عيد المترجم العالمي

عيد المترجم العالمي
ا.د.كاظم خلف العلي
استاذ اللسانيات و الترجمة – كلية الآداب – جامعة البصرة
[email protected]
لا تأتي الأعياد الدينية ، سواء في اليهودية أو النصرانية أو الاسلامية ، إلا بعد سلسة من الآلام و التضحيات و المخاضات الطويلة . و لا تأتي الأعياد غير الدينية ، أيضا ، سواء العامة منها أو الخاصة ، إلا بعد السلسلة ذاتها من الآلام و التضحيات، فأعياد الجيش في البلدان المختلفة تأتي تعبيرا عن الوفاء للدماء الغزيرة التي يبذلها الجنود ، و من هو في صفتهم ، في ساحات الوغى، و عيد العامل تتويج لنضالات الحركة النقابية العمالية و حركة الثمان ساعات، و عيد المعلم هو المناسبة التي يحتفل بها العالم بالذين يوقدون انفسهم شموعا لإنارة الطريق للآخرين مثلما تقول الديباجة . و تمتد سلسلة الأعياد للاحتفاء بالأم و الأب و الحبيبة و الشجرة، و السلسلة تطول و لكنها لا تختلف من حيث صدق التعبير عن المشاعر الحميمة إزاء اصحاب المناسبات. و مناسبة اليوم العالمي للترجمة (International Translation Day) لا تختلف عن هذه المناسبات العظيمة من ناحية أن المترجمين بذلوا ، على اختلاف العصور و الأزمان، مهجهم و أرواحهم خدمة للقضايا الوطنية الخاصة و القضايا الانسانية العامة. و تحيلنا مناسبة اليوم العالمي للترجمة إلى استذكار بعض المترجمين الذين وهبوا أنفسهم خدمة لقضايا الترجمة ،عموما، و المتلقي خصوصا، و نتذكر منهم على وجه الخصوص جون وايكلف و جان هس و مارتن لوثر و وليم تنديل و ايتيان دوليه .
لقد لاقى مارتن لوثر و وليم تنديل و ايتيان دوليه ، من بين المترجمين الخمسة ، حتفهم في غضون عشر سنوات ، هي السنوات الممتدة بين 1536-1546 ، و كان لوفاتهم تأثير كبير في مجرى التاريخ الترجمي و الانساني. و أول المترجمين الذين سنستعرض مسيرتهم هو جون وايكلف الذي أعتقد اعتقادًا راسخًا أن الكتاب المقدس يجب أن يكون متاحًا للجميع و أن محو الأمية هي المفتاح لتحرير الفقراء. و على الرغم من أن أجزاء من الكتاب المقدس قد ترجمت سابقًا إلى اللغة الإنكليزية ، إلا أنه لم تكن هناك ترجمة كاملة. و لم يمكن للناس العاديين ، الذين لا يتحدثون اللاتينية ولا يستطيعون القراءة ، سوى التعلم من رجال الدين. و لم يكن الكثير مما اعتقد الناس أنهم يعرفونه من أفكار مثل نيران الجحيم والمطهر أنها جزء من الكتاب المقدس. و في عام 1427 ، أمر البابا مارتن باستخراج عظام جون وايكلف من قبرها وحرقها وإلقائها في نهر سويفت. كان وايكلف حينها ميتًا منذ 40 عامًا ، لكن “جريمته” ما زالت تثير الغضب.
و في العام 1402 ، تم تعيين القس التشيكي الجديد جان هس (Jam Hus) على منبر في براغ للعمل في الكنيسة. استعمل هس، الذي كانت تلهمه كتابات وايكلف التي كانت متداولة في أوربا ، منبره في حملة من أجل الإصلاح الديني وضد فساد الكنيسة. لقد اعتقد هس، مثل وايكلف، أن الإصلاح الاجتماعي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال محو الأمية. و كان إعطاء الناس كتابًا مقدسًا مكتوبًا باللغة التشيكية ، بدلاً من اللاتينية ، أمرًا حتميًا. و قام هس بتجميع فريق من العلماء، و في عام 1416 ظهر أول إنجيل تشيكي. لقد كان ذلك تحديًا مباشرًا لأولئك الذين أسماهم هس “تلاميذ المسيح الدجال” وكانت النتيجة متوقعة: تم القبض على هس بتهمة الهرطقة و اعدامه حرقا.
