الغدير كلمة مختصرة

الغدير كلمة مختصرة، مروان خليفات

هذا مقال نشرته سابقا وأعيده مع زيادات مفيدة.

جاء النص القرآني موضحا موقعية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأمة، فقال تعالى: ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)
سورة الأحزاب، 6

وضح النبي هذه الآية فقال : ( ما من مؤمن الا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤا ان شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فانى مولاه )
مسند أحمد ، ج 2 – ص 334 – 35

ومعنى الأولوية في الآية وضحها أكثر من مفسر، قال الطبري : (النبي محمد أولى بالمؤمنين يقول: أحق بالمؤمنين به من أنفسهم ، أن يحكم فيهم بما يشاء من حكم، فيجوز ذلك عليهم… قال ابن زيد: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) كما أنت أولى بعبدك ما قضى فيهم من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدك جاز)
تفسير الطبري، ج21 ص 146

في نص الغدير الصحيح المتواتر ابتدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلامه بعد أن أخذ بيد علي فقال : ( ألستم تعلمون أنى أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى قال ألستم تعلمون انى أولى بكل مؤمن من نفسه )
فهو يذكرهم بموقعيته وحاكميته عليهم.

( قالوا بلى قال فأخذ بيد علي فقال من كنت مولاه )
أي من كنت أولى به من نفسه
( فعلى مولاه )
فعلي أولى به من نفسه

(اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال فلقيه عمر بعد ذلك فقال له هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة )
مسند أحمد ج 4 – ص 281

فجعل النبي عليا أولى بالناس من أنفسهم كما كان هو أولى بهم من أنفسهم، وهذه معنى الإمامة التي يتوهم البعض أنها الخلافة فقط.
إن دلالة النص من الوضوح بمكان، لولا التعصب والمكابرة والعناد.
مولى وخليفة.

كانت لي جلسة مع أحد الأخوة وهو من دولة فلسطين، بحضور بعض الأصدقاء، وقد قرأ وبحث كثيرا ووصل إلى قناعة بصحة النظرية الشيعية، ولكنه لم يصل إلى جواب لشبهة علقت في ذهنه.

قال : آمنا أن حديث الغدير نص على علي ع، ولكن لماذا لم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبارة واضحة الدلالة في كونه خليفة من بعده، حتى لا يقع هذا الاختلاف الذي نشهده بين أبناء الأمة ؟.

مما قلت في جوابه ـ حيث كان مقنعا له ـ : لسنا نحن من يقرر على رسول الله ما يقول وما لا يقول، فهو أفصح العرب وأفضل من نطق اللغة وهو معصوم مؤيد من الله يتبع ما يوحى إليه، فلا شك أن عبارته هي الأمثل والأجمل تؤدي غرضها بكل سهولة ووضوح، لكن بسبب بعدنا عن اللغة وفقدان الذوق الأدبي لدى أبناء الأمة صرنا نتعثر في فهم النصوص الدينية، ثم إن المذهبية لها دورها، فكثير من العلماء بذلوا جهدهم لصرف نص الغدير عن مراده بالقاء الشبهات وتمييع كلمات المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، فأدى هذا إلى بعض الحيرة التي سرعان ما تزول حين يدقق المرء النظر بانصاف وتجرد.

إن كلمة خليفة التي اقترحت قولها للدلالة على الامامة العظمى، هي مفردة تدل على منصب سياسي، حيث يتولى شخص منصب رئيس الدولة وينظم أمورها الداخلية والخارجية، وهذه المفردة لا تؤدي الغرض من التعيين الإلهي، فالله ورسوله لا يريدان خليفة يشغل منصب رئيس الدولة ويقوم بمهامه فقط، وإنما يريدان تعيين مرجعية سياسية ودينية، بل هو خليفة الله في الأرض. النبي كان تلك المرجعية في زمنه، وقد جعل صلى الله عليه وآله عليا أولى بالناس من أنفسهم، فقال ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) اي من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه، حيث جعل عليا في المنزلة التي هو بها، إلا أنه ليس نبيا يأتيه الوحي، فعلي تجب طاعته وهو أولى بالناس من أنفسهم كما هو حال رسول الله، وفي هذا ضمان لحفظ الدين من الدس والتحريف، ثم إن الأمر من بعده في ولده المنصوص عليهم كما هو مذكور ومفصل في كتب الإمامية .

ولو افترضنا ورود نص فيه كلمة خليفة الصريحة في مدلولها فهل كان القوم يسمعون له، وهل يأخذ بها المتأخرون من الباحثين عن النور والحق ؟
قال ابن حجر العسقلاني :”

وأخرج الترمذي (( بإسناد قوي )) عن عمران بن حصين في قصة قال فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي ” ..
الإصابة ، ترجمة الإمام علي ع.

وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزياداته ، ج 2 – ص 980
وصحح الحديث السابق : الحاكم والطبري والذهبي والبوصيري والصالح الشامي وشعيب الأرناؤوط وغيرهم …

فقوله : ( ولي كل مؤمن بعدي ) وا ضح في معناه لأن كل من ألفاظ العموم، فتعني أن عليا ع ولي كل المؤمنين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وروى ابن أبي عاصم في كتابه السنه بسند حسنه الألباني في تخريجه عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : ” أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، إِلا أَنَّكَ لَسْتَ نَبِيًّا ، إِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ أَذْهَبَ إِلا وَأَنْتَ خَلِيفَتِي فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي)
رقم الحديث: 986

فهذا نص معتبر وفيه لفظ خليفتي في كل مؤمن بعده، فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟!

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close