ترامب كارثة وصدمة وأحمق ,و نظرية وعقيدة الصدمة

ترامب كارثة وصدمة وأحمق ,و نظرية وعقيدة الصدمة
أ.د.سلمان لطيف الياسري

نظرية الصدمة*** تخيل نفسك، أنك ممدد على سرير أبيض، وحولك مجموعة من المختصين، وبيد أحدهم جهاز يعرض عقلك لصدمة كهربائية، أنت الآن واقع تحت تأثير الصدمة الكهربائية، تصرخ، تتألم، تنقبض عضلاتك، تنتفض، ثم تسترخي كل عضلاتك، ويتوقف عقلك عن التفكير، ثم يغمى عليك , تخيل نفسك أنك تتعرض لمثل هذه الصدمة الكهربائية بمعدل كل يوم تقريبًا، ليس ذلك فحسب، وإنما وبعد الانتهاء من جلسة الصدمة الكهربائية تلك تسجن في غرفة منفردة مظلمة، لا تكاد ترى أحدا أو تتكلم مع أحد أو تسمع أحدا، حواسك كلها معطلة ولا يكتفي المختصون بذلك، وإنما بالإضافة إلى الصدمة الكهربائية والسجن المنفرد في غرفة مظلمة فإنك تتعرض، بصورة يومية أيضًا، لغسيل مخ بمواد كيميائية بهدف مسح كل ما هو موجود في ذاكرتك، حتى أنك تنسى -كما نقول بالمحلية- حليب أمك , يا ترى كم يمكنك أن تصمد؟ ستعيش في فراغ، لا اسم، لا هوية، لا ماضيَ ولا ذاكرة، صفحة بيضاء، لا تعرف أحدا، حتى لغتك الأم تمحى من ذاكرتك، أنت الآن لا شيء سوى فراغ، فضاء هائل لا يحمل أي ذاكرة الآن، كانت قد تراكمت منذ طفولتك وماضيك حتى حاضرك، أنت لا شيء، عندئذ تشعر أنك تعيش في واقع لا تعرفه، وحاضر لا يقرب إليك ولا تفهمه، أنت تعيش الآن لحظة ما يعرف بـ«الصدمة. ولم ينتهِ الموضوع عند هذا الحد، وإنما يأتي هؤلاء الاختصاصيون ويجملون أنفسهم لك وأنت غائب في مرحلة الصدمة، ويصورون لك أنهم الأبطال الذين سوف يخرجونك من هذه الأزمة التي تعيش فيها، وأنهم قادرون على فعل كثير من الأمور التي لا يستطيع أي بشر القيام بها، لذلك فإنهم يمنحونك اسما جديدا، وهوية جديدة، وذاكرة وتاريخا جديدا، كلها لا تمت إلى شخصيتك وماضيك وحياتك بشيء، وحياة جديدة تمامًا، وربما زوجة وأولادا، وأمًّا وأبًا وأشقاء وشقيقات، ومنزلا وعملا وسيارة، وثروة صغيرة، وكل ما يتمناه الإنسان في الحياة الآنية، عندئذ حتمًا ستدين للاختصاصيين بالولاء، فهم الذين أخرجوك من حالة الصدمة، وهم الذين منحوك الحياة التي كنت تفتقدها خلال فترة السجن والصدمات الكهربائية وغسيل المخ، وهم الأبطال الذين أنقذوا حياتك وحياة أسرتك، وهم الأبطال الذين احتضنوك في ساعات الضياع والغربة، وأنهم منحة من السماء والقدر لإنقاذ البشرية من كل ذلك الضياع التي تعيش فيه ولم يكتفوا بذلك، وإنما يخلقون لك وفي قاع مخك ومخيلتك عدوا وهميا، هذا العدو يريد أن يقضي عليك، يمحو وجودك ويسحق كيانك وحياتك وحياة أسرتك، عندئذ فإنك -بلا شك- ستلتصق بشدة بهؤلاء الاختصاصيين الذين يريدون لك كل الخير، وربما تقدم لهم حياتك كلها حتى ينقذوك من الوهم الذي هم صنعوه