و المترجم الثالث ، الذي و ان مات ميتة طبيعية إلا أن أكثر من نصف أوربا كان يتمنى رؤيته مشنوقا و مقطعا الى أوصال ، هو رجل الدين مارتن لوثر (Martin Luther) الذي قام بدور مهم في فترة الاصلاح . لقد عرض لوثر نفسه للمخاطر و لانتقادات الكنيسة القاسية بسبب قراره جعل النصوص المقدسة متداولة بين أوسع قطاعات الشعب الألماني عبر ترجمتها إلى أحدى اللهجات الألمانية. يقول لوثر متحدثا عن أهمية استعمال العامية في الترجمة “عليك أن تسأل الأمهات في بيوتهن و الأطفال في الشوارع و الرجال العاديين في الأسواق و تنظر إلى أفواههم و كيف يتكلمون و أن تترجم بتلك الطريقة، سوف يفهموا عليك بعدها و يعلموا أنك تتكلم معهم بالألمانية”. و يقول عن مصاعب الترجمة:
و غالباً ما حصل ان بحثنا و سألنا عن كلمة واحدة لأربعة عشر يوماً – بل و لثلاثة اسابيع او اربعة – و لم نجدها في كل ذلك الوقت. و لا أعلم اذا كان باستطاعة احدهم ان يعبر عن كلمة Liebe (حب) بالإخلاص و بالتمام نفسيهما في اللاتينية او في لغات أخرى بحيث ترن الكلمة و تقرع في جميع حواسنا كما تفعل في لغتنا. صديقي العزيز, الآن و النص مترجم الى الالمانية و بشكل تام, يستطيع اي كان ان يقرأ النص و يدرسه, و يمكن لك ان تطلع على ثلاث او اربع صفحات من دون أن تصطدم ، أبدا، بجذع شجرة , و لن تلحظ الصخور و جذوع الاشجار التي كانت هناك حتى, لأنك الآن تعبر خلال ذلك كله و كأنه سطح مصقول, لكن كان من الضروري علينا ان نعرق و نشقى لإبعاد الصخور و جذوع الأشجار من ذلك الطريق.
أما المترجم الرابع فهو وليم تنديل (William Tyndale) الذي كان لغويا كبيرا يقال أنه كان يتقن عشر لغات بما فيها العبرية ، و الذي أجبر على الفرار من بلاده لألمانيا بعد أن قرر محاكاة طريقة لوثر في الترجمة. و بالرغم من نجاحه في انتاج نسخة إنكليزية للنصوص المسيحية و للتوراة و التي هربت إلى انكلترا قإن زميله رجل الدين هنري الثامن وضع جائزة لرأسه ، و هكذا القي القبض عليه في بلجيكا و تم اعدامه في 1536 بعد أن قضى سنة كاملة في السجن. و كان المسعى النبيل لتنديل يهدف إلى اعطاء الرجل العامي نسخة واضحة من النصوص الدينية، و يعود لترجمته الفضل في التأثير على نسخة الملك جيمس. و في إنكلترا ، كان الكاردينال وولسي يقود حملة ضد إنجيل تنديل. و لم يكن أي شخص على صلة بتنديل أو ترجمته بأمان ، فقد اتهم بالهرطقة توماس هيتون ، الكاهن الذي التقى بتنديل في أوروبا، وأحرق حيا بعد أن اعترف بتهريب نسختين من الكتاب المقدس إلى البلاد. و ألقي توماس بيلني ، المحامي الذي كانت علاقته بتنديل عرضية على الأكثر ، في ألسنة اللهب. و في هذه الأثناء ، تعرض ريتشارد بايفيلد، الراهب الذي كان أحد أنصار تنديل الأوائل ، للتعذيب المستمر قبل ربطه بالقازوق. وتركت مجموعة من الطلاب في أكسفورد تتعفن في زنزانة كانت تستعمل لتخزين الأسماك المالحة.

