هل من مغزى لزيارة ظريفي للعراق؟

كاظم حبيب
هل من مغزى لزيارة ظريفي للعراق؟
لم تكن زيارة ظريفي، وزير خارجية إيران للعراق لمجرد تقديم التهاني إلى رئيس الوزراء الجديد، مصطفى الكاظمي، بمنصبه وبتشكيل مجلس الوزراء الجديد، بل جاء بتهديدٍ مبطنٍ من جهة، وصريحا صارخا من جهة اخرى، إذ اقترن بتوجيه الميليشيات الطائفية الشيعية الإيرانية العاملة في العراق، وفي مقدمتها ميليشيات كتائب حزب الله والنجباء وفيلق بدر وعصائب أهل الحق.. الخ، خمسة صواريخ كاتيوشا ضد مواقع السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ببغداد على مدى يومين متتاليين اثناء وجود ظريفي ببغداد، لاسيما وان الكاظمي كان على وشك السفر لزيارة السعودية، باعتبارها العدو اللدود لإيران والحليف المستمر للولايات المتحدة “الشيطان الأكبر”، والخصم الدائم لإيران في المنطقة. فالكاظمي لم يبدِ تهالكاً وتهافتاً على تقديم الولاء لإيران وولي الفقيه كما فعل جميع رؤساء الوزارات السابقين، بخلاف د. أياد علاوي، ولم يقم بزيارة طهران لتقديم الولاء التام وتقبيل يد ولي الفقيه الإيراني علي خامنئي، بل قرر زيارة السعودية أولاً، ثم إيران فالولايات المتحدة الأمريكية. أغاض هذا الموقف القيادة الإيرانية جداً، فكيف يجرأ رئيس الدولة العراقية الهشة وشبه المستعمرة للدولة الفارسية والمسيطر عليها من دولتها العميقة وميليشياتها المسلحة ومكاتبها الاقتصادية والأمنية بقيادة من قال يوماً “أخذناها بعد ما نعطيها، هو ليش أكو واحد یگدر يأخذها”!، على مخالفة القاعدة التي كرسها النظام السياسي الطائفي الفاسد بقيام أي رئيس وزراء عراقي جديد تقديم الولاء التام لإيران من خلال زيارة قادتها والتعبير لهم عن التزامهم بما تأمر به إيران، بما في ذلك عرقلة تنفيذ كل الاتفاقيات والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية مع دول العالم، سواء أكان ذلك في مجال الطاقة الكهربائية ام إقامة المشاريع الصناعية وتنشيط إنتاج القائم منها، ام تطوير المنتجات الزراعية لصالح السوق الداخلي، لاسيما الاتفاقيات مع الدول العربية، ومنها مع السعودية ودول الخليج، أو مع ألمانيا بشأن الطاقة مثلاً، بهدف واضح هو أن يبقى العراق سوقا محتكراً للسلع والمنتجات الإيرانية أساساً، وكذلك للسلع والشركات التركية بالدرجة الثانية، لاسيما في إقليم كردستان العراق. لم تعد هذه السياسة الإيرانية واتباعها من الأحزاب والميليشيات الطائفية المسلحة وحشدها الشعبي، في العراق خافية على أحد، وابرز الشواهد على ذلك قطاع الطاقة الكهربائية حيث تمت حتى الآن عرقلة تنفيذ المشاريع المقررة ونهب المليارات من الأموال التي خصصت لهذا القطاع، وقدرها 65 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى هدر مليارات كثيرة أخرى، بل وتجميد حتى ما استورد من معدات وأجهزة لبناء هذا القطاع، لما يدره استيراد الطاقة الكهربائية من إيراد كربح سنوي خيالي لإيران، حيث يبلغ ملياري دولار سنوياً، وهي المحاصرة اقتصادياً من جانب الولايات المتحدة، حيث يشتري العراق كل كيلوا واط واحد تسعة سنتات من إيران، في حين كان العرض السعودي 2 سنت لكل كيلوا واط واحد، والفارق مليار و600 مليون دولار سنوياً في غير صالح العراق. هذا فقط في مجال الطاقة دع عنك تلك المئات من المليارات من الدولارات التي وصلتها بطرق غير شرعية من خلال الدولة العميقة وقواها داخل الدولة الهشة.
