طباشير سقوط الديمقراطية الأمريكية والاسرائيلية

بات صراع وتنافس القوى الاقليمية والقوى العظمى لا يفسح أي مجال مناورة للدول الضعيفة. كي تتمتع ولو بهامش من حرية الحركة. اضحى العالم اليوم غابة القوي ياكل فيها الضعيف. الموازين اليوم واحترام السيادة والاستقلال لأي بلد يتعلق بقوته المادية. لا أحد يقيم وزنا لحضارة هذا البلد أو ذاك ولا إلى ثقافته أو دينه أو لغته أو عرقه. عالم القوة العسكرية والإقتصادية هو الذي يهيمن على مقدرات عالمنا.
فالاغلبية من شعوب الارض تتغنى بالديمقراطية الأمريكية وتخفي عيوبها لأن أمريكا اقوى بلد في العالم رغم ان ديمقراطيتها يكتنفها الكثير من الضعف وتحابي طبقة اجتماعية بعينها. اما اسرائيل التي يسميها الغرب بواحة الديمقراطية في بحور الدكتاتوريات العربية اضحت ديمقراطيتها ليس عنصرية ويهودية فحسب انما منتقاة لمصلحة طائفة يهودية مختارة حتى تربعت اليوم على عرش اعتى الدول العنصرية في العالم.
لقد سوقت الماكنة الاعلامية الغربية ديمقراطية أمريكا كانها تعكس جنة الله على الأرض وبلد الحريات والثراء لمن تقطعت به السبل. بلد لا يمييز بين مواطنيه بسبب دين أو قومية أو لون أو عرق. لكن الواقع العملي كشف ويكشف لنا حقائق مروعة عن خفايا ديمقراطية أمريكا. فهي منتخبة ومنتقاة لطبقة ذات عنصر ابيض بيدها الاليات الانتخابات وحسابات الاصوات وفق مراكز القوى في هذه الولاية أو تلك. فعلى سبيل المثال فاز ال غور وهلاري كانتون بالاصوات لكن الاصوات كانت غير فاعلة وغير قادرة لترجيح كفتهم على مرشح طبقات النخب الفاعلة. تلك النخب تختفي وراء شركات تقود اقتصاديات امريكا خصوصا شركات السلاح والنفط. هذه النخب الثرية والتي ليست بالضرورة مثقفة وهي لا تلتزم باخلاق اجتماعية انسانية ترجح هذه الكفة أو تلك. علما بأن اختيار المناصب العليا المؤثرة تخضع لنفس مافيات السلاح والنفط. كما ان اختبار المرشحين ببقى محدود بين حزبين اثنين لا ثالث لهما وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. بطبيعة الحال لا يمكن أن يترشح اي شخص الا وفق معايير لا تتعلق بخدمة الشان العام الأمريكي إنما بمقدار ثروته والمكاسب التي سيمنحها إلى الشركات العظمى..
اما اسرائيل التي يعتبرها الكثيرون بلد ديمقراطي رغم أن العالم اجمع يعلم بان كيانه تأسس على حساب شعب يسكن فلسطين. كما ان دول العالم تعلم انه مستمر في التوسع على حساب اراض عربية اخرى. من المعلوم إن ديمقراطية ذلك الكيان ذات سرع متعددة وتعتمد على فعالية وقوة اللوبي الصهيوني المدعوم من اليهود الامريكان. فهناك النخب اليهودية القائدة ذات الاصول الأمريكية والغربية وهناك اليهود ذوي الاصول الروسية والشرق اوربية. وهناك اليهود ذوي الاصول الافريقية كالفلاشا واليهود العرب. إن أصل الديمقراطية تعني حكم الشعب كل الشعب. إذ ينبغي ان لا تفرق بين طبقات الشعب الواحد بسبب الدين أو القومية أو العرق. نجد في اسرائيل ولاول مرة في التاريخ ديمقراطية عنصرية دكتاتورية ترفض الاخر. لكن الغريب في الامر أن سكان الدول الغربية وامريكا يخافون من بطشها وقوة لوبياتها الإقتصادية في العالم. كما ان اغلب سكان العالم يرتجف فزعا وخوفا من غضبها. انه مجبر ان يعتبرها دولة ديمقراطية ويساعدها بمئات المليارات من الدولارات سنويا. هذا لا يعني أن انظمة دولنا العربية افضل حالا من الانظمة المسماة ديمقراطية سابقة الذكر. إنما هي انظمة عربية مستنسخة من الغرب الراسمالي أو الشرق الشيوعي الدكتاتوري.
بالمحصلة النهائية نرى بوضوح ان الادلجة السياسية والإقتصادية بين المعسكرات والكتل العالمية المتنافرة التي كانت سمة القرن الماضي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى قد تغيرت اسسها. فقد باتت المنافسة التجارية شديدة بين الكتل والتجمعات الدولية. لقد فرضت المصالح الإقتصادية نفسها لتحل محل الاديولوجيا والنظريات السياسية والإقتصادية السابقة. لقد امست المنافسة الإقتصادية المدعومة عسكريا هي المهيمنة على المشهد الدولي. والغت أو كادت أن تلغي النظريات الماركسية أو الراسمالية سواء لدى المعسكر الأمريكي الغربي أو المعسكر الشيوعي الروسي الصيني. أن مفهوم الحرية واليات الديمقراطية تختلف اختلافا كبيرا عن مفاهيمها اليوم لدى المعسكرات المتنافرة. اذ فقدت الدول الراسمالية الكثير من قيم حرية الراي وحركة انتقال رؤوس الاموال. تقلص ايضا هامش الحرية الفردية كثيرا وضاعت الكثير من ديناميكية آليات ممارسة الديمقراطية. كذلك الأمر بالنسبة للمعسكر الشرقي الروسي الصيني الدكتاتوري الاستئصالي. إذ فقد الحزب الشيوعي فعليا قيادته الايديولوجية لتلك المجتمعات. فاضحى يتألف مع اقتصاد السوق وحرية التجارة والافراد. أن حرية وديمقراطية أمريكا التي كانت تتغنى بها أمام العالم منذ بداية القرن الماضي أصبحت اليوم في خبر كان. فقد تحولت عمليا إلى أداة عنصرية ضد السود والمسلمين. اما اسرائيل واحة الديمقراطية كما يدعي الغرب تقلصت فيها مساحات الحرية للمواطن الاخر غير اليهودي كما رأينا. فقد تحولت اليوم حتى الأجهزة القضائية التي كانت في منئى عن التجاذبات السياسية الى ادوات قمع ضد أهل البلد الاصليين. نحن في عالم اناني وينبغي على النخب المخلصة كالعلماء والمثقفين والسياسيين والاقتصاديين العرب الاحرار أن يظهروا علمهم وثقافتهم وذكاءهم لايجاد طريق سياسي لاعادة بناء دولنا على أسس متينة نابعة من ثقافة مجتمعنا وديننا وحضارتنا اليوم وقبل فوات الاوان لأننا وبكل بصراحة نسير في اتجاه التيه والردى أو العبودية لرغبات اسرائيل.
الدكتور نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close