و آخر المترجمين الذين نتناولهم و الذي قامت الكنيسة بإعدامه حرقا هو المفكر الفرنسي ايتيان دوليه (Étienne Dolet) الذي حكمت عليه الكنيسة بالموت بعد أن ثبت احدى لجان الاعتمادية (accreditation experts) بكلية اللاهوت بجامعة السوربون تقصيره لإضافته العبارة (rien du tout) لأحد حوارات افلاطون و التي تعني (لا شيء على الأطلاق) بما يوحي بعدم الإيمان بالخلود ، و تم على هذا الأساس حرقه، و إن كان احد كتاب سيرته يقول أن الكلمات الثلاث التي أضافها دوليه هي بقصد الوضوح. و علينا ألا ننسى فضل دوليه في تسطيره لنا خمسة مبادئ للترجمة في مقالته (كيف تترجم بصورة حسنة من لغة لأخرى أو طريقة الترجمة الجيدة من لغة لأخرى) و هي:
1. على المترجم أن يفهم تماما معنى المؤلف الأصلي و يستوعب روحه و له الحرية في تبيان الغوامض.
2. على المترجم أن يملك معرفة تامة باللغتين الأصل و الهدف لكي لا ينقص أي شيء من عظمة اللغتين.
3. على المترجم أن يتجنب الترجمات الحرفية.
4. على المترجم أن يتحاشى المفردات الغريبة و غير المألوفة.
5. على المترجم أن يختار المفردات و يرتبها بصورة مناسبة لكي ينتج الأثر المرغوب.
و من الأمثلة المعاصرة على تضحيات المترجمين يمكننا أن نشير إلى حالة المترجمة البريطانية كاثرن غن التي كانت تعمل لوكالة استخبارية بريطانية هي GCHQ و قامت بتسريب وثائق مهمة لصحيفة الاوبزرفر تتعلق بالنشاطات غير الشرعية التي اتبعتها الولايات المتحدة و بريطانيا في غزوها للعراق، و هو الأمر الذي عرضها للاتهام بالخيانة. لقد قامت غن بانتهاك أحد أهم مبادئ اخلاقيات الترجمة ألا و هو السرية إلا أنها تقول بعد أن تم الافراج عنها بفعل حملات التعاطف الكبيرة التي قادها المثقفون و العلماء أنها لم تندم ابدا على فعلها ذلك و أن عملها كان ضروريا لمنع حرب غير شرعية يموت فيها الالاف من المدنيين العراقيين و الجنود البريطانيين.
و إيمانا من الأمم المتحدة بالخدمات الجليلة التي يقدمها المترجمون في التقريب و التوسيط بين الأمم المختلفة و تسهيل الحوار و التفاهم و التعاون الانساني بما يضيف للتنمية و يعزز السلام و الأمن العالميين، اتخذت الجمعية العامة في الرابع و العشرين من مايس 2017 القرار 71/288 الخاص بالمهنيين العاملين باللغات و دورهم معلنة الثلاثين من أيلول من كل عام، و هو عيد شفيع المترجمين القديس جيروم ، عيدا عالميا للترجمة علما أن الاتحاد الدولي للمترجمين (FIT) ساهم في الأحتفاء بالترجمة و المترجمين و أطلق في 1991 فكرة تخصيص يوم دولي للترجمة معترف به رسميًا لإظهار تضامن مجتمع الترجمة في جميع أنحاء العالم في محاولة لتعزيز مهنة الترجمة في بلدان مختلفة و ليكون هذا اليوم مناسبة لإظهار الفخر بمهنة أصبحت ضرورية بشكل متزايد في عصر تقدم العولمة. و في الإعلان عن البوستر المخصص للاحتفال بعيد المترجم العالمي لهذا العام 2020 و الذي ثيمته (إيجاد كلمات لعالم يمر بأزمة)، يقول الاتحاد الدولي للمترجمين:
إن مهنتنا تصبح محورية بصورة سريعة لمواكبة الحقائق والتوقعات المتغيرة ، وقد تم تسليط الضوء على أهمية عملنا لضمان وصول معلومات واضحة للجميع والتغلب على حواجز اللغة – العالمية والمحلية – بطرق غير مسبوقة هذا العام. يقدم المترجمون التحريريون وعلماء المصطلحات والمترجمون الفوريون خدمات حيوية في كل من الخطوط الأمامية وخلف الأخبار في حالات الأزمات ، لذلك دعونا نحتفل بمساهماتنا فيما بيننا بالإضافة إلى تزويد الجمهور العام بالمعلومات حول عملنا.
و ختاما هنيئا للمترجمين و منظري الترجمة و اساتذة الترجمة و طلبة الترجمة و المعنيين بالترجمة بيومهم الخالد و كل عام و هم بألف خير

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close