الدولة والمجتمع المدني، حدود التأثير والتأثّر

الدولة والمجتمع المدني، حدود التأثير والتأثّر
د. ماجد احمد الزاملي
يُؤسِس المجتمع المدني بالتفويض لقيام الدولة وإستمرارها ,لتعود الدولة لِتُشَكِل راعياً وحافظاً للمجتمع المدني، ولذلك اقتنع هيغل إلى أن الدولة هي الأولى، والمجتمع هو في المرتبة الثانية، لأنه في حضن الدولة فقط تستطيع الأسرة أن تتحول إلى مجتمع مدني، وإن فكرة الدولة نفسها هي التي تَتَجزأ إلى هذين العنصرين. وإن أسمى أشكال الفرد أن يكون عضواً واعياً في الدولة” حيث يدخل مفهوم المواطنة.الدولة إذن هي الروح الموضوعية التي يكون كل مواطن شعوره فيها بالامان والاستقرار ولا يشعر بالاغتراب .والدولة، بهذه الصفة، بوصفها الحقيقة الواقعية للحرية العينية، هي التي تتولى كفالة الحريات الفردية والمصالح الفردية ونحوها فيما يتعلق بما هو مشترك بين المواطنين. والدولة، كما يراها هيغل، هي الميدان الأخلاقي للكلية والتكامل في المجتمع المدني، وعلى حد تعبيره فإنّ:” الدولة العادلة هي التحقق النهائي للروح في التاريخ لأنّها قائمة على الحرية وليس على القسر”، ولا تستند مقدرتها إلى القوة وإنّما إلى قابليتها على تنظيم الحقوق والحرية والرفاه في كل منسجم يخدم الحرية لأنّه غير مسوق بالمصلحة،” وليس جوهرها الأساسي الحماية والضمان غير المشروطين لحياة وملكية أعضاء الجمهور العام بصفتهم أفراداً، إنّما، على العكس هي الوحدة الأعلى التّي تتمتع بحق في هذه الحياة والملكية تتطلب التضحية بها“، فالدولة مقولة أخلاقية لأنّها توّفق بين تناحرات المجتمع المدني، وتُغطي المشاغل الكلية للبشر بالمعنى الأوسع لهذا المصطلح. (جون اهرنبرغ، المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة، ترجمة: علي حاكم صالح، حسن ناظم، مركز الدراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008).
يبدأ المجتمع المدني بالتَشَكل عند جاد الكريم الجباعي “عندما تحل الحقوق المرتبطة بالعمل أو بالحياة العملية التي تعطي العمل مضمونه وأطره، وتحدد أهدافه وغاياته، محل الروابط المثالية المفترضة، لحمة اجتماعية قامت عليها الجماعات المغلقة ما قبل الوطنية. فالمجتمع المدني يقوم “على مبدأ المنفعة مفهومة فهمًا صحيحًا، وعلى الحقوق”. ليتطرق جاد الكريم الجباعي إلى “التعارض الجدلي بين النفع الخاص والنفع العام” مشيرًا إلى أن “حلول القانون مبدأ موحدًا للمجتمع والشعب ومنظمًا للدولة، محل آلهة العدالة، كان نقلةً كبيرة في الفكر السياسي وفي حياة المجتمع” ( كتابه: المجتمع المدني هوية الإختلاف) . ومنوّهًا “أنه لا يجوز إغفال أثر الدين في نشأة الاجتماع البشري ونشأة النظام والقانون”. إن إحياء دور المجتمع المدني التعاقدي مع الدولة يتطلب إعادة تنصيب وتأصيل لموقع الدولة ووظيفتها بالدرجة الاولى وبالتالي موقع ووظيفة المجتمع المدني وإعادة تأصيل لموقع ودور المجتمع المدني التاريخي والمعرفي في الحياة الاجتماعية ،السياسية والثقافية وكذلك موقع الدولة ووظيفتها في السياق عينه.
