بايدن أو ترامب.. أحلام إيران لن تتحقق

بايدن أو ترامب.. أحلام إيران لن تتحقق

حميد الكفائي

كثيرون في إيران والعراق يعوّلون على فوز جو بايدن في انتخابات الرئاسة الأميركية، إذ يعتقد هؤلاء بأنه سيعمل على تحسين العلاقة المتوترة بين إيران وأتباعها العراقيين من جهة، والولايات المتحدة وباقي دول العالم من جهة ثانية.

وربما يأملون أيضا بأن الرئيس الجديد سوف يعود إلى الاتفاق النووي، الذي انسحب منه الرئيس دونالد ترامب عام 2018، ويخفف العقوبات الأمريكية المتصاعدة على إيران منذ مجيء النظام الحالي إلى السلطة عام 1979.

لكن هؤلاء موغلون في التفاؤل، وربما يغفلون أو يتناسون بأنه لا يوجد خلاف بين الأميركيين حول الموقف من إيران، والخلاف كان حول تفرد الرئيس ترامب في اتخاذ القرار بخصوص الانسحاب من الاتفاق النووي. (الرئيس) بايدن، وإن اختلفت استراتيجياتُه وتوجهاتُه عن الرئيس ترامب، فإنه لن يستطيع أن يتجاهل التطورات الخطيرة التي حصلت خلال السنوات الأربع الماضية، التي شهدت تغوُّل إيران في العراق والمنطقة، وتدخلاتها السافرة وغير المشروعة في الشؤون الداخلية لدول المنطقة.

إيران في عهد ترامب أخطر كثيرا من إيران في عهد أوباما، والإجراءات الأميركية ضد إيران، التي اتخذت منحى عسكريا بقتل الجنرال قاسم سليماني ومضيفيه العراقيين من مليشيات الحشد الشعبي قرب مطار بغداد مطلع هذا العام، غير قابلة للإلغاء على الأمد المنظور.

لن يتجاهل بايدن ما فعلته إيران من عبث وتخريب في العراق والمنطقة العربية، أو هجمات ميليشياتها الصاروخية المتكررة وغير المبررة على السفارة الأميركية والجنود الأميركيين في المعسكرات العراقية.

لن يستطيع بايدن سياسيا أن ينقل علاقات أميركا مع إيران، التي وصلت إلى مرحلة خطيرة من التأزم، النقلة النوعية السريعة التي يأمل بها الإيرانيون وأتباعُهم، حتى لو أراد ذلك فعلا، خصوصا مع استمرار النظام الإيراني في نهجه المعادي للولايات المتحدة والدول العربية.

ففي السنوات الأربع الماضية، شنت ميليشيات إيران هجمات متواصلة على السفارة الأميركية والقوات والمصالح الأميركية في العراق، وهاجمت القنصلية الأميركية في البصرة مما أدى إلى إغلاقها، وقتلت أميركيين وبريطانيين وعراقيين. وقد زودت إيران هذه الميليشيات بالصواريخ والأسلحة المتطورة ودفعتها للاصطدام بالقوات والبعثات الدبلوماسية الأميركية واغتيال المعارضين العراقيين.

بل تجاوزت إيران الساحة العراقية إلى مهاجمة مؤسسات اقتصادية في دول الخليج العربي بالطائرت المسيرة، وزعزعت استقرار المنطقة وتوغلت في العراق وعملت على التحريض على المحتجين العراقيين على حكومة عادل عبد المهدي التابعة لها، وسعى إعلامها إلى تشويه سمعتهم وربطهم بالسفارات الغربية، والأميركية تحديدا، بينما قتلت ميليشياتها 700 شاب متظاهر في عمر الزهور، وجرحت، أو أعاقت، 25 ألفا آخرين وخطفت المئات من الناشطين والمثقفين والصحفيين والأطباء، نساءً ورجالا، ولا يُعرف مصيرُهم حتى الآن.

