قرنٌ وثلاث دقائقْ

قرنٌ وثلاث دقائقْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

سامي العامري

ـــــــــــ

سنةً وثمانية أشهرْ

هي العدمُ الكوكبيْ

هي الوجعُ المتدلّي الذي لم يلامسهُ

إلاّ نبيْ

وفي البال من حسدوني

على رحلةٍ في أثيرٍ

وكان حرياً بها أن تكون

على ظهر حادلةٍ أو بعيرٍ،

أقول تشفّوا

فعادوا شباباً يغنّي وخداً يثرثرْ

وعن غصة الشوق آثامُ رابعةُ العدوية تخبِرْ

أغنوجةُ الشِّعر والغد تغوي وتسحرْ

سنةً وثمانية أشهرْ

كنت أنبش عمرَ الترابِ

على أملٍ أنْ سأهديه قبري وأبقى أُصرُّ وأحفرْ

كان للكون معنى التقيُّؤ

والثلجُ عند حلول الشتاءِ

يمورُ بدربي

يفورُ بقلبي ويُصهِرْ

سنة وثمانية أشهرْ

صنعت لكأسي في بَرِّ رأسي صومعة

يتعبد فيها الشياطينُ خلفي

برغم اضطرابي وضعفي

وكافأتُ إبليسَ إذ زارني بثياب رسولٍ

وعلَّمني أن أمدّ القطيع وأنحَرْ

فويلٌ لمن يمنع العامري عن الويل، ويلٌ

فكل الخلائق عاريةٌ في حسابي

وما من إلهٍ يصلّي له الناسُ

إلا وضَعتُ مفاتنه تحت مجهرْ

تورطتُ كالظبي حين تسللتُ خلف الحدودِ

لألقى هنا بدلَ السلم والحلم ربَّ الجنودِ

تُرى هل لعبتُ قماراً لأخسرْ ؟

سنةٌ وثمانية أشهرْ

كقرنٍ أضيفت إليه ثلاث دقائقْ

فأمّا الدقائق فهي استراحة تبغٍ

تظاهرَ في الجوِّ والجوُّ شائقْ

أدخِّنُ ثم تسير القرونُ

مضمَّخةً بشهيِّ الحرائقْ

وها صرتُ وحدي نصيرَ الكلام المبعثَرْ

سنةٌ وثمانية أشهُرْ

محزنٌ أن تعيشَ على الأرض فأراً

ومن قبلُ قد عشتَ ليثا

هواناً وظلماً وعسفاً عانيتُ كامرأةٍ من بلادي

وما ليس بالحرف يُرثى

فأتعسُ ما يفعل المرء في موطني

أن يُغافلَ أقدارَهُ لحظتين

ليولدَ أنثى

وما خفيَ اليومَ يُدمي الخيالَ ويقهرْ

سنة وثمانية أشهرْ

ويوماً تساميتُ،

كان دمي يتمادى مشاعرَ عارمةٌ

وإذا بالزمانِ مباهجُ ناعمة

والمكانِ مطيعٌ كخادم قصرٍ مُسمَّرْ

حيث تجلبُ عاصفتي الغدَ حلماً كثيفاً

كما الأبنوس،

وما احتاجتِ الذكرياتُ لغير صلاة إلى لا إلهٍ

وقَدحةِ نبضٍ لتسعرْ

سنةٌ وثمانية أشهرْ

قرية مثلَ ليلة أنسٍ تهادت بأنغامِ موزارتَ

لكنْ لغيرك يا مَن ستحيا لتسهر !

لا أبالي فعندي الذي هو أبقى وأسمى

وأبلغُ نجما

فإن رفرفوا بالندى فهنيئاً

فروحيَ أصل الندى ونداي أغنُّ

ويرسمني في الحدائق رسما

نهاري نهارٌ وليلي يفوح نهارا

يدُ العجز كانت تصافح سجني انبهارا

وترفعني لشهابٍ لكي أتقن الموت ملحمةً

فأصاحبه من عَلٍ ثم نسجد في أي ركنٍ من الأرضِ

ما أجملَ الراحلين انتحارا

وأي المسالك أقصرْ ؟

كوابيسُ أعرضها في المزادِ

لمن يشتريها

ويرشفها في سريري من غير سُكّرْ !

ــــــــــــــ

بانتظار منحه الإقامة عاش كاتب السطور منذ بداية عام 1985 حتى شهر آب من عام 1986 في قرية ألمانية تقع على حدود النمسا اسمها فلس هوفن وهي قرية يقطعها نهر الدانوب الأزرق وكان الوضع مزرياً جداً.

ـــــــــــ

برلين

تموز ـــ 2020

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close