لن تقود (اسرائيل) الأمة

محمد سيف الدولة

[email protected]

” ان مصر قادت الشرق الأوسط 40 سنة وهذه هى النتيجة، واذا تركتم (اسرائيل) تقود ولو عشر سنوات فسوف ترون ”

هذا ما قاله “شمعون بيريز” لبعض رجال الأعمال العرب على هامش مؤتمر الدار البيضاء عام 1994 وفقا لما ورد في كتاب “سلام الأوهام” لمحمد حسنين هيكل.

***

حينها، اتهم البعض بيريز بالبلاهة، فكيف يمكن ان يخطر بباله أمر كهذا؟ كيف يجرؤ على تخيل ان العرب مهما كانت سوءاتهم يمكن ان يعطوا راية القيادة لعدوهم اللدود والمعتدى الأول على اوطانهم وشعوبهم على امتداد قرن من الزمان؟

***

فهل ما نراه اليوم يؤشر ان بيريز لم يكن أبلها ولا يحزنون، بل كان على علم بما ستؤول اليه الأمور ان عاجلا أم آجلا، بعد توقيع ثلاث اتفاقيات عربية مع (اسرائيل) كامب ديفيد 1978-1979 واوسلو 1993ووادى عربة 1994؟

لأنه اليوم وبعيدا عن التصريحات والبيانات الرسمية العربية الكثيرة حول حقوق الشعب الفلسطينى ودولته المستقلة، فلقد أصبح واضحا للجميع ما كانت عديد من الانظمة العربية تحاول اخفاءه منذ سنوات طويلة من ان معظمها تلتزم بالاسس والشروط والقواعد التى سنها الامريكان والصهاينة للمنطقة:

· فغالبية العرب الرسميين اليوم يبايعون ويباركون السيطرة المنفردة للولايات المتحدة الأمريكية على العالم والمنطقة، ويتحالفون معها ويتبعونها ويحتمون بها ويسيرون فى ركابها او يسعون الى ذلك.

· وأصبحوا يتبنون الموقف العقائدى الصهيونى من ارض فلسطين، وهو الموقف الذى ينطلق من انها أرض اليهود التاريخية ووطنهم القومى فيما عدا الضفة الغربية وغزة، فلقد اعترفوا جميعا بـالشرعية المزعومة لـ (اسرائيل) او فى سبيلهم الى ذلك.

· والجميع تاب وأناب بذريعة التفوق العسكري للكيان الصهيوني، وقرروا انهم لن يحاربوها مرة أخرى مهما حدث، وان حرب 1973 كانت آخر الحروب.

· والجميع التزم صراحة او ضمنا بقاعدة ان امن (اسرائيل) هو قدس الاقداس، ممنوع الاقتراب ممنوع اللمس.

· والجميع ينسق امنيا مع الكيان الصهيونى بدرجة أو بأخرى.

· والجميع شارك على امتداد ما يقرب من نصف قرن فى حصار واجهاض المقاومة المسلحة للعدو الصهيونى بدءا بأيلول الاسود 1970 وتل الزعتر 1975 وطرد ونفى القوات الفلسطينية من لبنان 1982، والعمل منذ ذلك الحين على شيطنة المقاومة فى لبنان وفلسطين وتجريمها وفرض الحصار عليها.

· والجميع مارس ضغوطا هائلة على القيادات الفلسطينية الرسمية للتنازل عن 78 % من وطنها والقاء السلاح والكف عن المقاومة والتفاوض مع العدو على 22 % فقط من فلسطين هى الضفة وغزة كما تقدم، الى أن آلت الأمور الى ما آلت اليه من تآمر الجميع على تصفية القضية الفلسطينية وابتلاع (اسرائيل) لما تبقى من الارض المحتلة.

· واعتمد غالبية الحكام العرب صراحة او ضمنا التوصيف الامريكى الصهيونى للمقاومة بأنها إرهاب، وامتنعوا عن دعمها باى شكل من الأشكال بدافع الخوف أو التواطؤ، بل ان منهم اليوم من يطالب بنزع سلاحها.

· والغالبية العظمى منهم قبلت صاغرة إعادة صياغة المنطقة وتشكيلها وادارتها وفقا للمشروع الامريكى الصهيونى، القائم على مجموعة من المحميات الامريكية التابعة، المسماة بالدول والدويلات العربية، فى القلب منها المحمية الكبرى والقاعدة العسكرية الاستراتيجية المسماة بـ (اسرائيل).

· اما عن التطبيع فحدث ولا حرج، فهو قائم على قدم وساق سرا وعلانية، بدءا بمصر كامب ديفيد ونهاية بالامارات والبحرين وما بينهما، وما خفى كان أعظم.

***

خلاصة القول ان أنظمتنا العربية المصونة ونظامها العربى الرسمى الموقر قد سلموا القيادة العامة للأمريكان والقيادة الإقليمية للصهاينة، وقرأوا الفاتحة على ذلك، وماتوا واندفنوا كقوى داعمة لقضايانا الوطنية والقومية. فالبقية فى حياتكم.

***

أما الشعوب فلم تكف عن المقاومة ولم تستسلم أبدا؛ تواطأت علينا كل القوى الكبرى وانظمتها الدولية المتعاقبة وقاموا برعاية الحركة الصهيونية وزراعة وتأسيس وحماية وتسليح وتمويل (اسرائيل) على امتداد ما يزيد عن قرن من الزمان، شهدنا فيه حربين عالميتين وقوى عظمى قديمة وجديدة وأسلحة نووية واعتداءات وحروب ومذابح أوروبية وامريكية وصهيونية لا أول لها ولا آخر، وصعود وسقوط انظمة وحكام، قرن شهدنا فيه اهوالا عظيمة وواجهنا تحديات جسام واختلالات رهيبة فى موازين القوى، ورغم كل ذلك ما زلنا هنا لم نفنى او نتبدد او نعترف او نستسلم، أربعة أجيال متعاقبة من المقاومة، امنهم مهدد ووجودهم على المحك، يعيشون داخل قرى محصنة، فبماذا تفيدهم صفقات يعقدونها او وريقات يوقعونها مع هذا الحاكم او ذاك؟

ابدا لن تقودنا (اسرائيل).

*****

22 سبتمبر 2020

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close