كما خالفت إيران الاتفاق النووي واعترفت بأنها أنتجت كميات من اليورانيوم أكبر من المنصوص عليها في الاتفاق، إضافة إلى مخالفات كثيرة أخرى. وفي المقابل فإن الولايات المتحدة شددت من عقوباتها على إيران وعلى من يتعامل معها، وتمكنت من خنق إيران اقتصاديا، مما دفع إيران إلى مزيد من التشدد في إجراءاتها ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وجعلت من الساحة العراقية مجالا لاعتداءاتها على الدول الأخرى، دون أي اكتراث للسيادة العراقية أو مصالح الشعب العراقي.

ما حصل خلال أربع سنوات من تدخلات إيرانية سافرة في الشؤون العراقية، وإقحام الميليشيات التابعة لها في المؤسسات والأماكن الحساسة، بما في ذلك المنطقة الخضراء، واعتدائها على البعثات الدبلوماسية ومهاجمتها المعسكرات العراقية وقتلها أميركيين وعراقيين وأجانب في هذه الهجمات، لا يمكن إغفالُه لمجرد تغيُّر الرئيس. إيران اليوم أخطر كثيرا من إيران الأمس، والعودة إلى الاتفاق النووي مستحيلة، أما التقارب معها أو رفع العقوبات عنها فهو أبعد كثيرا مما يتوهمه الحالمون.

ما هي مصلحة الرئيس الأميركي الجديد في تجاهل الأفعال العدائية الإيرانية والخطر الإيراني المتزايد على الأمن والسلام الإقليمييْن؟ وما هي المصلحة التي تجنيها الولايات المتحدة من تخفيف الخناق على النظام الإيراني، الذي يصر على رعاية الإرهاب وممارسته، ومواصلة التدخل في شؤون الدول الحليفة للولايات المتحدة؟ الرئيس الأميركي، ديمقراطيا كان أم جمهوريا، سيضع مصالح أميركا وحلفائها نصب عينيه، قبل أن يغير السياسة الحالية، سواء فاز بايدن أم بقي ترامب.

سوف يعمل بايدن على تحسين علاقات أمريكا مع الصين، الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة، وهذا لن يكون في صالح إيران، لأن الصين، إن كانت تتعاون حاليا مع إيران سرا، في مخالفة واضحة للعقوبات الأميركية، فإنها سوف تحرص على التزام العقوبات الأميركية، كي لا تُغضِب شريكها التجاري الأكبر، الذي تحتاجه بشدة لمواصلة النمو الاقتصادي والتقدم العلمي والتكنولوجي، وهذا سيزيد من عزلة إيران وتفاقم أوضاعها الاقتصادية.

كما سيعمل بايدن على تحسين علاقات بلاده مع دول الاتحاد الأوروبي، التي تدهورت في عهد الرئيس ترامب، وسينعكس هذا سلبا على العلاقات الأوروبية الإيرانية.

صحيح أن نظرة الأوروبيين إلى العلاقة مع الشرق الأوسط قصيرة الأمد، تسيُّرها المصالح الاقتصادية الآنية، إلا أن علاقاتهم مع الولايات المتحدة مبنية على تحالفات استراتيجية ومصالح اقتصادية وتوافقات سياسية وعسكرية وروابط ثقافية بعيدة الأمد، ولابد أنهم يحرصون على مصالح حليفتهم الكبرى، ويمارسون ضغطا على إيران للكف عن التدخل في العراق ولبنان واليمن والبحرين وسوريا، وإيقاف برنامج التسلح النووي، وتصنيع الصواريخ البالستية التي تهدد الدول الإقليمية.

لم تتحسن العلاقات الأميركية الإيرانية في عهد الرئيس أوباما، حتى بعد إبرام الاتفاق النووي عام 2015، ولم تسمح إدارة أوباما للبنوك والشركات الأميركية أن تتعامل مع إيران، وما حصل هو وضع برنامج التسلح النووي الإيراني تحت الرقابة الدولية.

