مزاد العملة بوابة فساد كبرى في العراق

أحمد السهيل

منذ أن بدأت تتضح بوصلة حراك رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، بات تركيزه على قضايا الاقتصاد جلياً، حيث يضع نصب عينيه أربع ملفات رئيسة وهي: ضبط المنافذ الحدودية ومحاربة الفساد وتفكيك نفوذ الفصائل المسلحة على المنافذ المالية وتدعيم الصناعة المحلية.

لكن الطريق نحو تلك الملفات يمر بالضرورة من بوابة البنك المركزي وتحديداً، ما يُسمى مزاد العملة، لذلك سيكون الكاظمي بحاجة إلى مساعدة محافظ “المركزي” علي العلاق.

لكن بوادر إحراز تقدم في هذا الملف، لم تتضح حتى الآن، مع حديث أعضاء في اللجنة المالية في البرلمان العراقي عن “استغلال” البنك المركزي لصلاحياته بوصفه “هيئة مستقلة” في عدم التعاطي مع الإشكالات التي تقوم السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بإثارتها.

وتتمحور الفكرة الأساس لمزاد العملة حول “بيع الدولار إلى المصارف الأهلية وشركات التحويل المالي لإدارة عملية استيراد البضائع” وتصل مبيعاته من الدولار يومياً إلى حدود 180 مليون دولار، لكن شبهات عدة تطال شخصيات سياسية نافذة بالوقوف وراء تلك المصارف لإدارة عمليات فساد.

وكانت وزارة الخزانة قد أدرجت مصارف عراقية – تتعامل مع المزاد – في لائحة العقوبات في أكثر من مناسبة.

وفيما يصف متخصصون بالاقتصاد مزاد العملة بأنه “واجهة استنزاف للدولار وفرصة لبعض المصارف التي تمتلكها جهات متنفذة لتحقيق أرباح كبيرة”، تتحدث غالبية التقديرات عن أكثر من 500 مليار دينار باعها البنك المركزي في عملياته اليومية المستمرة منذ عام 2003.

وتبقى قضية مزاد العملة مثار تساؤلات وشبهات، خاصة مع أحاديث متكررة عن قدرة واشنطن على ضبط الحركات المالية للبنك المركزي العراقي برمّتها، حيث تمر جميع التحويلات العراقية الكبرى عبر البنك الفيدرالي الأميركي.

ويتهم مقربون من إيران محافظ البنك المركزي بأنه أحد حلفاء الولايات المتحدة، نظراً للاستجابة السريعة التي يبديها كلما صدرت قرارات أو عقوبات من وزارة الخزانة الأميركية، لا سيما تلك التي استهدفت زعماء فصائل مسلحة على صلة بإيران.

ويرفض مقربون من العلاق تلك “الادعاءات”، ويشددون على إن إحدى أكثر مهام البنك المركزي تعقيداً هي المحافظة على تدفق الدولار إلى السوق المحلي ومنع حدوث إشكالات قد تتسبب بفرض عقوبات على العراق في حال عدم الاستجابة.

وتقول الخبيرة المختصة بالاقتصاد سلام سميسم إن “مزاد العملة بات واجهة لاستنزاف الدولار من العراق وفرصة تحقيق أرباح من مال فاسد لصالح جهات سياسية متنفذة تمتلك نفوذاً على مصارف محلية”.

وتضيف “ضوابط نافذة العملة لا تتوفر فيها درجات الشفافية اللازمة لمتابعة حاجة البلد الفعلية للاستيراد، وهذا يثير تساؤلات كبيرة عن مصداقية فتح الاعتمادات المتعلقة بالاستيرادات من خلال وزارة التجارة، ولماذا لا تقوم الجهات الرقابية بتتبع تلك العمليات”، مردفة، “لا نعرف بالضبط ما هو دور دائرة غسل الأموال في البنك المركزي في متابعة تلك القضايا”.

وتشير سميسم إلى أن أحد أسباب الإشكالية يتلخص بأنه “لا يمكن استثناء القيادات المصرفية داخل البنك المركزي وغيرها من اعتبارات المحاصصة”.

ونفى المدير العام لدائرة المحاسبة في البنك المركزي العراقي إحسان شمران، أن يكون للبنك صلة في أي عمليات مشبوهة أو إدارة تحويلات خارج الإطار العام لقوانينه، مبيناً أنه “بموجب قانون البنك المركزي فإن عملية بيع الدولار تتم من خلال ما يسمى البيع البسيط دون فرض أي تعقيدات ما دام الدينار سليماً”، وفق تعبيره.

