نقد مقولة : أخذ الاصحاب عن المذاهب الفاسدة (1)

نقد مقولة : أخذ الاصحاب عن المذاهب الفاسدة (1)، مروان خلفيات

لا زلت أقرأ للسلفيين وغيرهم ممن يأخذ من أفكارهم في نقد الإمامية تكرارهم لقول ذكره الشيخ الطوسي ( ت 45ه) وكأنهم بريئون مما قاله أو لعلهم جاءوا بفتح مبين !

قال الشيخ الطوسي : ( لأن كثيرا من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة)

شنعوا بهذا القول وراحوا يقيمون الأفراح في منتدياتهم ، وكنت سابقا قد حققت قول الشيخ الطوسي ، واحتفظت به، ومع اثارته من جديد في بعض الصفحات، ولأجل تحصين المؤمنين من بعض شياطين الإنس أنشره هنا، لئلا ينخدع أحد بما يقولون .

وهنا ثلاث ملاحظات :

أولا : ينبغي ملاحظة أن الشيخ الطوسي ليس معصوما وليس كل كلام يقوله منزلا من السماء، بل ينظر فيه خاصة إن كان عن حدس، مع تثمين الجهود العظيمة التي بذلها هو والمحدثون في حفظ تراث الإمامية رحم الله الجميع.

ثانيا : إن الشيخ الطوسي نفسه قد قرر قاعدة، وهي عدم جواز العمل بأخبار هؤلاء ما داموا قد انفردوا بها . قال رحمه الله : ( إن جميع ما يرويه هؤلاء ــ أصحاب المذاهب الفاسدة ــ إذا اختصوا بروايته لا يعمل به وانما يعمل به إذا انضاف إلى روايتهم رواية من هو على الطريقة المستقيمة والاعتقاد )

العدة في أصول الفقه، ص 351

ثالثا : إن الأخذ بمرويات الواقفة والفطحية ممن فسدت عقيدتهم إنما يكون في فترة استقامتهم فقط، وما روي عنهم بعد انحرافهم لا يؤخذ به إلا مع وجود رواية رواها أهل الاستقامة كما أشار الشيخ الطوسي .

تحقيق عبارة الشيخ

وأعني العبارة التي ذكرتها أعلاه وطنطن لها المخالفون ! والمذاهب الفاسدة في عبارة الشيخ هم : العامة والواقفة والفطحية والزيدية …

العامة : هم المعروفون بلقب أهل السنة.

الواقفة : هم الذين وقفوا على الإمام موسى بن جعفر الكاظم ع وقالوا بإمامته.

الفطحية، هم الذين قالوا بإمامة عبدالله بن جعفر الصادق ع.

لقد راجعتُ أهم كتب الرجال القديمة، وهي: كتاب الكشي وفهرست النجاشي وكتابي الطوسي الرجال والفهرست، متتبعا موارد ذكر مذاهب الرواة غير الإمامية، فخرجت بالنتائج التالية :

الواقفة أولا :

ـــ في فهرست أسماء مصنفي الشيعة الذي ترجم فيه ل 1269 راويا : نسب الشيخ القول بالوقف إلى تسع رواة، ثلاثة منهم تابوا عن الوقف .
ــ في الفهرست للطوسي: نسب القول بالوقف الى 65 راويا من مجموع فهرسته الذي ترجم فيه ل 912 راويا .

ــ في كتابه الرجال : ذكر خمسة قالوا بالوقف من مجموع الرواة الذين ترجم لهم وهم 6429 راويا.

فيكون مجموع الواقفة 71 راويا ، على أن الكثير منهم قد تابوا ورجعوا عن القول بالوقف .

قال الشيخ الطوسي في الغيبة ، ص 71 : ( ويبطل ذلك أيضا ما ظهر من المعجزات على يد الرضا عليه السلام الدالة على صحة إمامته ، وهي مذكورة في الكتب . ولأجلها رجع جماعة من القول بالوقف مثل : عبد الرحمن بن الحجاج ، ورفاعة بن موسى ، ويونس بن يعقوب ، وجميل بن دراج وحماد بن عيسى وغيرهم ، وهؤلاء من أصحاب أبيه الذين شكوا فيه ثم رجعوا . وكذلك من كان في عصره ، مثل : أحمد بن محمد بن أبي نصر ، والحسن بن علي الوشاء وغيرهم ممن ( كان ) قال بالوقف ، فالتزموا الحجة وقالوا بإمامته وإمامة من بعده من ولده ) .

سمى الشيخ خمسة من أصحاب الصادق ع ممن تابوا وقال ( وغيرهم ) ولم يذكرهم ، ثم ذكر اثنين وقال : ( وغيرهم).

في فهرست اسماء مصنفي الشيعة للنجاشي ، ص 21 ذكر إبراهيم ابن أبي السمال وأخوه إسماعيل بن أبي السمال وذكر عن الكشي رجوعهما عن الوقف.

ولنفترض بقاء خمسين من الرواة ممن يقول بالوقف، ولا علم لي بعدد الثقات منهم، فهذا يحتاج إلى دراسة مفصلة لجمع أسمائهم ومعرفة وثاقتهم .

الفطحية :

ــ عند النجاشي لم ينسب أحد من رواة فهرسته إلى الفطحية بحسب مراجعتي.

