أوراق عائلية ـ 5 أنا وزوجتي والأصدقاء

أوراق عائلية ـ 5
أنا وزوجتي والأصدقاء
يوسف ابو الفوز
منذ أول شبابنا وسعينا لخلق صداقات عرفنا بأن لا يمكن لأنسان أن يعيش بدون أصدقاء. وعلمونا ـ أهلناـ بأن الصداقة تساعد الأنسان للاستمتاع بالحياة، وتساهم في بلورة شخصيتة إلى الأفضل. وعلمتني الحياة، خصوصا التضاريس الوعرة منها، بإن كلمة (صداقة) واسعة المعنى جدا، وأن الصداقة الحقيقية تساعد الانسان على مواجهة مطبات الحياة وتكون عاملا فاعلا في نهوض الانسان ليواصل المسير. فالصداقة الحقيقية يمكن أن تحتوي الكثير من المفاهيم والعناوين الأخرى في العلاقات الاجتماعية وتصهرها في داخلها. فأجتهدت ـ مثلاـ بأن تكون زوجتي هي صديقتي أولا. فتعاملي معها كصديقة ـ زوجة، سيختلف عن تعاملي معها كزوجة ـ زوجة. فالصداقة تمنحنا مساحة حرية أوسع، بمزيد من التكافل في تبادل الأفكار واحترام التمايز في المواقف.
وهكذا حين أحاول بناء علاقتي مع أخي، ليكون صديقي ـ أخي، وليس أخي ـ أخي، فأني لا ألغي حق الأخوة، لكني أحاول ان أتحرك معه في فضاء حرية أوسع وأحاول ان أجعله أقرب للروح والعقل بعيد عن تبعات علاقة الدم التي تفرض على الأنسان مواقفاً لا يكون راغبا بها أحيانا. أقول هذا رغم أني شعرت مرات بأن بعض الاقارب يركبهم الغيظ ـ بشكل ماـ من استخدام كلمة صديق معهم، معتقدين أني ألغي إستحقاق القرابة، كإبن عم أو أبن خال أو …!
تعلمت من الحياة، بأن يكون لمفهوم الصداقة أجنحة قوية للطيران، تمنح الانسان إمكانية التحليق بعيدا عن تراب مختلف القيود التي ورثناها رغما عنا، في فضاءات واسعة من الحرية، وبما ان الحرية هي الشجاعة فان الصداقة تمنح الانسان قدر كبيرا من الشجاعة للتعبير عن نفسه. وهكذا اجتهدت لبناء فضاءات الصداقة بمستويات مختلفة، وفق دوائر ومدارات، متعلما من كون الطيور لها قدرات متباينة في الطيران، فأن فضاء النسور ليس كفضاء الحمام أو العصافير وهكذا … دواليب! وان الخبرة والتجارب هي من تجعلك تنقل صديق من دائرة أبعد الى دائرة أقرب، وبالعكس. وفي يوم ما ستجد نفسك ــ مجبرا ــ أن تضع أحدهم بعيدا خارج كل الدوائر الخاصة بك، حين تجد ـ مثلا ـ ان افعاله تتناقض مع أقواله ويضنك ساذجا وغافلا عن أفاعيله ودرابينه السرية. والامر هنا ليست لعبة (حية ودرج) أنها سنة حياة تعتمد على طريقة بناء علاقة الصداقة، التي لا يبنيها طرف واحد وأنما تكون بمساهمة الطرفين.
وإذا حسدت نفسي بنفسي على شيء، فاني أحسدها اولا على أصدقائي المقربين وخصوصا على ذكائهم وفطنتهم، فلا أجد نفسي مضطرا لتقديم كثير من الشروح والهوامش ليفهموا مقاصدي، فهذا يجنبنا ـ جميعا ـ من الخطر الداهم الذي يقوض أي علاقة إلا وهو درابين (سوء الفهم)، التي أن تكررت في علاقة ما، فهي إشارة قوية الى ان ثمت خلل في معادلاتها، وثمت أرقام مفقودة يتطلب البحث عنها بسرعة.
وإذا تحدثنا عن الصداقة، كونها حب ومسؤولية، فأنك ترفع القبعة للصديق الذي يسعى دائما لضخ طاقة إيجابية في أيامك، لتتجاوز المطبات المختلفة ـ صحية أو اجتماعية أو ألخ ــ التي تواجهك رغما عنك، ويذكرك دائما بأن غدا هو يوم أفضل وأنك ستنهض أقوى، من أية مشكلة أو وعكة ما (ثمت صديق يسميها “وكعة”).
أن الحديث عن الصداقة يجعلك مجبرا، بين الحين والأخر على مراجعة موقع اصدقائك في حياتك: في أي دائرة تضع الصديق الفلاني وفي أي فضاء، حين تجد أن موقعه بدأ يتزعزع داخل دوائر بعض الاصدقاء المقربين، لأسباب مختلفة، تتفق مع أغلبها وتجدها منطقية؟ هل ستضعه في دائرة أبعد قليلا، هل ستجد نفسك مجبرا لوضعه خارج كل الدوائر؟ هل …؟
ثمت صديق يريدك ان تتعامل معه (مثلما هو)، وتقبل بكل الدرابين التي بات يسلكها ـ سرا وعلانية ـ معتقدا ان ما يفعله هو الصواب، دون مراجعة نفسه ليعرف بأن هذه الدرابين التعبانة التي بدأت تظهر في حياته، بالنسبة لي ولصديقتي ـ زوجتي، وبعض الأصدقاء ـ الأصدقاء، هي درابين (ماتطلع) أبدا. ناسيا ان مبدأ (التعامل مع الانسان مثلما هو)، يشمل مفهوم التعامل مع الناس وفق عاداتهم وتقاليدهم ومستوى وعيهم وليس وفق درابينهم التعبانة؟
