليون دينار، لكن هذا العام الدعم شحيح في ظل ازمة كورونا والمبادرة مطلوبة بـ20 مليون دينار”، كما ان المبادرة تعاني من قلة الكوادر المتطوعة “نحن بحاحة الى قرابة 30 متطوعا يوميا للعمل على تنظيم وتوزيع السلات الغذائية”.

ويؤكد العضو المتطوع في فريق منظمة الهلال الأحمر محمد الحجامي، تصاعد معدلات الفقر مؤخرا، الى الحد الذي دفع المنظمة الى تقسيم السلة الغذائية الى حصتين من اجل شمول اكبر عدد من المستفيدين.

يقول نقوم باستبيانات وعمليات مسح لمعرفة المناطق الأكثر فقرا وتسجيل اعداد الفقراء فيها ووفقا لها نقوم بالتحرك “آخر حملة توزيع قمنا بها كانت في ناحية البصية الواقع ضمن قضاء السلمان جنوب المثنى حيث تزايد انتشار الفقر”. ويبلغ اعداد السكان في الناحية أكثر من 2,200 نسمة، وتعد هذه الناحية من أكبر نواحي العراق من حيث المساحة أذ تقدر بأكثر من 17,067كم2. يغلب على المكان الطابع البدوي بسبب وقوعها في عمق البادية، ويمتهن السكان تربية الأغنام والإبل وكذلك الزراعة وبعضهم يعمل في وظائف حكومية.

وتضم سلات الهلال الاحمر الغذائية 25 كيلوغرام من الرز، 15 كيلوغرام فاصولية وعدس، عبوة زيت كبيرة، سمك تونة معلب، ومعجون طماطة، وهي تكفي لنحو شهر للعائلة المتوسطة وفق تقديرات المنظمة.

صالح حسين ناصر، وهو عضو في فريق الصحة والبيئة بالمثنى المنخرط في توزيع المساعدات الانسانية، ينبه الى ان الفرق التطوعية ومع تصاعد اعداد الفقراء لم تعد توزع المساعدات الا على العوائل الكبيرة الأشد فقراً.

يقول: “أغلب الفرق التطوعية صارت تعد من يتقاضى راتب الرعاية الاجتماعية غير مشمول بالحصص الغذائية، مع علمها ان ذلك الراتب لايسد حاجة العائلة التي تضم اربعة افراد لمدة 15 يوما… هي تعمل على العوائل التي لا تملك معيلا ولا دخلا يوميا ولا راتبا ولديها مرضى وعدد افرادها يبلغ سبعة أشخاص وصعودا”.

خبز و”نبك”

وينقل ناصر بعض قصص الفقر التي شهدها في الأيام الاخيرة: “احدى العوائل التي وصلنا اليها قبل يومين كانت تأكل الخبز مع الشاي لأن البيت كان يخلو من أي مادة غذائية، ولم يكن يملكون حليبا لرضيعهم.. وعائلة اخرى كانت تتناول الخبز وبقايا رز قديم مع ثمار شجرة النبك”.

يضيف وهو يهز بيديه: “اكثر شيء تأثرنا به هو رجل كبير في السن يعاني من آثار جلطتين وزوجته متوفية، وله بنت في التاسعة من عمرها مصابة بشلل رباعي، يسكنان في غرفة واحدة من طين تقع أسفل برج للضغط العالي للتيار الكهربائي، لا يملكان أي شيء، ولم يشملا براتب الرعاية الاجتماعية.. يعيشان على ما يتلقونه من بقايا أكل من الجيران”.

ويرى ناصر ان “غالبية الفقراء في المثنى يلزمون الصمت ولا يطلبون المساعدة ما لم نطرق عليهم الأبواب .. نواجه صعوبة في الوصول الى هؤلاء، لذلك شكلنا فريقا للتقصي عنهم والوصول اليهم عبر متطوعين يتابعون الأمر مع وجهاء المنطقة”.

ويرجع الناشط المدني صالح حسين، أسباب انتشار الفقر في المثنى الى غياب فرص العمل “هنا إما ان تكون موظفا او تملك بسطية لبيع الخضار والمواد الاستهلاكية، فلا مصادر اخرى للعيش لأن المحافظة تخلو من المشاريع الصناعية

والاستثمارية ولا موارد اخرى لكسب الرزق كالسياحة والمنافذ الحدودية، لذا اصبح العمل في بسطيات الاسواق المهنة الوحيدة المتوفرة، وهذه الأخيرة تأثرت بأزمة كورونا”.

ورغم تلقي عدد كبير من العوائل لرواتب الرعاية الاجتماعية، فان ذلك لم يغير الواقع، فتلك الرواتب تبلغ 100 الف دينار وهذا المبلغ لا يكفي للعيش اكثر من اسبوع لعائلة كبيرة او بوجود مريض.