ــ عند الطوسي في الفهرست اثنان من الفطحية من مجموع 912 راويا .
ــ أغلب الفطحية، قد تابوا ولم يبق منهم إلا شذاذ. قال الكشي في اختيار معرفة الرجال، ج2 – ص 524 – 525 : ( الفطحية هم القائلون بامامة عبد الله بن جعفر بن محمد ، وسموا بذلك : لأنه قيل إنه كان أفطح الرأس ، وقال بعضهم : كان أفطح الرجلين ، وقال بعضهم : انهم نسبوا إلى رئيس من أهل الكوفة يقال له : عبد الله بن فطيح . والذين قالوا بإمامته عامة مشايخ العصابة وفقهاؤها مالوا إلى هذه المقالة ، فدخلت عليهم الشبهة لما روي عنهم عليه السلام أنهم قالوا : الإمامة في الأكبر من ولد الامام إذا مضى ، ثم منهم من رجع عن القول بإمامته لما امتحنه بمسائل من الحلال والحرام لم يكن عنده فيها جواب ، ولما ظهر منه من الأشياء التي لا ينبغي أن يظهر من الامام . ثم إن عبد الله مات بعد أبيه بسبعين يوما ، فرجع الباقون الا شذاذا منهم عن القول بإمامته إلى القول بامامة أبي الحسن موسى عليه السلام ورجعوا إلى الخبر الذي روي : أن الإمامة لا تكون في الأخوين بعد الحسن والحسين عليه السلام ، وبقي شذاذ منهم على القول بإمامته ، وبعد أن مات قال بامامة أبي الحسن موسى عليه السلام . وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لموسى يا بني : ان أخاك سيجلس مجلسي ويدعي الإمامة بعدي ، فلا تنازعه بكلمة فإنه أول أهلي لحوقا بي)

العامة :

ـــ نسب النجاشي 16 راويا ممن ترجم لهم إلى العامة ( السنة) من مجموع رواته البالغ عددهم 1269 .

ــ في الفهرست للشيخ الطوسي ورجاله 24 عاميا، والفهرست احتوى على 912 راويا ! وقد يكون هناك أسماء مشتركة بين الطوسي والنجاشي .
وعند التحقيق يظهر أن بعض الرجال الذين نسبهم الطوسي للعامة هم إمامية كما في ترجمة نوح بن دراج وأبو الصلت الهروي وغيرهما، وفي معجم رجال الحديث للسيد الخوئي بيان لهذه المسألة.

الزيدية :

ــ نسب النجاشي 7 من الرواة في فهرسته إلى الزيدية، من مجموع رواة فهرسته الذين يبلغون 1269.

ــ في الفهرست للطوسي والرجال له : نسب خمسة من الرواة الى الزيدية و11 إلى البترية .

ــ في اختيار معرفة الرجال : للطوسي : أربعة زيدية و9 بترية .

الخلاصة : مجموع الرواة الواقفة 50 راويا، ربما أقل في فهرستي النجاشي والطوسي الذين يتجاوز عدد الرواة فيهم 2180 راويا !

الفطحية : اثنان من مجموع الرواة الذين يزيدون على 7500 راويا !
العامة ( السنة) 40 راويا، بعضهم استبصر ، مع امكانية اشتراك الأسماء لدى الشيخين. من مجموع يزيد على 7500 راويا ، إذا ما أضفنا كتاب الرجال للطوسي .

الزيدية : مجموعهم 33 راويا في فهرست النجاشي الذي يحوي 1269 راويا وفي الفهرست للطوسي الذي يحوي 912 راويا.

النتيجة : 50 واقفيا ( تقريبا ) و فطحيان و40 عاميا و33 زيديا ولنفترض 50 راويا من الغلاة ( مع الاختلاف في تحديد هذا المعنى) فيكون عندنا : 173 راويا من المذاهب المنحرفة من مجموع يفوق 2100 من الرواة في فهرستي النجاشي والطوسي، وهي نسبة قليلة ! ولو درسنا وثاقتهم ربما لا يبقى سوى ثلثهم أو ربعهم أو أقل من ذلك !

مثال تطبيقي على كتاب حديثي

لو نظر الباحث في كتاب الكافي الذي هو أشهر كتاب حديثي محاولين احصاء عدد أحاديث أصحاب المذاهب الفاسدة، وهذا النوع من الحديث يطلق عليه ( الموثق) وهو (ما اتصل سنده إلى المعصوم بمن نص الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته بأن كان من أحد الفرق المخالفة للإمامة وأن كان من الشيعة مع تحقق ذلك في جميع رواة طريقه أو بعضهم )

لو أحصينا أحاديث فاسدي العقيدة في هذا الكتاب لوجدنا أن عددها 178 حديثا من مجموع ستة عشر ألف، وهي عدد أحاديث الكتاب !!

انظر هذا العدد في مرآة العقول للشيخ المجلسي ، وفي الذريعة – آقا بزرگ الطهراني – ج 17 – ص 245

بهذا نعلم أن القول بانحراف كثير من رواة الحديث لدى الإمامية وانتمائهم لمذاهب منحرفة قول مبالغ فيه، وإن قاله الشيخ الطوسي، فكلام العالم يُستدل له لا يُستدل به .

يتبع : اعتماد الفرق الأخرى كالسنة وغيرهم على رواة المذاهب الفاسدة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close