الآن تخيل معي أن ما تم أجراؤه على شخص واحد يتم إجراؤه على شعوب كاملة، كما حدث في تشيلي والأرجنتين وأفغانستان والعراق وسوريا والعديد من الدول، حكومات تسقط بسبب انقلابات عسكرية وتجتث ما يعرف بالديمقراطية وتأتي حكومات عسكرية ديكتاتورية تتحكم في خيرات البلاد، فترتفع الأسعار بصورة جنونية، وترتفع مستويات البطالة، ويزيد التضخم، وتتزايد الاعتقالات التعسفية والاختطافات العلنية وأعمال الشغب والقتل والتشريد والانفجارات، وتحدث فوضى عارمة في البلاد، عندها يغيب الشعب عن وعيه ويعجز عن فهم وإدراك ما يدور حوله، ويصاب بالشلل في التفكير والفهم والإدراك، وتنغلق كل الأبواب في وجهه، ولا يلوح في الأفق أي حل يمكن أن يخرجه من الواقع الذي يعيشه، ويستمر الحال على ذلك حتى يقع هذا الشعب في حالة «الصدمة» ويصبح مستعدًا لقبول أي حلول، حتى لو كانت من مصادر خارجية، وحتى لو كانت جاهزة، كان من المستحيل في يوم ما أن يقبلها سابقًا، إلا أنه سوف يقبلها الآن من أجل الخروج من هذه الصدمة وهذا الفراغ الذي يعيشه.

عندئذ تتقدم الدول الرأسمالية وعلى رأسها الدولة العظيمة الحنون والأم الرؤوم «أمريكا» وتقدم بكل حنانها وبكل تواضعها وبكل حبها لإنقاذ البشرية كل الحلول الممكنة للخروج من هذه الأزمة أو هذه الصدمة التي افتعلتها هي على يد أبطال صنعتهم هي في مدارسها، وربتهم على ترابها، وسقتهم من حليبها، وزرعت في عقولهم بذرة الشر فنبتت أشجارا وحدائق من رأس الشيطان، بهدف تدمير الأوطان وتفريق المفرق وتمزيق الممزق، وهي تظهر أمام الجميع أنها لا تريد شيئا، وفي الحقيقة فإنها تريد فقط ولاء الشعوب والحكام ونفطهم وثرواتهم، وتمزيق الشعب والأمة، فقط هذا الذي تريده.

ويقوم مذهب رأسمالية الكوارث على استغلال كارثة، سواء كانت انقلابًا، أم هجومًا إرهابيًا، أم انهيارًا للسوق، أم حربًا، أم تسونامي، أم إعصارًا، من أجل تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية. فالكارثة تضع جميع السكان في حال من الصدمة الجماعية، وتخدم القنابل المتساقطة والعنف المتفجر والرياح العاتية، كلها، لتطويع مجمل المجتمعات»..

أما فيما يخص تغير المناخ، فإن لم تخني الذاكرة أنه في عام 2010 عندما كان العالم يستعد لقمة الأرض التي تنعقد كل عشر سنوات مرة بشأن البيئة والمناخ، أو ربما بعد ذلك لا أتذكر، ولكن كل الذي أتذكره أني قرأت في ذلك الوقت تقريرا جريئا يشير فيه بعض الباحثين الذين كتبوا التقرير إلى أن ما يشاع حول موضوع «تغير المناخ» ما هو إلا كذب وتلفيق وأمر غير حقيقي، وأن الدول العظمى -وعلى رأسها أمريكا- قد سخرت العديد من العلماء الذين اشترتهم بملايين الدولارات للتحدث حول هذا الموضوع ولخلق حالة هلع ورعب جديدة من عدو وهمي عام ومشترك يهدد البشرية بالابتلاع والغرق، وهذه المرة كان العدو الوهمي هو موضوع تغير المناخ، ويشير التقرير أيضًا أنه حتى ما يحدث من فيضانات وكوارث طبيعية مثل تسونامي وغيرها لا تحدث إلا بفعل فاعل، فهذه الدول تضع أطنانا من الديناميت والمتفجرات في أماكن معينة من قاع البحر، وتدرس كل الاحتمالات وتضع تصورات رياضية لكل ما يمكن أن يحدث، وفي ساعة الصفر تنفجر كل هذه المتفجرات في لحظة واحدة، فتحدث كارثة يتصورها العامة أنها طبيعية، ولكنها في الحقيقة غير ذلك، المهم أنها حالة «الصدمة» تتكرر هنا، حينئذ تتقدم الشركات الصناعية العظمى الآتية من ما وراء المحيطات لمد يد العون ومن ثم شراء تلك المناطق المنكوبة بثمن بخس، دراهم معدودة، لتقيم عليها مشاريعها الجبارة لتمتص بعدها دماء الشعوب.