وينتقد حسين اجراءات مواجهة كورونا “تم الحظر دون توفير بديل للفقراء حتى لو كان توزيع بعض مفردات الحصة التموينية”.

نقمة على النواب

ويهاجم نشطاء ومواطنون، ممثلي المحافظة في مجلس النواب، متهمين اياهم بترك اهالييهم فريسة للفقر وسكنوا في بغداد. يقول علي حيدر “لم نلمس اي شيء منهم لقد خذلوا اهالي المثنى وتخلوا عنهم في احلك الظروف…هم يظهرون فقط في المواسم الانتخابية”.

يقف محمد الخفاجي، وهو اعلامي يعمل في موقع محلي، حائرا أمام صمت قادة الحكومة ولامبالاتهم من الاهمال والفقر التي تعيشه المثنى.

يقول: “حتى في هذه الاوضاع الكارثية، لم يزر المحافظة أي مسؤول، رغم ان المحافظة قدمت آلاف الشهداء في المعارك مع داعش، للأسف حتى رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض حين وصل الى المحافظة بطائرة عسكرية قبل شهر رمضان بيومين جلس نصف ساعة في دار الضيافة ثم قام بافتتاح المستشفى المتنقل للحشد ولم يكلف نفسه زيارة عائلة شهيد واحد ليطلع على أوضاعهم”.

وتساءل: “هل يعرفون واقع عوائل الشهداء التي تسكن في حي التنك ومناطق الطمر الصحي، هل يعلمون ان هناك اطفال اباؤهم استشهدوا مع الحشد والان يرتدون ملابس من بقايا اكياس السكر والرز والدقيق”.

ويبدي الخفاجي وهو مدير تحرير وكالة تنوير نيوز، استغرابه من افتتاح مستشفى الحشد في وقت مستشفى المثنى العام لا تتوفر فيه الأجهزة الطبية الحيوية بما فيه جهاز الرنين ولا الرعاية الانسانية”.

ويوجه نداءً عاجلا للحكومة لمواجهة ما وصفه “بالوضع المعاشي الخطر”، قائلا :”عليها التدخل والاسراع في ارسال قوافل المساعدات الغذائية والطبية.. مدينة السماوة بدأت تشهد اكتظاظا بالعوائل الفقيرة القادمة من مناطق الوركاء والهلال والمجد والنجم، طلبا للمساعات الغذائية”.

الفقراء لا يدرسون

لا تقتصر مشكلة المثنى بالبطالة والفقر المدقع، فهناك تزايد في نسب انقطاع الاطفال عن الدراسة، الى جانب غياب ابسط الخدمات مثل الماء والكهرباء في احياء كاملة، واستمرار انغلاق المجتمع.

تقول الناشطة رباب الزيادي: “الكثير من الاطفال الذكور والاناث، لا يستطيعون الذهاب الى المدارس لأنها بعيدة، ففي بعض المناطق يحتاجون الى عبور النهر في وقت لا تتوفر جسور قريبة” وهو سبب آخر يضاف الى الفقر يجبر الكثير من العوائل على وقف التحاق اطفالهن وخاصة من البنات بالدراسة.

الزيادي تحدثت عن تلقيها مناشدات من مجموعة بنات بمنطقة الكرامة، غالبيتهم من الخريجات، يطلبن فيها تأمين دعم مادي يساعدهن على فتح مشاريع حرفية “لكن بعضهن يتعرضن الى ضغطوط من عوائلهن بسبب التقاليد التي لا تتيح للمرأة العمل حتى بعد حصولها على شهادة”.

يقول عباس، الذي كان ينتظر مع شقيقه الأصغر قرب باب منزلهم، عودة امه محملة بسلة المساعدات:”لم ادخل في حياتي المدرسة، لا اعرف شيئا عنها… تقول والدتي ان علي أن اعمل حتى نؤمن الطعام للعائلة… لكني اتمنى ان يتعلم أحد أشقائي حتى لا نحتاج الى مساعدة أحد عند تسجيل اسم على موبايلي”.

بعد ساعات عادت ام عباس لمنزل والدها حيث تعيش في غرفة صغيرة مع اولادها الاربعة منذ وفاة زوجها، وبدأت بوضع محتويات “نصف السلة الغذائية” التي حصلت عليها في الدولاب المعدني بينما وضعت بحرص نصف طبقة البيض على الطاولة، والتفت لأطفالها قائلة “اليوم راح تاكلون عشاء مرتب”.

انجز التقرير بدعم وتحت اشراف محرري شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية، ونشر بشكل مختصر في موقع درج.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close