تشـرين تحتفي بالذكرى الأولى: 3 مجازر عالقة فـي الذهن و11 لجنة تحقيقية بلا نتائج

بغداد/ تميم الحسن

كان مرعبًا وغير متوقع ما جرى. شباب يصرخون على جسر الجمهورية القريب من ساحة التحرير وسط بغداد: لبيك يا عراق، بينما يأتي رد القوات الامنية بالرصاص الحي. وتكرر هذا المشد اشهر فيما كانت قوافل الشهداء والجرحى متواصلة.

بعدها تغير الحال لتعد الحكومة البديلة (خلفا للسابقة التي سيسقطها المحتجون) قائمة بمئات ضحايا التظاهرات التي ستعرف بـاسم قائمة شهداء “احتجاجات تشرين”. بالرجوع الى نهار 1 تشرين الاول 2019 (الذي تمر ذكراه الأولى اليوم) قالت خلية حكومية مشتركة بين وزارتي الداخلية والصحة في بيان انه “جرى تسجيل حالة وفاة واحدة و200 إصابة بينهم 40 من منتسبي الأجهزة الأمنية”، وبهذا افتتح ملف القمع الحكومي الذي مورس على المحتجين.

وأضاف البيان أن “العاصمة بغداد وعدد من المحافظات، شهدت انطلاق تظاهرات احتجاجية تطالب بتوفير الخدمات العامة وفرص العمل”. وأعربت الخلية في بيانها عن “أسفها لما رافق هذه الاحتجاجات من أعمال عنف”. واتهمت من وصفتهم بـ”مجموعة من مثيري الشغب” بـ”القيام بأعمال أدت لإسقاط المحتوى الحقيقي لتلك المطالب وتجريدها من السلمية التي خرجت لأجلها”. ووفق البيان نفسه، خرج عدد لم يحدد من المصابين من المستشفى بعد تلقي العلاج، فيما يتلقى 50 آخرون الرعاية الصحية. ولم يشر البيان إلى حجم الاصابات أو طريقة اصابتهم أو طريقة مقتل الشخص، سواء بالرصاص أو الغاز المسيل للدموع أو غيره.

ليلة سهر فيها العراقيون

في ذلك اليوم، لم ينم اغلب العراقيين، وبدأت مواقع التواصل الاجتماعي تتناقل مقاطع الفيديوهات لما يجري في بغداد وعدد من المحافظات. واظهرت تلك التسجيلات عنفًا مفرطًا من قوات امنية وحرائق لإطارات السيارات تغلق شوارع رئيسة. قبل انتهاء ليلة اول يوم من الاحتجاجات، وصل عدد القتلى الى قتيلين اثنين، بعد انباء عن سقوط متظاهر آخر في بغداد، ثم ليرتفع العدد في اليوم التالي الى 9 قتلى، عقب مقتل 6 متظاهرين في الناصرية (التي ستقود بعد ذلك دفة الاحتجاجات) بالإضافة الى شرطي واحد. واغلقت السلطات المنطقة الخضراء، التي كانت قد اعادت افتتاحها قبل 4 اشهر من الاحتجاجات امام العراقيين لأول مرة منذ اغلاقها قبل اكثر من 15 عاما، كما فرضت حظرا للتجوال في بغداد، الناصرية، وبابل، والعمارة، لم يلتزم به العراقيون رفضا للقمع الذي كانوا يشاهدونه عبر السوشيال ميديا. وقبل نهاية اليوم الثاني للاحتجاجات اغتيل الناشط ورسام الكاريكاتير حسين عادل المدني مع زوجته سارة بمنزلهم في البصرة بواسطة عدد من المسلحين الملثمين، وكان حسين وزوجتهِ من المشاركين في التظاهرات التي انطلقت في المدينة الجنوبية.

وفي اليوم الخامس للتظاهرات وصل عدد القتلى – بحسب الاحصائيات غير الرسمية حيث بدأت الحكومة تتكتم على اعداد الضحايا- الى 60 قتيلا، مقابل اكثر من 1500 جريح، فيما قدمت الحكومة رواية جديدة عن الجناة قالت بانها رصدت “قناصين” يستهدفون المتظاهرين والقوات الامنية. وقبل نهاية الاسبوع الاول من التظاهرات، حدثت مواجهات عنيفة في مدينة الصدر، شرقي بغداد، حيث كان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قد دعا قبلها بأيام الى استقالة الحكومة التي كان يترأسها عادل عبد المهدي واجراء انتخابات مبكرة باشراف اممي. وقال الصدر في وثيقة مكتوبة بخط يده، ان ذلك الاجراء هو “لحقن الدماء”. قتل في مواجهات الاسبوع الاول التي امتدت من ساحة التحرير الى مدينة الصدر، بحسب مسؤولين ومحللين، 7 متظاهرين وجرح 22 آخرين، بينهم حالات خطرة، باطلاق نار من قبل جنود اللواء 45 الفرقة 11، التابعة للجيش، والتي امر بعدها رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي بسحبها من المدينة. ونشر ناشطون، آنذاك احصائيات قالوا انها صادرة عن اعلام مستشفى الشهيد الصدر، ومراكز شرطة المدينة، اشارت الى مقتل نحو 80 شخصا من سكان المدينة وجرح اكثر من 1000 آخرين في تظاهرات بمناطق متفرقة من العاصمة. وأشارت الاحصائية الى وجود 19 مفقودا في تلك الاحداث من ابناء مدينة الصدر، و250 مصابا بحالة حرجة، مبينة اصابة 550 متظاهرا اعمارهم بين 20 و30 سنة.

