مرحباً بالعزلة (بقلم: الفيلسوف الإيطالي سيرجيو بنفينوتو)

مرحباً بالعزلة
بقلم: الفيلسوف الإيطالي سيرجيو بنفينوتو
ترجمة: د. رمضان مهلهل سدخان
أنا لستُ عالِماً في الفايروسات ولا عالماً في علم الأوبئة، ولكن الفكرة قد اختمرت في ذهني وهي أنه – على الرغم من أنني تخطيتُ السبعين من عمري، وبالتالي فأنا من بين أكثر الفئات عرضة للإصابة – لا يتملّكني أيّ خوف من فايروس كورونا على صحتي. “فأمر صحتي”، لأسباب تتعلق بالاحتمالية ليس إلاّ، يشبه عندما أسافر على متن طائرة: يمكن أن تتحطم، ولكن هذا الأمر مستبعد كثيراً. في الواقع، مات حتى الآن [أي حتى 2 آذار 2020] حوالي 3000 [1] شخص في جميع انحاء العالم نتيجة لهذا الفيروس. من الناحية العملية لا يعدل هذا الرقم شيئاً مقارنة بـ 80.000 ممن قضوا بسبب الأنفلونزا الشائعة في العام 2019. إن أولئك الذين ماتوا في إيطاليا بسبب الوباء (أكثر من 50 [2] شخصاً حتى كتابة هذا التقرير [أي حتى 2 آذار 2020) ربما يكونون أقل من أولئك الذين قتلوا في حوادث السيارات بالإضافة إلى الوفيات بين العمال. باختصار، أنا لستُ خائفاً من العدوى، لكنني أكثر قلقاً بشأن ردة الفعل السلبية الاقتصادية لبلد مثل بلدي، وهو في تراجع مستمر منذ التسعينيات. وبرغم كلّ هذا، فإن الفقر يقتل أيضاً.
لكنني أعلم أيضاً بأن تجاهلي النسبي، على الرغم من أنه تجاهل عقلاني، هو أمر يستحق الشجب من الناحية المدنية: لو كنتُ مواطناً صالحاً، لتوجّبَ أن أتصرّف كما لو كنتُ مذعوراً. ولأن كلّ ما يجري القيام به في إيطاليا (من إغلاق المدارس والملاعب والمتاحف والمسارح وما إلى ذلك) له وظيفة وقائية بحتة، إنه يبطئ انتشار الفيروس ليس إلاّ. فهو [أي الفايروس] يتلاعب بمشاعر أعداد كبيرة، لكنه يستقطب اهتمام كل كائن بمفرده.
إن الذعر الذي أصاب إيطاليا (ولكن ليس فقط في إيطاليا، فجميع أنحاء العالم لا يتحدث الناس عن أي شيء آخر غيره) هو في الأساس خيار سياسيّ – أو خيار بايوسياسيّ، كما يؤكد روبرتو إسبوزيتو – جعلتْه منظمة الصحة العالمية أولى أولوياتها. ولأنه اليوم، في عصرٍ إذ تُنتج فيه الديمقراطياتُ الكبرى قياداتٍ بشعة، فإن المنظمات الكبرى التي تتجاوز الحدود الوطنية مثل منظمة الصحة العالمية – ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوربي، والبنوك المركزية الأخرى، وما إلى ذلك – (لحسن الحظ) هي التي تتخذ القرارات الحقيقية، وبالتالي تقلّل من حدّة النزوات الفاشية الجديدة في ديمقراطيات اليوم. وقد صرّح تيدروس أدهانوم، الإثيوبي الذي يشغل منصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، بضرورة الوقاية: فهو يعلم بأن كوفيد-19 في الوقت الحالي لا يتسبب في وقوع كوارث وأنه ربما في النهاية قد لا يعدو أكثر من انفلونزا خبيثة. لكنه يمكن أن يتحول أيضاً إلى ما آل اليه ما يسمى بالإنفلونزا “الإسبانية” في العام 1918: الذي أصاب هذا الأخير ثلث سكان الكوكب وتسبّب في وفاة ما بين 20 و 50 مليون شخص، وهذا العدد من الضحايا هو أكبر من الضحايا البشرية في جميع المعارك العسكرية اثناء الحرب العالمية الأولى. بعبارة أخرى، أن ما هو مخيف حقاً ليس ما نعرفه، بل ما لا نعرفه عن هذا الفايروس، إذ ليس هناك سوى النزر اليسير الذي نعرفه عنه. إننا نتعرف عليه يوماً بعد يوم، وهذا من شأنه أن يخلق القلق – غير المنطقي طبعاً – من المجهول.