نفس الفكرة، صدمة ناتجة من كارثة طبيعية، عدو وهمي وهو في هذه الحالة (الطبيعة وتغير المناخ)، ثم تتقدم الدول الرأسمالية لتقديم الحلول، فتوافق عليها الشعوب المنكوبة.

أما بالنسبة إلى طالبان وداعش، فإني أتذكر أنه في ثمانينيات القرن الماضي عندما كان الصراع محتدما بين فصائل من مجاهدي الأفغان والاتحاد السوفيتي، كانت أمريكا ودول الغرب تتفرجان على الأحداث، وعندما أعلن المجاهدون أنهم على مشارف كابول -العاصمة الأفغانية- انبرت من العدم حركة «طالبان»، بكل أسلحتها ورجالات وجيوشها، لا نعرف من أين أتت ومن أين جاءت بكل تلك الأسلحة المتطورة، وكيف انبرت في ساحات المعارك، وبدأت تقاتل وتقاتل، ودخلت كابول وخرجت من اللعبة الفصائل المجاهدة التي أعلنت سابقًا أنها تنوي إقامة الدولة الإسلامية، وسيطرت حركة طالبان على المشهد الأفغاني. ولكننا عرفنا بعد ذلك أن طالبان صنيعة الأمريكان وكذلك القاعدة، وما حدث في أفغانستان يحدث اليوم في سوريا والعراق، ولكن بمسمى يختلف نوعًا ما، فهنا اسمها «داعش» وهناك اسمها «طالبان»، وفي مكان ثالث اسمها «حزب اللات» والعديد من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وفي اللحظة المناسبة ستتدخل أمريكا وتقدم الحلول على أطباق من الذهب، فتقبلها الشعوب على مضض، لأنها تريد الخروج من حالة «الصدمة» التي تعيشها.

لن ينسى العالم خطاب الرئيس بوش بعد هجمات أيلول، رداً على الكارثة بإعلان الحرب. ولكن نفس الشريط يعاد مراراً وتكراراً. فبعد مرور بضع ساعات على وقوع كارثة طبيعية، أو هجوم إرهابي أو انهيار اقتصادي، نسمع الخطاب نفسه من الزعماء السياسين، يحذروننا ويطالبوننا بأنْ نفعل ما يأمروننا به بالضبط، وهو عادة مرفق بوعود عن حمايتنا وتأمين الاستقرار والأمن، وفي مثال بوش، كان مسوغاً لحرب لا مبرر لها.

نظرية الصدمة، وكيف نمنع السياسيين من استغلالنا- لماذا يقوم السياسيون بذلك؟ ولماذا تنصاع لسلطتهم ونسمح لهم بالتحكم بنا؟ قامت الناشطة السياسية الأمريكية/الكندية ناعومي كلاين، بدراسة هذه الظاهرة، ووجدت أنّ الجواب على هذه الأسئلة ينطوي على الكثير من التداعيات بعيدة المدى. حيث تقترح كلاين أن “الصدمة” التي يشعر بها المواطنون في مواجهة الكوارث، هي التي تجعلنا نستسلم للأوامر التي يتلوها علينا حكامنا، والسياسيون يعرفون ذلك جيداً. إغفال أهمية الصدمة التي تتلو الكوارث هو خطأ خطير نقع فيه، وهو أمر يراهن عليه السياسيون، فهي فرصتهم الأهم لتوسيع صلاحياتهم وكسب المزيد من السلطة والمال، كما تشرح كلاين. 412RLzPJ8lLتسمي كلاين هذه الحالة بـ”سياسة الصدمة”، وتعني بذلك أنّ القادة يستخدمون حالة الخوف والذهول، بطرقٍ مُخطط لها بدقة، وهو أمر شهدته كلاين على مدار عقود من الزمن ودرسته وكتبت عنه بصفتها كاتبة وصحفية ومراسلة أجنبية. كتابها الأخير “كلمة ‘لا’ لا تكفي”، هو عن مقاومة تكتيكات الصدمة خلال فترة حكم ترامب، ومحاولة لدراسة السبل التي سيستخدمها الرئيس دونالد ترامب وفريقه بعد الكوارث التي ستتعرض لها البلاد. يعتبر السياسيون لحظات الصدمة فرصة لفرض أجندات أكثر تطرفاً، سواء كانت إعلان حربٍ على بلد ما، كما حدث بعد هجمات أيلول، أو زيادة حدة التوترات العرقية أو الإثنية أو الدينية اعتماداً على عوامل مثل القوة والسيطرة والنفعية والربح. قد يبدو هذا التكتيك بسيطاً لكنه فعّال وكثير ما يستخدم من قبل الحكومات، ليس فقط في الولايات المتحدة، ولكن أيضاً في العالم العربي وأوروبا، كما شهدنا في صعود السياسيين المتطرفين إثر أزمة اللاجئين، وكذلك في بقية أنحاء العالم.

