الطب والشعر/ مَشاهد من الخوف والقلق

الطب والشعر/ مَشاهد من الخوف والقلق
د. حسن كاظم محمد
تمهيد: كُـتب عن الخوف والقلق الكثير عبر العصور بكونه غريزة طبيعية فُطرت عليه البشرية والحيوانية على السواء، وانفعال أساسي للحفاظ على الحياة. دخل علماء النفس بهذا لموضوع (ومنهم العالِم المعروف فرويد) لارتباط الكثير من الأمراض النفسية بهما. سأقدّم للقارئ الكريم بعض ما شاهدته من حوادث خلال ممارستي مهنة الطب لأكثر من خمسين عاما عن الخوف والقلق الذي يواجه المريض والطبيب وما حدث من تقدم في الطب لرفعها وإراحة الجانبين.
أولا: التخدير؛ في ثمانينيات القرن الماضي كان يردنا الكثير من الجرحى لغرض إجراء العمليات اللازمة لهم، وكان ينتابنا القلق البالغ عند مرحلة إفاقة المريض من التخدير حيث يمر بحالة من الهلوسة والعصبيّة ويرعد ويقاوم أية محاولة لإسكاته وتهدئته من قبل الكادر الطبي، وقد يصاحب ذلك شتائم وتعديات عليهم. تَـصوّر المشهد وأنت الجراح المسؤول، وكان الله في عون الجميع.
أما بتقدم علم التخدير والمستحضرات الحديثة فقد باتت إفاقة المريض من التخدير تمر بكل يسر وراحة، ولم يعد مضطرا للتعرض لنوبات الهلوسة والعصبيّة.
ثانيا: جراحة الأطفال؛ كوني مولع بهذا النوع من الجراحة، أتذكر مشاهد دائمة التكرر سابقا عندما كان الطفل يُجلب محمولا من قبل أمه أو أبيه إلى صالة العمليات ويُسلّم إلى الكادر الطبي وكأنه مختطف من أهله، فيبدأ بالصراخ والبكاء والرفس قبل السيطرة عليه من قبل مساعدي التخدير وغيرهم وتتم مرحلة تنويمه، ناهيك عن ملاحم أخرى عند إفاقته. كل هذا والجراح يراقب مدى القلق وعدم الارتياح لدى والدي الطفل وما يسببه ذلك من تجربة وذكريات مؤلمة عند الطفل تجعله يتخذ موقفا عصبيا منها إذا كُرّر الموقف. وبتطور طب التخدير وتوفير وسائله ومواده الفعالة، أصبح الأمر أن يُجلب الطفل إلى العملية (بعد أن يتم تحضيره في مكان منفصل بوسائل مريحة) وكأنه ذاهب في نزهة، ويشمل ذلك مرحلة الإفاقة التي لا تترك أثرا سلبيا عنده. أذكر أن طفلا من مرضاي يعاني من تشوهات ولادية، وعادة يحتاج هؤلاء إلى عدة عمليات متعاقبة وبفترات مختلفة؛ جاءنا خامس مرة الطفل عبّودي فرحا ومبتسما وسألناه (تريد نفّاخه لو أبرة)، فأجاب (هذه المرّة أبرة).
ومضة خفيفة؛ غالبا ما أشبّه مراحل التخدير ودور أخصائي التخدير في التنويم والإفاقة كقائد الطائرة في الإقلاع والهبوط. ذاك يعطيك نوما هادئا وإفاقة مريحة وهذا يبدأ بالصعود بدون أن تشعر ويهبط بسلاسة وهدوء بدون هزة وفزة، وكل ذلك يحتاج إلى الاستعداد والإمكانيات اللازمة. أما فترة تحليقه أعالي الفضاء فشبيهة بمرحلة إجراء العملية من قبل الجراح.
ثالثا: القلق على حياة المريض؛ حدث لي أن أجريت في تسعينيات القرن الماضي لمريض عملية في العمود الفقري بكل نجاح، لكننا وجدنا المريض في اليوم الثاني وهو في غيبوبة لإصابته بالتهاب السحايا الزهرية، مع العلم بأنّه أنكر اصابته بأيّة التهابات قبل العملية. تصوّروا مقدار القلق الذي يمرّ به الجراح على حياة المريض في موقف مشابه لحين السيطرة على الموقف وإزالة الخطر عن حياة المريض.
رابعاً: الخوف على الكادر الطبي؛ من بين المخاطر التي يتعرض لها الأطباء في حياتهم العملية هو اكتسابهم العدوى من مرضاهم. أتذكر أن أحد الزملاء أصيب بفايروس الكبد نوع ب أثناء تداخله الجراحي لمريض مصاب (حدث ذلك قبل حوالي 40 عاماً). هذا ولا ننسى بالطبع كمّ الأطباء والعاملين معهم الذين أصيبوا بعدوى داء كورونا من مرضاهم المصابين. حدث هذا في العراق وفي العالم وخسر الكثير منهم حياته نتيجة لذلك.
خامساً: كلمة لابد منها؛ لا يمكن نكران جهد الأطباء ومساعديهم في تخفيف الألم وتقديم أفضل الخدمات للمريض، وهذا مستمر ودائم ما زال المرض موجودا. لكن المقلق والمخيف أنّـه بين الحين والآخر نسمع عن الاعتداءات المتكررة على الأطباء والكادر الطبي بشتى الوسائل والأشكال وهذا غير مقبول بتاتا. ولهذا نسمع أحيانا عن عزوف بعض الأطباء المتمرسين عن إجراء العمليات النادرة والخطيرة، والتركيز على الحالات الروتينية اليومية، أو ترك البلد وهذا خسارة للجميع. والمحيّـر لي ولغيري أن يحدث مثل ذلك في زمن وباء كورونا. الناس نائمة في بيوتها خوفا والكادر الطبي البطل بكافة صنوفه يقود المعركة لوحده مقدّماً التضحيات البشرية والمادية. الحمد لله أن كما لا أنسى هناك مرضى أوفياء أصدقاء لي.
لسنوات طوال.
القصيدة: وهي من نوع المربّع الذي يتضمن بيتين متجانسين في القافية من تفعيلة الدارمي يُدعى المستهل، ثم ثلاثة أبيات متجانسة، وتُغلق ببيت بقافية المستهل.
هِـيّـه دِنـيه وگاضيـه چَـم شِـكل هاي
فِكري يَـمّچ وِبْـقَـلق صُـبحي وْمِساي
فِـكـري يَـمّچ وِبـقـلـق ليلي و نهاري
عِـندي خوف ومَـلَـل ما أگـدر أجاري
هِـيّه تِـسوه وِلْـمَـن وبَـس آنه اباري
هِـيّه هيچي عُسر مَـرّه ويُـسر جـاي
∞ ∞∞ ∞
فِـكـري يَـمّچ يِـسِرْنه ولَـذّة نِـعْــمِـته
شُكر لَـلّه يـدومهه هِـيّه هاذي مِـنِّـته
شِكـل ثاني للحـياة دَهَـر هاذي فَـرِّته
خَـذت مِـنّـه حاضِـره الـماضي وَراي
∞ ∞∞ ∞
فِـكـري يَـمّچ أتـرُكي الـراح ورِحل
خوف عوفي والقلق ونِـبـدي الأمل
هاذي دِنـيه تريد مِـن عِـدنه العـمل
نِـگـضي أيّام البُـقَـت دومِچ مَـعـاي

وإلى اللقاء

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close