وأضاف “المصارف التجارية تقدم طلب شراء الدولار لصالح زبائنها بموجب وثائق وإجازات استيراد تقدم لاحقاً، وبناء على ضوابط المصرف بالتحقق من سلامة الأموال بعدم وجود شبهات غسل أموال أو تمويل إرهاب، يقوم البنك المركزي باستلام الدينار من المصرف وإيداع المبلغ بالدولار لصالحه لدى المصرف الخاص بالمصدّر”، مردفاً “بعد مدة يقدم المصرف التجاري تقريراً للبنك بعملية الاستيراد”.

وفيما بيّن أن “الشبهات المتعلقة بعدم دخول بضائع مقابل المال المباع من البنك المركزي ترتبط بدوائر أخرى”، أشار إلى أنّ “وظيفة التقصي تعود إلى مؤسسات مهمة بينها السلطة الجمركية ووزارة التجارة التي تعطي إجازة الاستيراد والهيئة العامة للضرائب التي تمتلك مكتباً ضريبياً في الجمارك”.

ولفت إلى أنّ “أهم تلاعب يحصل في المنافذ الحدودية، حيث يجبر بعض الموظفين الزبون على تقليل الكميات المستوردة المسجلة”، مبيناً أن هذه العملية تؤدي إلى “أن يحصل الفاسدون على نحو أربعة أضعاف ما تحصل عليه الدولة من خلال الرسم الجمركي”، معبراً عن أمله بأن “تقوم هيئة المنافذ بمراقبة وضبط المخالفات وعمليات تغيير هوية البضائع المستوردة”.

وتداولت تقارير رسمية وصحفية أرقاماً هائلة فيما يتعلق باستيراد العراق لسلع تتجاوز حدود حاجته، فيما تبين الوثائق الرسمية أن بعض تلك المواد المستوردة تضاعفت بحدود ألف مرة عما كان العراق يستورده في سنوات سابقة بينها استيراد طماطم من إيران عام 2017 بقيمة 1.66 مليار دولار.

وفي السياق يشير شمران إلى أن “البنك غير متخصص في تقدير احتياج العراق من المواد الواجب استيرادها، وهي مسؤولية الجهات القطاعية ووفقها يتعامل البنك”، مبيناً أن “الجهة التي تصدر إجازات الاستيراد هي التي تحدد مدى حاجة البلد للسلعة المطلوب استيرادها وليس للبنك المركزي مسؤولية عن تحديد احتياجات البلد ليربط ذلك بمبيعاته”، موضحاً أن “العراق يعاني غياب نظام معلومات وطني”.

ولفت إلى أن العراق كان يربط أغلب الاستيرادات بموضوع “تقدير الحاجة للمستوردات”، وعلى ضوئها تصدر إجازة استيراد من وزارة التجارة وبناء على الإجازة يحوّل المركزي الأموال لكنها توقفت بعد عام 2003”.

وتابع شمران، “عمليات التحويل في البنك المركزي صارمة جداً وتحت رقابة البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الذي يمتلك قواعد صارمة في تتبع الأموال، فضلاً عن مكتب مكافحة غسل الأموال. وفرضنا على المصارف، تفعيل وحدات الإبلاغ عن عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب”، مردفاً “قصص الفساد بالإمكان تصديقها لو كان البنك المركزي يحمل الأموال من جهته ويعطيها إلى التجار بشكل مباشر وليس من خلال هذه الشبكة المعقدة”.

وعن أهمية نافذة بيع الدولار بيّن شمران أنها “تموّل احتياجات العراق من المستورد فضلاً عن تمويل احتياجات وزارة المالية من النقد العراقي”.

وختم أن “الاتهامات الواردة على البنك من قبل نواب ومسؤولين تؤثر على الثقة في مؤسسات الدولة وإهدار سمعتها، وهذا يسيء إلى العراق ويبعد فرص الاستثمار الخارجية”.

ويعود فتح باب الشبهات حول مزاد العملة إلى سنوات سابقة، حيث قدم رئيس اللجنة المالية في البرلمان العراقي الراحل أحمد الجلبي ملفات تتعلق بفساد في مزاد العملة عام 2015، وعلى إثره قام مجلس القضاء الأعلى بتشكيل هيئة تحقيقية قضائية، وقال بيان للمجلس في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، إنه قرر تشكيل هيئة تحقيقية قضائية للنظر في الوثائق المقدّمة من الجلبي، موضحاً أن “الوثائق تتعلق بقضايا غسل أموال وتهريب العملة الاجنبية المبتاعة من مزاد البنك المركزي العراقي”.

وأوضح البيان أن “الهيئة التحقيقية متكونة من قضاة محكمة تحقيق النزاهة والجريمة الاقتصادية، وأن الادعاء العام سيمثل أمام الهيئة التحقيقية لإبداء طلباته والمتابعة، وسينفذ هذا القرار اعتباراً من يوم 10/11/2015”.

, ,
Read our Privacy Policy by clicking here