سياسات ترامب الحالية تجهّزه وفريقه لاستثمار الأزمات – بالأمس، في ظهور لها على محطة “CNN” الأخبارية، قالت أنا نافارو، المحللة السياسية الجمهورية الأمريكية، أنّ الولايات المتحدة، وولاياتها الـ50، ستتعرض لكارثة ما (طبيعية أو من صنع الإنسان)، كما تعرضت لكارثتي كاترينا وهجمات أيلول، وأنّ الشعب الأمريكي يجب أن يكون لديه رئيس يثق به عندما يحدث ذلك. بمعنى آخر، حدوث كارثة ما، أو أزمة من نوع ما، في بلد مثل الولايات المتحدة ممكن جداً يتناوله المحللون بكثرة، وبرأي كلاين إنّ سياسات ترامب نفسها تجهز المناخ وتسرّع من فرص وقوع الكوارث. فعداؤه وتمييزه العلني ضد الجماعات من أعرق أو جنسيات أخرى، وسياساته البيئية التي لا تعترف بالاحتباس الحراري وتتجاهل رأي العلماء، وسياساته الخارجية التي تسعى لخلق عداءات، والداخلية التي تشجع الشرطة على أن تكون “عنيفة”، وميله لتكريث التعصّب بشكل عام، كلها تصبُّ في خانة واحدة: خلق ظروف تساعد على حدوث كوارث، أو خلق مناخ من الفوضى والانقسام الحاد، سيصعب فيه تلاحم الناس وتعاونهم في وجه الكوارث، أو قدرتهم على انتقاد السياسات التي ستقدمها الحكومة على أنها سبل الخلاص، والتي ستكون بمعظمها في مصلحة إعطاء الحكومة والشركات الخاصة صلاحيات أوسع على حساب الحقوق والحريات المدنية.

ترويج صورة البلاد العربية على أنها بلاد دكتاتوريات يعمي عن حقيقة أن لدينا حقوق وحريات علينا أن نحميها

كيف يتحول التعصب والعداء والحروب إلى فرصة لكسب المال والسلطة، هذا ما تحلله نظرية “الصدمة”

هل ستصل شظايا الكوارث التي ستتعرض لها الولايات المتحدة إلى العالم العربي؟

فريق ترامب الحكومي هو فريق لاستثمار الأزمات بامتياز

انتقد الفريق الذي اختاره ترامب لحكومته، حيث الأغلبية الساحقة فيه هي من الرجال، ومعظمهم من البيض. ولكنّ منظور الحقوق والمبادئ الإنسانية، على أهميته، يصرف الانتباه عمّا هو أخطر. ما يميز هذا الفريق، كما تخبرنا كلاين، هو أنّ كل أفراده كانوا في العقود الماضية على علاقة مباشرة بأكبر الكوارث والأزمات التي حلّت في البلاد، وسبب اختيارهم هو أن لديهم خبرة واسعة في توجيه نتائج الكوارث لتحقيق الأرباح. المثال الأهم هو وزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي بنى سمعته من نجاحه في استثمار الحروب وعدم الاستقرار، حيث أن شركة إكسون موبيل (ExxonMobil)، التي عمل كمديرها التنفيذي، استفادت أكثر من أي شركة نفط أخرى من زيادة أسعار النفط بعد غزو العراق، كما أنّ الصفقات التي عقدتها في شمال العراق، في منطقة كردستان، ساهمت دون شك في زيادة التزعزع والتوترات الداخلية في البلاد. وقبل أن تندمج موبيل وإكسون، وبعد أن أصبحتا شركة واحدة، تحت إدارة تيلرسون، ساهمت في نشر معلومات مغلوطة عن الاحتباس الحراري، وفي نفس الوقت طورت سياسات للاستفادة من نتائجه وكوارثه. المدعي العام الذي اختاره ترامب، جيف سيشنز، أيضاً له دور هام في تحويل الخوف والتعصب والتزعز إلى أرباح. فمن اليوم الأول لتسلم ترامب الحكم إلى نهاية شهره الأول في واشنطن، ارتفعت أسهم الشركتين الخاصتين الأكبر في الولايات المتحدة لإدارة السجون (الـGEO Group وCorecivic)، بنسبة 140% و90% على التوالي. تهديدات ترامب للمهاجرين غير الشرعيين، وحملات التوقيف والترحيل والسجن، تترجمت إلى أرباح لهذه الشركات. ولتكتمل الصورة، كان أول ما قام به سيشنز هو إلغاء قرار الرئيس السابق أوباما بالحد من دور الشركات الربحية في إدارة السجون.