لاحظ بأنه في حالة الإنفلونزا الإسبانية، تصرّفت السلطة السياسية بالطريقة المعاكسة تماماً لما تقوم به اليوم: فقد أخفت الوباء، لأنه في معظم الحالات كانت الدول المعنية في حالة حرب. وسميت بالإنفلونزا “الإسبانية” ببساطة لأنه في ذلك الوقت فقط في إسبانيا، التي لم تكن في حالة حرب، تحدثت وسائل الإعلام عنها (ولكن على ما يبدو أن الإنفلونزا نشأت في الولايات المتحدة). أما السلطة السياسية اليوم (والتي، أؤكّد مرة أخرى، تتخطى الحدود في الاقتصاد أيضاً) فقد اختارت استراتيجية بثّ الذعر، من أجل تشجيع الناس على عزل الفايروس. وبالفعل، فإن عزل المصابين يبقى، بعد قرون، أفضل استراتيجية لكبح جماح الأوبئة المستعصية. مثلاً تمّ احتواء الجذام في أوروبا – كما يؤكّد ذلك فوكو أيضاً – بالضبط عن طريق عزل المصابين بالجذام قدر الإمكان، وغالباً بإنزالهم في جزر بعيدة، مثل مولوكاي في هاواي، حيث جرى تصوير أفلام مختلفة.
في شهر آب من العام 2011، كنتُ في نيويورك عندما كانت على وشك أن يضربها إعصار إيرين، الذي دمّر جزر الأنتيل سابقاً. لقد هالتني الطريقة التي أرسل بها الخبراء والسياسيون في وسائل الإعلام جميعهم بصراحة رسائل كارثية تماماً للمواطنين مفادها: “ستحلّ كارثة كاملة – والسبب هو –لأن سكان نيويورك لا يمكنهم أن يهتموا أدنى اهتمام، فهم متعجرفون”. ولكن اتضح بأنهم اتبعوا الإرشادات بدقة (حتى أنا أخليتُ حديقتي امتثالاً للإرشادات) وعبرَ إيرين نيويورك من دون التسبّب في أي ضرر. إذن، هل أخطأ هؤلاء الخبراء والسياسيون في كل شيء، أم هل أنهم كانوا يمزحون قليلاً عن طريق ترويع سكان نيويورك؟ لا، فقد جرى تجنّب الكارثة. في بعض الحالات، يمكن أن يكون نشر الرعب أكثر حكمة من أخذ الأمور “على محمل فلسفيّ”.
لنتخيل بأن إيطاليا ككل – من وسائل الإعلام إلى المسؤولين الحكوميين – قد اختارت الاستراتيجية “الإسبانية”، عبر عدم اتخاذ أية احتياطات والسماح لكوفيد-19 بالانتشار في جميع أنحاء البلاد مثل الأنفلونزا العادية. فإن كل دولة أخرى، بما في ذلك الدول الأوروبية الأخرى، كانت ستعزل إيطاليا على الفور، معتبرة الدولة بأكملها مرتعاً للوباء: وهو شيء كان من شأنه أن يتسبب في أضرار اقتصادية أكبر بكثير من تلك التي تتحملها إيطاليا الآن. عندما يشعر الآخرون بالخوف – على سبيل المثال الإسرائيليون والقطريون، الذين منعوا الإيطاليين من دخول بلادهم – فإنه من الأفضل أن نخاف نحن أيضاً. أحياناً يكون الشعور بالخوف نامّاً عن الشجاعة.
ولنتخيل ذلك المآل، بأنه سُمِح لـ 20 مليون إيطالي بالانتشار على سجيتهم ليصابوا بالفايروس: إذا كان ذلك صحيحاً، كما تشير التقديرات الأولية، فإن كوفيد-19 يكون مميتاً لـ 2 ٪ من المصابين، وهذا قد يؤدي إلى وفاة حوالي 400.000 إيطالي، معظمهم من كبار السن. وهذه فرضية لا يعدّها الكثيرون سلبية تماماً، لأنها ستسمح لنظام رواتب المتقاعدين لدينا بالتنفس: لماذا لا نقلّل عدداً من كبار السن في بلدٍ يشيخ في كل دقيقة؟ هذا هو ما يفكرون فيه من دون أن يقولوا ذلك. لكنني لا أعتقد بأن الرأي العام كان سيقبل بـ 400.000 حالة وفاة. لأن المعارضة ستشتد، وسيطاح بالحكومة من خلال الرفض الشعبي، وسيفوز زعيم اليمين المتطرف سالفيني في الانتخابات بنسبة 60٪ على الأقل من الأصوات الشعبية. باختصار، فإن التدابير الاحترازية التي جرى اتخاذها، مهما كانت مؤلمة – لاسيما بسبب الأضرار الاقتصادية – هي أهون الشرين.
