صالح الحلي مجاهدا وخطيبا .. لماذا وقفت مرجعية النجف ضد الخطيب الوطني السيد صالح الحلي؟ ١٩٢٠ .. دراسة في وثائق الاستخبارات البريطانية تنشر لأول مرة بعد مرور مئة عام.

صالح الحلي مجاهدا وخطيبا

لماذا وقفت مرجعية النجف ضد الخطيب الوطني السيد صالح الحلي؟ ١٩٢٠

دراسة في وثائق الاستخبارات البريطانية تنشر لأول مرة بعد مرور مئة عام.

قبل الإجابة على السؤال لابد من معرفة مواقفه الوطنية. ولد السيد صالح الحلي في مدينة الحلة وتوفى في عام ١٩٤٠ وكان عمره سبعين عاما. وقد برع في الخطابة وكان فصيح اللسان وشاعرا. وله القدرة في اقناع المتلقين ببراعة وبإثارة. وله مواقف وطنية في مقاومة الاحتلال البريطانية وقد تحدثت عنه التقارير البريطانية عن نشاطه في ثورة التحررية١٩٢٠. واني في هذا المقال الوجيز لا اميل الى مناقشة الآراء وما كتب عنه في صراعه مع المرجعية معتمدا على الوثائق البريطانية.

لقد كانت ثورة ١٩٢٠ احدى وسائلها المسموعة الخطباء والشعراء في تحريك الجماهير في المساجد (السنية والشيعية) ومن نفس المنبر يصعد الخطيب السني ويليه الخطيب الشيعي وبالعكس وكان أشهر خطباء الثورة من مدينة الحلة وقد أوكلت الى السيد صالح الحلي الذهاب الى مدينة بعقوبة. ورد في التقارير الرسمية البريطانية ما يأتي: ـ (لكن محاولة مقصودة لتحريك بعقوبة لنفس الاساليب التي اتبعت في بغداد؛ قضي عليها في مهدها بتوقيف السيد صالح الحلي؛ كان قد أرسل الى بعقوبة لإقامة الحفلات الدينية. وكان واحد من المنفيين.

لقد كان السيد صالح ظاهرة فردية بين اقرانه المنفيين …!

كانت كربلاء اول مدينة تعرض احرارها للنفي وثم مدينة الحلة. واما النجف يذكر مؤرخي الثورة (الحسني وكمال الدين) وقرروا الحكام نفي ثلاثة من اكابر الحركة الوطنية هم الحجة الكبير الشيخ عبد الكريم الجزائري والشريف السيد نور الياسري والشريف السيد علوان السيد عباس الياسري. غير ان معاون حاكم النجف حميد خان ناقشهم في هذا القرار وأفهمهم أنه لو نفذ لكان سبباً في نشوب الثورة العامة ؛ لما للشيخ الجزائري من المركز الديني ؛ وللسيد نور من الشرف العالي ؛ وللسيد علوان من النفوذ لدى العشائر . فأجل الحكام حينئذ قرارهم.

وكان أكبر عدد للمنفيين من بغداد وبلغ عددهم سبعة عشر منفيا. وكانت الدفعة الاولى للمنفيين في منتصف أيلول ١٩٢٠ والثانية بعد عشرة أيام. وأرسلوا الى جزيرة هنجام التي تقع في الخليج العربي إلا السيد صالح الحلي. وتقول احدى فقرات تقارير الاستخبارات ((إشارت الى السيد صالح الحلي واحتجازه في البصرة؛ فقد التمس شيخ البصرة أن يطلق مؤقتا لغرض قراءة تعزية محرم كما جرت العادة في السنوات الماضية. فأطلق سراحه على مسؤولية شيخ المحمرة (الشيخ خزعل) الذي تعهد أن يأخذه الى قصره ليقرأ التعزية ويقيم هناك. ويبدو ان قراءة التعزية هي التي شفعت له دون ان يرحل الى جزيرة (هنجام) مع المنفيين الاخرين.

ومن الملفت عما جاء في مقررات مجلس الوزراء للحكومة المؤقتة وبجلساتها المنعقدة من ٢٢\١١\١٩٢٠ ولغاية ١٧\١\١٩٢١ حول الطلب المقدم الى المندوب السامي بإعادة جميع المنفيين وإطلاق سراحهم. وكان من بينهم السيد صالح الحلي ومما يؤسف له حيث ورد في التقرير كان هو الوحيد من بين المنفيين على ان يؤجل أمره حتى وصول المعلومات اللازمة عنه.

وتجدر الاشارة ان مصطفى بيك الأطرش (بغداد) حينما داهمت الشرطة داره بعد نفيه عثرت في حوزته على الصحف المتنوعة ؛ من الصحف المصرية والدمشقية والتونسية والهندية والمقدسية وجميع الصحف العراقية ( العراق ؛ العرب ؛ بصره تايمز ) وهذا يعني ان العاملين في الحقل الوطني كانوا يتابعون كل شيئٍ ما يدور حولهم .

تفسيرات الصراع..