وقد عيّن ترامب كنائب لوزير الدفاع، باتريك شناهان، المدير التنفيذي في شركة “بوينج”، الذي كان مسؤولاً عن بيع معدات للجيش الأمريكي، وطيارات أباتشي وشينوك، كما أنّه كان مسؤولاً عن بيع برنامج الصواريخ البالستية، وهو برنامج سيحقق أرباحاً كبيرة في حال حدوث أي نزاعات على الساحة الدولية، وهو ما تهمد له تصريحات ترامب ونهج سياسته الخارجية التي تخلق التوترات وتعادي من كانوا في السابق من حلفاء أمريكا.

ولكن ربما أخطر أعضاء الفريق هو نائب الرئيس مايك بنس، الذي لعب دوراً أساسياً في استثمار الأزمات وتحقيق أرباح في المرحلة التي تلت كارثة كاترينا عام 2005. مع أنّ ترامب يوصف بأنه “غير تقليدي”، وبأنه مختلف تماماً عن كل الرؤساء السابقين، إلا أنّ سياساته، كما تقول كلاين، تتبع أبسط وأكثر السيناريوهات استخداماً من قبل الحكومات للسيطرة على شعوبها.

برأي كلاين، بناء على تحليل خطوات حكومة ترامب حتى الآن، أنّ كل المشاكل التي اختلقها هي تمهيد لا أكثر، وبأن الخطر الحقيقي سيكون في رده على الكوارث، ولن تكون أي بقعة في العالم بمنأى عن خطرها. وتوضح كلاين خمس خطوات يجب أن نتبعها كي نحمي حقوقنا الأساسية في مواجهة أي سياسات قد تتبعها حكومة ترامب. بداية، يجب أن نعلم ما سيأتي به المستقبل. مع أنّ التوقعات في مجال السياسة لا تعطى الاهتمام الذي تستحقه، يمكننا أن نحدّ من وقع “الصدمة” من خلال توقع ما هو قادم (على قدر الإمكان في هذه الظروف). الحقيقة المحزنة في العالم العربي هي أننا لا ينبغي أن ندهش أو نصدم عندما يتم تفجير كنيسة في طنطا بمصر أو عندما تتعرض حافلة مدرسية في غزة لهجوم، أو عندما تفجر طائرة بدون طيار منطقة مدنية، إنها جرائم وحشية، وعلنيا أن نرفضها ونشجبها؛ لكننا يجب ألا ندهش. وهذا ليس محاولة للحد من أهمية المأساة بل محاولة لمنعها في المستقبل. الخطوة الأهم هو أن لا نبقى مكتوفي الأيدي، خاصة عند إعلان حالة طوارئ، التي تستغلها الحكومات لتشريع الرقابة ومنع الاحتجاج، وفي بعض الحالات يتمّ حثّ المدنيين على البقاء في منازلهم في طوال اليوم وتخويفهم من النزول للشارع لأنه قد يهدد الأمن العام. في الواقع، ما يحدث هو صرف انتباه المواطنين عن دفع الحكومة لأجندة أكثر راديكالية، قد يرفضها الناس في ظل الظروف العادية. يجب أن ندرس تاريخنا السياسي. فكرة أن التاريخ يكرر نفسه هي مسألة مطروحة للنقاش، ولكن تكرار الطريقة التي تعمل بها السلطة هو أمر لا شكّ فيه، وسياسات الولايات المتحدة مع تغيّر رؤسائها وأشكالها تتبع نفس النهج. من خلال فهم سياق سياسات بلادنا في الساحة الدولية وما يحيط بها، سنكون أكثر وعياً بالتفاصيل الدقيقة التي تشير إلى محاولات الزعماء السياسيين لاستغلال الأزمات، وسنكون مستعدين لخطوات ترامب القادمة. “نظرية الصدمة”، أو عقيدة الصدمة كما تترجم أحياناً، ليست فكرة جديدة، بل هي ممارسة تم اختبارها وثبت نجاحها لعدة عقود. لعلّ آخر مثال لها من منطقتنا هو محاولة الانقلاب في تركيا العام الماضي 2016، والذي اتخذ بعدها الرئيس التركي تدابير للحد من الحقوق المدنية، وفرض سيطرة سياسية شاملة على الحكومة. ومن خلال هذه التدابير، تمكن الرئيس رجب طيب أردوغان من فرض عقوبات على السياسيين والأكاديميين والصحفيين والناشطين الذين انتقدوا أو عارضوا رئاسته. تقول لنا كلاين، تتبعوا المال، في حين ينشغل الجميع بالحريات المدنية، وحرية التعبير والسلامة العامة، تميل بعض الحكومات إلى التركيز على الأساليب التي تزيد ثراءها بشكل غير ملحوظ. وعادة ما يكون هذا النشاط تحت قناع الأمن الوطني ومحاولة إعادة الاستقرار. جاء قرار العراق ببيع احتياطياته النفطية الضخمة لشركتي شل وبريتيش بتروليوم في وقت كانت فيه الحرب الأهلية العراقية على أشدها. ويخلص تقرير لجنة تشيلكوت، الذي أسسها رئيس وزراء بريطانيا جوردون براون للتحقيق في مشاركة الجيش البريطاني في حرب العراق، إلى أن هدف توني بلير وجورج بوش فى عام 2003 كان السيطرة على الأموال والنفط في العراق. وكان قد جاء قرار الحرب بعد أحداث 11 سبتمبر “الصادمة”. من السذاجة عدم الاعتراف بالمكاسب التي حصلت عليها حكومة بوش بعد 11 سبتمبر. ولكن العالم العربي لم تخف عليه هذه الأسباب. لقد تحملت الولايات المتحدة قسوة الأحداث ثقافياً واجتماعياً، واستشرى الخوف في البلاد. فجأة أصبحت ما كانت تسمى بأقوى دولة في العالم قابلة للتدمير. استثمرت إدارة بوش خوف الناس وهاجس الأمن. وصارت لدى بوش الحرية ليعمل ما يريد مستخدماً “الأمن” كأولوية قصوى كمبرر. وتراوحت نتائج أفعاله بين هجمات الطائرات بدون طيار والحروب في الخارج وزيادة أساليب التعذيب والسماح بالعنصرية على أرض الوطن. حرب العراق كانت مجرد نتيجة أخرى لـ 11 سبتمبر، نتيجة مربحة جداً. إذا انتبهنا في أوقات الصدمة وولينا اهتماماً خاصاً لمسار المال وتحركاته، كما تقترح كلاين، قد نكون قادرين على التنبؤ بالاستراتيجيات السياسية التي قد تسلبنا حقوقنا وبالتالي يمكننا فهمها والتصدي لها، بوضع خطط دفاع جرئية، وهو ما تؤكد ضرورته كلاين في مواجهة حالة استغلال الصدمات.