كما ذكرت الارقام، وجود 30 مصابا من المتظاهرين من سكان المدينة، منتسبين في الحشد الشعبي تابعين لـ3 الوية مختلفة، و60 قتيلا من الموظفين، و21 قتيلا بين سائق تكسي و”تك تك”.

وقالت الاحصائيات ان اماكن مقتل واصابة هؤلاء المتظاهرين، توزعت بين ساحتي التحرير والطيران، تقاطع الجملة العصبية، وساحات مدينة الصدر، فيما اكدت ان اغلب الاصابات كانت بطلق “قناص”.

سقوط “القناص” من لجان التحقيق

وظلت هوية “القناصين” مجهولة حتى الآن، على الرغم من تشكيل اكثر من 10 لجان حكومية وبرلمانية للتحقيق في احداث تشرين، آخرها ما اعلن عنه رئيس الوزراء في الحكومة الحالية مصطفى الكاظمي في حزيران الماضي.

وقالت مجموعة من المحامين لـ(المدى) تابعوا ملف الانتهاكات في الاحتجاجات إن “السلطات اعتقلت نحو 1000 متظاهر في بداية التظاهرات، نصفهم من بغداد”، واحتجز العدد الاكبر من المتظاهرين في مراكز شرطة السعدون، العلوية، المسبح، وباب الشيخ. وكانت الحكومة آنذاك قد قالت ان عدد القتلى في الاحتجاجات وصل الى 104 قتلى واكثر من 6 آلاف جريح.

وعقب العنف الذي واجهت به السلطة الاحتجاجات في اول عشرة ايام، شكلت الحكومة لجنة ‏تحقيق بطلب من المرجع الاعلى علي السيستاني، وعرضت نتائج التحقيق بعد اقل من ‏اسبوعين. واتهمت اللجنة نحو 50 ضابطا ومسؤولا في عدد من المحافظات باستخدام العنف والرصاص الحي ضد المتظاهرين، فيما انكرت اللجنة صدور اوامر حكومية باستخدام الرصاص، ولم تشر الى هوية القناصين. وكان ابرز الناشطين الذين قتلوا بالرصاص في الموجة الاولى للتظاهرات، قبل ان تنطلق الثانية في 25 تشرين الاول، هم امجد الدهامات في العمارة، عدنان رستم في بغداد، واحمد الياسري في النجف.

هدنة قصيرة وخطاب التنحي

بعد هدنة قصيرة استؤنفت الاحتجاجات فجر 25 تشرين الاول، في بغداد و7 مدن اخرى في الوسط والجنوب، وقتل في اليوم الاول منها نحو 20 متظاهرًا، فيما اصيب 800 آخرون، فيما احرقت عشرات المباني الحكومية والحزبية، كما كان ابزر الناشطين الذين قتلوا في نهاية الشهر الاول للتظاهرات هو صفاء السراي بقنبلة غاز اصابته في رأسه. استمرت بعد ذلك اعمال العنف، وفي الشهر الثاني للتظاهرات، قتل واصيب نحو 300 متظاهر في هجوم للقوات الامنية على المحتجين لفك الحصار عن ميناء ام قصر في البصرة، الذي طوقه المحتجون لعدة ايام تنديدا بسوء الخدمات والبطالة المرتفعة في المدينة الغنية بالنفط. واحرق مجهولون في الاسبوع الثاني من تشرين الثاني 2019، 100 خيمة للمحتجين في البصرة وكربلاء، واتهم متظاهرون ملثمون يرتدون الزي العسكري بالهجوم على الخيم.

وانتهى الشهر الثاني من الاحتجاجات مع خطاب التنحي لعادل عبد المهدي عن الحكومة بسبب ضغط الاحتجاجات، حينها كان عدد القتلى قد تجاوز الـ300، ونحو 15 الف مصاب، كما احترق نحو 1000 مخزن ومحل تجاري في شارع الرشيد، بحسب بيان لغرفة تجارة بغداد، بسبب استخدام القوات الامنية لعبوات حارقة.