لذا، فإن الإجراءات التي جرى اتخاذها في إيطاليا ليست، كما يقول أحد الفلاسفة المفضلين لدي، جورجيو أغامبين، نتيجة للغريزة الإستبدادية للطبقات الحاكمة، الذين لديهم شغف عميق تجاه “حالة الطواريء”. وعند التفكير بأن التدابير المعتمدة في الصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا وما إلى ذلك هي نتيجة لمؤامرة فهذا يعني الوقوع في ما أسماه الفلاسفة الآخرون بـ “نظريات المؤامرة التاريخية”. يروق لي أن أسميها التفسيرات المجنونة للتاريخ، مثل الملايين الذين يعتقدون بأن حادثة 11 أيلول كانت مؤامرة دبّرتها وكالة المخابرات المركزية. مثلاً عاملة المنزل لديّ، وهي امرأة دمثة الخلق، مقتنعة بأن الوباء كان من تدبير “العرب”، وأعتقد بأنها تعني المسلمين. سواء كنّا متأثرين بحلقتنا الصغيرة أم بكارل شميدت، وسواء كنا جاهلين أم متعلمين للغاية، فإن الكثير منا يحتاج إلى إيجاد ناشري أوبئة لنا.
أنا مندهش في كثير من الأحيان كم مرة يحتاج العديد من الفلاسفة إلى تذكيرهم بشيء ما، على حدّ تعبير هاملت، وهو أن: هناك سياسات في السماء والأرض أكثر مما يُحلَم به في فلسفتهم.
عندما أقول بأنني مقتنع بأن هذا الوباء سينتج كوارث اقتصادية أكبر بكثير (أزمة مثل تلك التي حدثت عام 2008؟) من الكوارث الطبية، فإنني أنظر من منظور متفائل، يمكن دحضه في الأيام القادمة.
وابتداءً من يوم غد، أنا أيضاً، وإن بدا الأمر مضحكاً إلى حد ما، سأحاول أن أكون مواطناً صالحاً. إذ سوف أتجنب بعض الأماكن العامة، ولن أصافح الأشخاص الذين سألتقي بهم. أنا أعيش في روما، لذلك لن أقوم بزيارة الأصدقاء في الشمال وسأثنيهم عن القدوم لزيارتي.
وبعد كل هذا، فإن آثار هذا الوباء ستعزّز نزعة كانت سائدة على أية حال، والتي كان أحد اوجهها هو “العمل عن بعد” أو “العمل من البيت” وتجنّب المكتب. سيكون أقل شيوعاً بالنسبة لنا أن نستيقظ في الصباح ونستقل المركبات العامة أو الخاصة للوصول إلى مكان العمل؛ اذ سوف نعمل أكثر فأكثر على أجهزة حواسيبنا من منازلنا، والتي ستصبح أيضاً مكاتبَنا. وبفضل ثورتَي الأمازون والنتفليكس، لن نكون بحاجة بعد الآن إلى الخروج للقيام بالتسوّق أو الذهاب إلى المسارح لمشاهدة الأفلام، ولا لشراء الكتب في المكتبات: سوف تختفي المتاجر والمكتبات (للأسف) وسوف يتم إنجاز كلّ شيء من المنزل. ستصبح الحياة “حميمية” hearted أو “بيتوتية” homeized (نحن بحاجة بالفعل للتفكير في الألفاظ الجديدة). سوف تختفي المدارس أيضاً: باستخدام وسائل مثل سكايبي، سيتمكن الطلاب من حضور دروس معلميهم من المنزل. وهذه العزلة المعمَّمة التي يسبّبها الوباء (أو بالأحرى، تسبّها محاولات منعه) ستصبح طريقتنا المعتادة في العيش.
*** *** ***
سيرجيو بنفينوتو (مواليد عام 1948 في نابولي، إيطاليا): محلل نفساني وفيلسوف ومؤلف إيطالي. هو أيضاً باحث في معهد العلوم والتقنيات الإدراكية التابع لمجلس البحث الوطني الإيطالي في روما. كما أنه استاذ فخري في التحليل النفسي في المعهد الدولي لعلم نفس العمق في كييف. أسّسَ وحرّر مجلة التحليل النفسي الأوربية.
المصدر: مجلة (European Journal of Psychoanalysis)، عدد آذار 2020.
[1] قفزَ هذا الرقم الى 800.000 حالة وفاة، وتوجد حتى الآن 23 مليون حالة إصابة مؤكدة، و 15 مليون حالة شفاء (حتى 23 آب 2020). [المترجم]

[2] ارتفع معدل الوفيات في إيطاليا الى 35.430 شخصاً (حتى 23 آب 2020). [المترجم]

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close