لقد أدى تجاوز الدولة العربية المعاصرة بشكل عام ،لمهمتها الحقيقية والطبيعية الى وضع المجتمع المدني خارج موقعه الطبيعي وقوَّضت دوره ,الذي هو محرك عملية التطور الاجتماعي وتقدم وتطورالدولة نفسها كتعبير نظمي عن تطور الجماعة وصيرورة العقد الإجتماعي وهو ما أدى بالتالي الى سقوط الدولة العربية بسقوط موضوعها .فكما ان الدولة ترعى المجتمع المدني وتوفر له سُبل النمو فإن المجتمع المدني هو الذي يحمي الدولة من الجمود والضعف والعجز ومن ثم التآكل والتهاوي . فالعقد الاجتماعي عقد صيرورة يعيد انتاج الدولة ويجددها ويمدَّها بالحيوية وبالتالي فإن تنكرالدولة لوظيفتها وهويتها الاجتماعية قد أفرغها من موضوعها المعرفي والإجتماعي الحيوي وهو ما جعلها ساقطة بالقوة ما قبل سقوطها بالفعل. المجتمع المدني، مجتمع الشغل والإنتاج، والملكية الخاصة والطبقات أو الفئات الاجتماعية ومصالحها المتعارضة، وما ينجم عنها من علاقات وتنظيمات اجتماعية، تكتسب جميع مضامينها ودلالاتها من العلاقات المتبادلة بين الفئات الاجتماعية، وموقع كل منها على سلم الإنتاج الاجتماعي ونصيبها من عوامل الإنتاج ومن الثروة الوطنية وناتج العمل الإجمالي. أجل، هو مجتمع الشغل والإنتاج والطبقات والثقافة التي تُعبِّر بها الطبقات عن نفسها وعن الطرق والأساليب التي تعبِّر بها، والقيم والمعايير التي تتبناها، وهو مجتمع الحاجات وسعي الأفراد إلى تلبيتها وإشباعها، وميدان التعاون والتآزر، وميدان الأنانية والتنافس والتنازع، ذلك هو الواقع ، أما الدولة التي تُمثل المصلحة العامة أو المصلحة الجماعية، فهي تجريد العمومية التي هي ماهية الأفراد والجماعات والطبقات أو الفئات الاجتماعية، وهي من ثَم الاستلاب السياسي لهذه الماهية. أما العمل والإنسان، والعمل والإنتاج، والعمل كأساس لنشوء المجتمع، ثم المجتمع المدني والدولة السياسية، والعمل و “التعارضات الاجتماعية” . المجتمع المدني مجتمع الأفراد المختلفين والمتنافسين والطبقات المختلفة والمتخالفة، ومن صنعهم، في حين تنقلب هذه الواقعة الموضوعية، في الدولة، رأساً على عقب، حتى لتبدو لنا الدولة بريئة من الاختلاف والتعارض، وحتى ليبدو المجتمع كأنه من صنعها. وبتعبير آخر: المجتمع المدني ميدان التعدد والاختلاف والتعارض، والدولة ميدان الوحدة. المجتمع المدني فضاء الحرية، والدولة مملكة القانون, طبقاً للعقد الاجتماعي وهو الصيغة الذاتية للمجتمع السياسي.
إنّ جوهر مشكلة المجتمع المدني في العالم العربي تتركز في انتشار سلطة الدولة في كلّ مجالات الحياة المجتمعية، ممّا يجعل من هذه السلطة أداة مراقبة تقف عائقا أمام إمكانية تحرّر الأفراد واستقلال المؤسسات الاجتماعية. فالدولة تسيطر على كلّ مجالات الحياة المجتمعية في إطار مشروع شمولي.. كما صارت الدولة توظِف سيطرتها المطلقة لأجل خدمة مصالح الفئة الحاكمة بدلا من تعظيم الصالح العام ، لذا صارت تنظر إلى أي حركة أو تحرك صادر عن مؤسسات المجتمع المدني تُنادي بالحق العام ومصلحة الشعوب على أنّه معارضة سياسية ورفض للدولة وسلطتها، ممّا يدفعا إلى اللجوء إلى الوسائل الردعية، وهذا ما أدّى إلى إحداث خلل سياسي في المجتمع-الدولة ، ودخول الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في مواجهات دموية.وأما الفرق بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي , فالمجتمع الاهلي عادة ما يكون ذو طابع قرابي عصبي، وانتماء الأفراد إليه لا تحدّده إرادتهم الحرّة بل رابطة الدم أو الانتماء العرقي أو الديني أو الطائفي، والمؤسسات التقليدية القرابية لا تدخل ضمن حيّز المجتمع المدني، لأنّ سلوكها وثقافتها غير مدنية والانتماء إليها إرثي لا طوعي وليس للفرد حتّى الاختيار ليكون من هذه الطائفة أو تلك القبيلة أو ذلك الدين، واستبدال هذا الانتماء يعني تعرضه للنبذ الاجتماعي أو القتل في بعض الأحيان.
اما البنك الدولي فيُعرّف المجتمع المدني بأنّه:” مجموعة المنظمات التطوعية التّي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة وتعمل لتحقيق المصالح المادية والمعنوية لأفرادها، وذلك في إطار الالتزام بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والقبول بالتعددية والإدارة السلمية للخلافات والنزاعات”. ويعتبر الوضع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية بشكل عام باستثناء دول الانتاج النفطي الخليجية التي يؤمن لها النفط وفرة ومعدلات نمو متنامية ودخل فردي مرتفع نسبياً ،يعتبر هذا الوضع المتردي الاكثر إلحاحاً في المعالجة وذلك لأرتباطه المباشر بالواقع الاجتماعي المتعدد الأوجه الذي تعيشه الشرائح الشبابية في عالمنا العربي وهو ما يجب ان يتزامن مع عملية إصلاح وإنفتاح سياسي حقيقي ،وذلك للترابط العضوي ما بين الاقتصادي والسياسي، بعيداً عن اي ضغط خارجي بل انطلاقاً من الحاجات الموضوعية الماثلة على أرض الواقع . وهو ما يتطلب موقفاً تقدمياً وجريئاً من الحكومات العربية التي لا بد أن تقف على أن التغيير إذا لم يحصل بالطرق السلمية فإن مخاطر نشوب إضرابات وهزات إجتماعية عنيفة قد بلغ شوطاً بعيداً فضلاً عن أن الاحباط والضغط الذي تعيشه شرائح المجتمع العربي المختلفة وعلى رأسها الشباب قد بدأ بدفع قطاعات هامة منهم نحو أشكال من الانعزال والبعض الأخر نحو الافكار الأكثر جذرية كتعبير عن حالة تمرد على واقع سياسي وإقتصادي ضاغط ومأزوم فضلاً عن الهجرة وما تعنيه من نزيف في الطاقات وما تخلفه من آثار إجتماعية خطيرة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close