مجازر المدن الثلاثة

وسبقت الاستقالة “مجزرة” في الناصرية – اتهم فيها مسؤول خلية الازمة الفريق جميل الشمري باطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين قرب جسر النصر والزيتون في وسط المدينة، فيما ما يزال مصير الشمري غير محسوم.

واسفر اطلاق النار الذي صدر من قوات الرد السريع في الناصرية الى مقتل 16 واصابة اكثر من 150 جريحا. وفي الشهر الاخير من العام الماضي، هاجم مسلحون مجهولون منطقة السنك القريبة من ساحة التحرير، في واحدة من اعنف الهجمات التي تعرض لها المحتجون، حيث اسفر الهجوم عن مقتل واصابة نحو 100 شخص، فيما كانت الساحة مطوقة بالقوات الامنية.

واتهمت حينها اطراف تابعة للحشد الشعبي في شن الهجوم، خصوصا مع اصدار هيئة الحشد في ليلة الهجوم، بيانا تم حذفه بعد ذلك بحجة اقتحام “هكر الكتروني” موقع الهيئة، قال بانه توجه الى “السنك بعد استنجاد مجموعة مختطفين لإنقاذهم”. ودعا بعد ذلك فالح الفياض، رئيس الهيئة في بيان على الموقع، بعد انتهاء “القرصنة الالكترونية” المزعومة، فيه جميع فصائل الحشد “الى عدم المشاركة باي مهمات داخل مناطق التظاهر”. ومع بداية العام الجديد 2020، حدثت متغيرات على مستوى الاحتجاجات، حيث اتهمت ساحات التظاهرات بالاحتفال في ليلة مقتل ابو مهدي المهندس، نائب رئيس الحشد، والجنرال الايراني قاسم سليماني، بغارة اميركية قرب مطار بغداد. وبدأت حملات الاختطاف والقتل ومهاجمة ساحة التحرير في بغداد وخيم الاعتصامات في مدن اخرى تتصاعد، فيما انقلب زعيم التيار الصدري حينها على المحتجين، وبدأ حملة ضد بعض المتظاهرين عرفت شعبيا بعد ذلك باسم “جرة اذن”. وتورط اصحاب القبعات الزرق التابعين للصدر، بعمليات عنف ضد المتظاهرين مع تبدل موقف زعيم التيار الصدري الذي تزامن مع تكليف محمد توفيق علاوي في شباط الماضي، بمنصب رئيس الوزراء بدلا عن عبد المهدي.

وفي نهاية الاسبوع الاول في شهر شباط الماضي، وجه “الصدر” بحسب “القبعات الزرق” الذين كان لهم بالسابق دور في حماية التظاهرات، بعد مصادمات عنيفة في ساحة الصدرين في النجف، انتهت بمقتل 11 متظاهرًا واصابة 122 آخرين.

وقال مقتدى الصدر، اواخر شباط في لقاء متلفز، تعليقا على مواقفه من الاحتجاجات: “الثوار ابنائي وكانوا يستحقون جرة اذن”.

“كورونا” تخفي أثر المفقودين

وفي آذار وهو الشهر الاخير لزخم التظاهرات، بسبب انتشار وباء “كورونا” وبدء الحكومة سياسة الاغلاق، وصل عدد القتلى الى 700 متظاهر، بحسب محامين تحدثوا لـ(المدى)، وهو رقم تقريبي كرره رئيس الجمهورية برهم صالح، فيما قالت حكومة الكاظمي بعد ذلك ان العدد بحسب قائمة اعدتها للضحايا هو نحو “560 شهيدا”. وكشف الحقوقيون ان 35 هجوما على المتظاهرين نفذه مسلحون يعتقد انهم تابعون لأحزاب، وقتل اكثر من 30 ناشطا وصحفيا بعمليات اغتيال، كما لايزال هناك 60 ناشطا ومحاميا في حكم المفقودين.

ولا يعرف حتى الان مصير المختفين ولم يعتقل من المسؤولين عن استهداف المحتجين بشكل واضح، سوى 3 عناصر امنية اتهمت مؤخرا بقتل متظاهرين ببنادق الصيد قرب ساحة الطيران وسط بغداد. وينتظر الجميع نتائج التحقيقات التي وعدت بها حكومة الكاظمي قبل 3 اشهر، ونتائج لجان اخرى تتعلق بمقتل الخبير الامني هشام الهاشمي (قتل امام منزله في زيونة في تموز الماضي)، واختفاء الناشط سجاد العراقي في الناصرية، على الرغم من ارسال الحكومة قطعات الى المدينة عادت الى بغداد بدون “العراقي”.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close