لقد اختلف البعض في تفسير صراعه مع المرجع السيد أبو الحسن الاصفهاني الايراني. هنالك من قال شعوره القومي ضد الشعوبيين من الايرانيين. واني شخصيا سمعت حكاية أخرى من أحد أساتذة كلية الفقه (النجف) في التفسير في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم. ان سبب تحريم الاصفهاني الاستماع الى السيد صالح كان يدخن في خطبه على المنبر. لكن تقارير الاستخبارات قدمت حقيقة مختلفة عن سبب اصدار التحريم ضد الحلي؛ وهذا نصها: ـ جمع اموال لبناء حسينية في العمارة. رفض الاصفهاني دعمه؛ وعندئذ شرع سيد صالح بنقده في المواعظ العامة. ونتيجة الى ذلك أعلن الاصفهاني انه من المحرم على السيد صالح تقديم الموعظة وعلى أي شخص أن يستمع الى أحاديثه. واخيرا اتفق الشيخ أحمد كاشف الغطاء وجماعته على إلغاء بيان الاصفهاني؛ وأعلنوا أنه شرعي للسيد صالح اعطاء الموعظة. ويقال ان الحادث أثار شعورا سيئا بين الجماعتين.

وكان التقرير قد كتب في نهاية عام ١٩٢٦ وكشف لنا أسماء المتصارعين في حلبة الحلي وعنوانه (انشقاق بين علماء النجف). وجاء فيه؛ استخبر ان علماء النجف منقسمون الى فريقين

أ. الشيخ احمد كاشف الغطاء؛ الشيخ باقر ال قاموسي؛ الشيخ مشكور؛ السيد محمد فيروز آبادي؛ الشيخ عبدالله مقيقهاني ؛ السيد أحمد بن السيد كاظم اليزدي ؛ الشيخ حسن جواهر

ب. فريق السيد ابو الحسن الاصفهاني ومرزا حسين النايئني: ابو الحسن الاصفهاني؛ مرزا حسين النايئني ؛ الشيخ ضياء العراقي ؛الشيخ جواد الجواهري ؛ الشيخ مهدي بن الاخونده ؛ الشيخ عبدالكريم الجزائري.

وقد ختم التقرير عن هذا الانشقاق بالنص التالي 🙁 وقد تأكدت الخلافات في الرأي مؤخرا حول قضية السيد صالح الحلي مع ابو الحسن الاصفهاني.)

ويعتبر السيد صالح الحلي ظاهرة فردية في تاريخ الخطباء وهو اول من ينتقد تصرفات المرجعية واموال الحقوق الشرعية التي تصرف في غير محلها. ولا يخفى ان مهمة الخطباء هي تعظيم المراجع الدينية الذين ابتلاهم الله بالحسد فيما بينهم. وقد جعلوهم فوق المخلوقات وجعلوا لهم العناوين المقدسة وثمة تعظيم العنصر الفارسي في نفوس الأسود الأعظم من الناس. وبنفس الوقت ان فتوى التحريم كانت درسا وعبرة للخطباء. وان التعرض للخمس والحقوق الشرعية الاخرى وكيف تصرف وفي أي جيب توضع؛ هو خط احمر على المنابر ولكن الخرافة الدينية لا أحد معترض عليها في المنابر ولا فتوى تحريم. والغريب ان لوكيل المرجع يعطى الثلث من الخمس له. فان العلاقة بين المرجع ووكيله هي العلاقة المالية والثراء أكثر من كل شيئ. وكذلك بطانة المرجع جعلت نصيب الثلث من المحرمات الكبرى في خوض الحديث عنه بين الناس.

لقد تعرض المغفور له المفكر الاسلامي السيد محمد حسين فضل الله حملة مسعورة من الطفليين ومن اهل السرداب في النجف ومن الايرانيين واخرجوه من الملة لأنه دعى الى السجلات المالية المكتوبة للحقوق الشرعية وأين تصرف؟ وهو المرجع الوحيد الذي عمل بذلك. فلا تستغرب إذا ظهر الفساد في البر والبحر في العراق بما فعل المسرفون.

ويبقى القول ان السيد أبو الحسن الاصفهاني كانت له الرغبة في الحصول على المرجعية في وقت مبكر. وقد كشف تقرير للاستخبارات البريطانية في ربيع ١٩٢١ ((ان السيد أبو الحسن الاصفهاني إذا نال المرجعية سوف لا يرغب التدخل بالسياسة في العراق ولم يقف ضد البريطانيين)). اخيراً على القارئ الكريم ان يدرك لا يمكن ان يصبح أي فرد مرجعا دينيا إلا ورائه مخابرات وقوى دولية خلفه تصنع منه مرجعا ولكن بعد وفاته تجد في عقول المغفلين قصص من المعجزات عنه…!

عادل الياسري (مؤرخ) ـ أمريكا

المصدر: جهاد السيد نور الياسري في ثورة العراق التحررية ١٩٢٠ وصناعة الوطنية.
جميع الحقوق محفوظة للناشر (يمنع نسخ أي فقرة او نشر المقال في صحيفة أو أي موقع إلا بإذن الناشر)
Copyright ©2020 by Adel Alyasiry.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close