والان، بعد أن أُدخل الملك سلمان المستشفى، تقرر تأجيل الزيارة للسعودية لتبدأ من إيران، وهو أمر تمنته إيران، وأتمنى أن لا يغير من الموقف العام الجديد نسبياً في النهج الذي يطالب به الشعب العراقي والمنتفضون إزاء المطالب الإيرانية السيئة المعروفة لنا جميعاً.
العراق يواجه فعليا دولتين كبيرتين في المنطقة تسعيان لا إلى نهبه مالياً وتركيع حكومته وسلب إرادة شعبه وتهميش دولته فحسب، بل تمتد اطماعهما إلى التهام أجزاء من الجغرافية العراقية التي كانت يوما تحت السيطرة والاستعمار الفارسي والعثماني. إن هاتين الدولتين تحلمان واهمتين وبكل جدية بتحقيق انتزاع كل أو أجزاء من كردستان العراق والموصل من قبل تركيا من جهة، وجنوب ووسط العراق بل حتى بغداد من الدولة العراقية من قبل إيران من جهة أخرى، لتشكلان أجزاء من هاتين الدولتين الراغبتين في تجديد امبراطورتيهما القديمتين الباليتين. إن هذا الوهم الكبير المشترك للدولتين ينتج يومياً مشكلات هائلة للعراق وشعبه ولشعوب البلدين في إيران وتركيا ولشعوب منطقة الشرق الأوسط التي تغلي اليوم على مرجل ساخن.
إن من واجب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أن يقنعا إيران بكل السبل المشروعة بالتخلي الكامل عن عقيدة الخميني القائلة بتصدير “الثورة الشيعية الصفوية” الإيرانية إلى الدول ذات الأكثرية المسلمة وبقية دول العالم حيث يوجد مسلمون ومسلمات، والتي تثير الاضطرابات والنزاعات والحروب فيها، والتي تهدف إلى التوسع الإيراني على حساب أراضي الدول الأخرى، أولاً، وأن تقنع تركيا بالتخلي عن أطماعها التوسعية التي تحلم بإعادة سيطرتها على كثير من مناطق الدولة العثمانية البالية، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تتدخل يوميا في شؤونها الداخلية أو تحتل أراض في عدد منها، كما في سوريا والعراق وقبرص مثلاً ثانياً. بدون هذا التخلي ستبقى المنطقة تغلي وتتفجر بين فترة وأخرى على حروب إقليمية مدمرة، كما هو الحال في اليمين وسوريا وليبيا، على سبيل المثال لا الحصر، وستتسع الهجرة والبؤس والفاقة والموت في البحار والصحارى ومزيد من المآسي البشرية.
إن الشعب العراقي لا يطالب بأكثر من أن تُترك ساحته لبناته وابناءه، أن تتخلى كل من إيران وتركيا عن التدخل في الشأن العراقي، سواء أكان عبر الميليشيات المسلحة وقوى الأمن أم عبر وجود قوات مسلحة تركية تحتل مواقع في العراق، أو دولة عميقة تابعة لإيران تُسيَّر الأمور في بلاد الرافدين، أن تتخلى هاتان الدولتان المارقتان عن تصدير الأزمات ونهب الموارد وعرقلة التنمية الوطنية وتشويه وجهة التطور والتقدم المنشودين في البلاد.
إن انتفاضة أكتوبر 2019 المجيدة لم ولن تكف عن استمرار فعلها الثوري المميز، والذي لم يعرفه تاريخ العراق في العقود المنصرمة، حتى يتحقق للشعب العراقي ما يسعى إليه ويحقق إرادته في ممارسة سياسة وطنية ديمقراطية حرة ومستقلة، ليبني دولته الديمقراطية العلمانية والحكم الدستوري الديمقراطي والمجتمع المدني الديمقراطي الحر، ويسلك سبيل العلم والمعرفة والعقلانية لتقدم البلاد وازدهاره وسعادة وهناء الشعب بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وفلسفاته واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية..

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close