وقد استفادت إيران من الانفتاح الأوربي عليها نتيجة للاتفاق. لكن برنامج التسلح النووي الإيراني لم يعد الأمر الوحيد الذي يقلق العالم الآن، فهناك التمدد الإيراني المسلح الخطير في دول المنطقة، الذي استدعى رص الصفوف وإبرام تحالفات دولية جديدة لمواجهته، وهناك برنامج الصواريخ الباليستية البعيدة المدى التي تستهدف الدول الإقليمية، وهناك التحريض الطائفي والديني الذي تمارسه إيران ضد الدول الأخرى لتمرير مشروع الهيمنة القومية الإيرانية على المنطقة.

لن تتحسن علاقات إيران المتدهورة مع الولايات المتحدة ودول أوروبا والدول العربية والإسلامية إن لم تتخلى عن نهجها العدائي التوسعي الذي سلكته منذ 40 عاما، والمبني على أوهام وضغائن تاريخية وإحباطات ثقافية وأحلام قومية غير قابلة للتحقيق.

لقد ربّت إيران أجيالا من الإيرانيين على كره الولايات المتحدة واحتقار الثقافة الغربية، باعتبارها “ثقافة شيطانية متفسخة منحطة معادية للآخر”، مقارنة بالثقافة الإيرانية “الروحانية المبنية على التعاليم السماوية والمحبة ومكارم الأخلاق”.

ورسَّخت عند إيرانيين كُثر، وَهْمَ “حق إيران في الهيمنة على المنطقة باعتبارها متفوقة ثقافيا وحضاريا”! بينما الحقيقة مختلفة تماما، فإيران تعتاش على الفكر والتأريخ والثقافة العربية، والغريب أنها تتسلح بها من أجل السيطرة على العرب! ويؤمن قادتها بأوهام قادت بلدهم إلى التدهور وجعلته منبوذا في العالم العربي والإسلامي ابتداءً، ثم في العالم الأوسع انتهاءً. جهل القادة الإيرانيين بالسياسة والعلاقات الدولية ومبادئ التعايش واحترام الآخر أضر بشعوب إيران والمنطقة عموما، وما لم تتغير نظرة هؤلاء القادة إلى العالم فإن معاناة الإيرانيين والشعوب المجاورة لهم سوف تتفاقم، والبديل سيكون تحالفا دوليا لإجبار إيران على الانسجام مع العالم.

قد يفوز جو بايدن باالرئاسة الأميركية، لكنه لن يرفع العقوبات الأميركية عن إيران، كما يتوهم المخرفون في طهران.

بايدن، إن فاز، سيقود أقوى دولة في العالم، وسوف يحسن علاقاتها مع الدول الأخرى ويعزز قوتها، ولن يكون هذا لصالح إيران، إن لم تغير من نهجها، وتعمل لخدمة شعبها فحسب، وتقلع عن التمدد خارج حدودها، كما سعت خلال السنوات الأربعين الماضية. لا نتوقع تغيرا في النهج الإيراني الحالي في ظل القيادة الحالية المهيمنة على إيران منذ أربعة عقود، ولكن كل شيء قابل للتغيير، ولابد أن هناك قادة آخرين يدركون خطل السياسة الحالية، ويسعون بجد إلى تغييرها، فالمستقبل لا يصنعه المتجمدون في الماضي، بل القادرون على الإبداع والتكيف مع الواقع والتفاعل مع المتغيرات، والسمو فوق الأهواء والنَزَعات.

المأساة التي يعيشها العراق اليوم، هي من صنع الولايات المتحدة ابتداءً، التي سمحت، دون قصد، بهيمنة إيران على العراق، وتقع عليها مسؤولية أخلاقية ودولية لمساعدة شباب العراق على التخلص من النفوذ الإيراني المسلح. الشعب العراقي منتبه لأسباب المشكلة، وقد ثار على واقعه، ولن يسمح بسيطرة إيران عليه مهما كلفه ذلك من تضحيات.

ولا شك أن المستقبل هو للشعب العراقي التائق إلى دولة ديمقراطية عصرية مستقلة. شباب انتفاضة تشرين برهنوا في تظاهراتهم الحاشدة في ذكراها الأولى، على أنهم رجال المستقبل القادرين على النهوض ببلد عانى كثيرا منذ تأسيسه قبل مئة عام.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close