أي عراق نبتغي بناءه

لا تزال الدول العربية ومن ضمنها العراق تبحث عن هويتها التي فرطت بها منذ دخول طلائع المستعمرين اثر اندلاع الحرب العالمية الأولى. لقد انتزعوا هويتها العربية الإسلامية قسرا اثر سقوط الدولة العثمانية. قاد المستعمرون البريطانيون والفرنسيون غزوا ثقافيا مبرمجا لفصل العربية عن الاسلام. ثم عملوا جاهدين لجعلها لغة عنصرية مختصة بعرق معين. لقد عملوا لشيطنة عقيدة الامة وتسفيها. فاحلوا محلها عقائد وطنية متناقضة لدى شعب واحد. وفسحوا المجال الواسع لدخول العقائد الايديولوجية للدول الاجنبية المستعمرة كبريطانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا والصين. تبين فيما بعد ان هذا الصراع مبرمج كي يستمر طويلا وملئ بالفخوخ والالغام القاتلة للشعوب والمدمرة للبلدان وتسير بالمنطقة إلى الضياع ومزيد من التمزق والتشتت والتفتت ايذانا للانهيار الكبير. لقد ادخلت اتفاقية سايكس بيكو المنطقة العربية في نفق مظلم لم تخرج منه حتى هذه اللحظة. ثم تم الشروع في تكوين قاعدة استعمارية عنصرية دائمة في قلبها عبر وعد بلفور لتاسيس الكيان الصهيوني في فلسطين. كان ذلك الكيان ولا يزال يعمل على مراقبة تحركات دول المنطقة ومنعها من أي محاولة لنيل الحرية والاستقلال الحقيقيين لشعوبها.
في هذه الأجواء تأسست ما تسمى الدول الوطنية التي يفتفد معظمها إلى امكانية الاعتماد على نفسها. وربطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمعاهدات مكتوبة أو غير مكتوبة مع الدول الاستعمارية. لقد تم رسم حدود تلك الدول بحيث يبقى الصراع الاجتماعي بين شعوبها قابل للانفجار متى شاءت تلك الدول الاستعمارية (سنة شيعة علويين دروز زيديين اباظية أو عرب اكراد تركمان امازيغ الخ). اضافة الى خلق بؤر توتر حدودية تنفجر بين فترة واخرى وفق ارادة المستعمرين. لناخذ العراق كمثال لتلك الدول العربية. لنرى حجم التخبط الذي قاد ويقود هذه الدولة إلى الانهيار فالردى
لقد تصرف البريطانيون بالعراق اثر احتلالهم له في الحرب العالمية الأولى كغنيمة حرب. فقد كانوا يخططون حدوده وفق مصالحهم مع جيرانه. ينهبون ثرواته ويضمون أو يتنازلون عن ارضه كما يحلوا لهم ولعل مسالة مساومة تركيا لضم الموصل للعراق او حرمانه من ممر مائي عبر وهب خور عبدالله وجزيرة بوبيان للكويت أكبر دليل. في 14 تموز 1958 تغير المستعمر البريطاني إلى المستعمر الروسي الذي جلب للعراق حكاما دكتاتوريين اضاعوا حرية العراق. استغل العسكر الاوضاع السياسية المواتية لتثبيت خياراتهم اسيادهم المستوردة من الأنظمة الشيوعية شرق أوربا. لقد اهرقت طيلة تلك الفترة الكثير من الدماء واذكيت الصراعات الحزبية وهيمنت على المشهد ثقافة استئصالية شيوعية تقودها موسكو أو بكين وابتعد الشعب تماما عن محيطه العربي الاسلامي.
ثم جاء عهد الفوضى الارهابية بعد احتلال العراق عام 2003. اختارت أمريكا وانتدبت اذنابها العراقيين لحكمه من الإسلاميين والليبراليين واليساريين. هذه المرة كانت قاصمة ومدمرة إذ فرطت الطبقة السياسية التي هيمنت على العراق باستقلاله حتى الصوري وقضت تماما على الصناعات بشتى اشكالها. وفتحت الاسواق للبضائع الاجنبية لافشال الزراعة. لقد عبثت اؤلئك الاذناب بتاريخ وجغرافية وحضارة ودين وعروبة العراق. تاسست راسمالية فوضوية متوحشة سحقت اغلب الطبقات فعاد الوطن الى العصر الحجري.
يبحث العراق الان عن هوية بعد أن فقد كل شئ وخرج من محيطه العربي الاسلامي. فبات يسبح في اجواء الطائفية والعشائرية والمناطقية والحزبية.
في نهاية المطاف نعود من حيث بدانا بالتسائل عن أي وطن نريد بناءه بعد رحلة المائة عام ونيف. لقد فشل الملكيون من احداث نهضة حقيقية للسير على طريق بناء هوية للدولة التي كانوا يعتزمون بناءها. وفشل من بعدهم الاحزاب كالشيوعيون والقوميون والبعثيون والاسلاميون من فهم حضارة الشعب وسلوكهم الاديولوجي المستورد من خارج عقائد الشعب العراقي. علما بان كل الامم في شرق الأرض وغربها تقدمت وتحضرت بعد أن تبنت طريقا فكريا عقائديا واضحا. العراق هو الاخر ينبغي أن يعتمد على مواطنيه المخلصين الاحرار. لبناء عراق جديد ورسم خارطة طريق تأخذ بنظر الاعتبار تجارب الاسلاف من حمورابي وسومر واشور إلى عمر وعلي مرورا ببعض تجارب العباسيين والعثمانيين. كي يصلوا إلى طرح تجربة عراقية نابعة من جوهر عقيدة المجتمع. تتمثل في اسلام منفتح عادل متسامح يتعاون مواطنيه على العمل المشترك لوطن مدني قوي بعيدا عن التعصب الديني والقومي. أخيرا لا يمكن أن يحدث أي تغيير دون ان تتغير الانفس من خلال اصلاح أخلاقي يتمثل في الصدق والامانة وتقديس العمل والابتعاد عن شهادة الزور والفساد والغش. “ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
الدكتور نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close