لتوضيح الامر شيئا ما سأذكر القراء بعلاقة زوجتي ـ زوجتي بالكلاب ـ (راجع من هذه الأوراق حكاية: أنا وزوجتي والكلاب) فهي لديها فوبيا ـ طالما أشار بعض الأصدقاء ـ لا تتناسب أبدا مع ما معروف عنها كإمراه قوية وشهدت في حياتها أياما وعرة كثيرة. فلطالما أجبرتني زوجتي ـ زوجتي ان أكون بوابا وحارسا عند دخولنا العمارة حيث نسكن، لأفحصه من عدم وجود ما يثير فزعها وأحيانا صراخها أو يجعلني ابحث عن فردة حذائها التي تتركها على السلم عند عودتها للشقة جريا وكأنها شاهدت شرطي أمن بعثي صدامي سافل في السلم. ولان غالبية معارفنا واصدقائنا من اهل البلد، حيث نعيش، يملكون حيوانات أليفة ـ قططا وكلابا ـ كنا ملزمين بالتعامل مع الناس (وفقا لعاداتهم وثقافتهم). التقيت مرة جارتي العجوز المتقاعدة في باب العمارة ـ هذا قبل جائحة الكورونا ـ وسألتها عن خططهم للإجازة. فقالت:
ـ نحن عائلة صغيرة، أنا وإيما وسوفي وزوجي، نحاول جاهدين لإيجاد بيت مناسب للعطلة في مدينة اسبانية ساحلية.
قابلت مرارا زوجها البطيء الخطو، العسكري المتقاعد، كنت أحترمه واجامله، ولطالما وقفت أنتظره بإستعداد، مثل جندي، ولا اغلق باب العمارة وأدخل او أخرج حتى اتركه يمر أولا. ويبدو أعجبه الامر، فبعد ان يربت على كتفي، مثل طفل، اسمع منه عبارات شكر جميلة، اضعها دائما في رصيد معاداة العنصرية الذي يعاني الأجانب من بعض اهل البلد. اما الابنة سوفي، الباسمة دوما، فقد جننت زوجتي ـ زوجتي بلون شعرها، فهو لا يثبت على لون واحد، ألوان غريبة، أبسطها الأخضر، ولكني لم يحصل وقابلت إيما، التي قدمت العجوز أسمها على ابنتها سوفي وزوجها. هل هي أكبر من سوفي ام تصغرها؟ أهي مجنونة مثلها بألوان الشعر؟ هل … ويوما عند الباب صاح العسكري:
ـ إيما.. أسرعي.
ووجدت إيما تقترب مني قفزا وتتشممني مادة بوزها في أماكن حساسة، حتى جعلتني أخشى على (ممتلكاتي الوطنية)، فأبعدها العسكري برفق، ضاحكا ومعتذرا. تبين ان إيما هي كلبتهم الاثيرة! ففهمت جيدا بان كثير من اهل البلد يكون كلبهم أو قطهم الاعز من بين افراد العائلة، وعليه يتطلب مني فهم هذا وتقبله والتعامل معه، لأنه دربونه إنسانية و(تطلع)، لكن كيف أجعل زوجتي ـ زوجتي تتوقف عن فضحي ووضعي في مواقف لم تنفع معها كل الأحاديث والنصائح كصديق ـ زوج، ولا حتى لبس الوجه العابس للزوج ـ الزوج، إذ كادت يوما ان تقلب طاولة الطعام في بيت أحد المعارف، من اهل البلد، حين قفزت ـ فجأة ـ قطتهم، ومن بين كل الحضور أختارت زوجتي ـ زوجتي لتجلس في حضنها؟ وحين لاحظ بعض الأصدقاء عدم استجابتنا بسرعة لزيارتهم صاروا يخبرونا مباشرة، إرضاءا لزوجتي ـ زوجتي بأنهم (ارسلنا القطة ويسكي الى الجيران) أو (تم حجز الكلب نوتي في غرفة الابنة). وشعرت بالألم ـ جدا ـ حين عرفت بأن قفص خاص بني للكلب نوتي، من الالواح والاسلاك في جانب من البيت ليضعوه فيه عند زيارتنا لهم. في المرات الأولى صار نوتي يطلق نباحا يقطع نياط القلب، يبدو كاحتجاجات بلغته الكلبية، لكن المدهش ـ جدا ـ انه لاحقا فهم الامر: ان هذه المرأة الجميلة، التي يتقدمها زوجها دائما ـ في حالة تأهب لحدث ما ـ في دخول البيت، لن تتوقف عن زيارتهم، وان عليه ان يحكم عقله ويفهم الامر جيدا، فلا مكان له في صالة الضيوف مع الاخرين بوجود هذه المرأة، فالأفضل ـ والأسترـ بدلا من إدخاله القفص قسرا، التصرف بحكمة حتى لا يفقد كرامته. أصبح المسكين نوتي كلما يرى زوجتي ـ زوجتي تجتاز عتبة بيتهم، ينسل بنفسه بهدوء، وبكل احترام وعزة نفس، وبدون شرشحة، ليدخل القفص، مرسلا نظرات خاصة لزوجتي ـ زوجتي، ـ أقسم بألم شديد ـ حتى نبيّ سليمان ليس قادرا على فهمها.

تموز ـ آب 2020

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close