إن الإشارات المتكررة التي نراها في وسائل الإعلام المحلية والعالمية التي تصف العالم العربي بأنه منطقة تسيطر عليها الدكتاتوريات والإرهاب والحرب وغياب الديمقراطيات، تعطي الانطباع بأننا كمواطنين عرب ليس لدينا ما نخسره، وتسوغ الجرائم التي تقع بحقنا، من حروب ودخول جيوش وشركات أجنبية، إلى هجمات الطائرات بدون طيار أو العقوبات وغيرها، وذلك يجعلنا ننسى مستوى ونطاق الحقوق المدنية التي نملكها، ويقوض من إدراكنا للضرورة الملحة لحماية تلك الحقوق. ولكن شأننا شأن أي مجتمع آخر، لدينا حقوق في عالمنا العربي تستحق أن نحميها، ما بين التنوع الديني والتسامح وصولاً إلى الصحة والرعاية الطبية والتعليم. رغم الحروب الدائرة، إنّ الإمكانات في بناء مستقبل أفضل مفتوحة للعالم العربي الآن أكثر من أي وقت مضى. ولذلك، لا ينبغي أن يصبح الشعور الغالب بالعجز في مواجهة الكثير من الصراعات والأزمات، خاصة ما تقوم به الولايات المتحدة، السمة المميزة لهذا الجيل العربي. ليس في السياسة أمر نهائي أو محسوم، فهي فنّ إدارة التغيير والفرص، ولكن في نفس الوقت يمكن أن يكون لنا دورٌ في حماية بلادنا، ومواجهة سياسات الولايات المتحدة وغيرها، خاصة إن كنا قادرين على فهم طرق الاستغلال السياسي وإن كنا مؤمنين بقدراتنا وحقوقنا.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close