لك تنحني الجبال.. قراءة في سيرة شهيد شيوعي

:بعد ان صدر كتابي ( لك تنحني الجبال ) عام 2010 كتب الفقيد جاسم ولائي قائلا

بعد ستة و عشرين عاما تماما من استشهاد الطبيب والنصير الشيوعي محمد بشيشي الظوالم تتحقق امنية الكاتبة بلقيس الربيعي في تسجيل سيرة زوجها الشهيد ابو ظفر في كتاب تحت عنوان لك تنحني الجبال ) الذي صدر في بداية خريف العام 2010 عن دار فيشون ميديا في السويد في 358 صفحة من القطع المتوسط.

بقدر ما ستنحني جبال كردستان و نخيل السماوة لتحية هذا الرجل الشيوعي احتراما لسيرته النضالية و الفكرية واعترافا بمآثره و مواقفه البطولية من اجل قضايا وطنه وشعبه ستبكي سوية مع غدران كردستان وسهولها وغاباتها وأشجار جوزها مع الفقراء والحالمين من الكرد على خسارة ذلك الرجل الذي قدم اليها بمعاقده و حكمته و ادويته البسيطة و مشرطه البدائي من سماوة العراق والعرب مناضلا وعاشقا وحكيما و مؤمنا بانتصار قضية شعبه و بمستقبل بلاده .

تتحدث هذه السيرة عن الشهيد و قليل من طفولته وحياته بين اسرته في حارة شعبية تدعى ( عجد دبعن ). و تتناول بحثه المتواصل عن عن المعرفة كطبيب و مثقف ثوري يسعى الى تغيير اوضاع الناس والبلاد الى الأفضل،و تحكي الكثير عن تواضعه و محبته وايثاره الآخرين،تتكرر هذه الحكايات و التفاصيل في شهادات و كتابات من عرفهم الشهيد وعاش وعمل معهم، فيما تقدم بلقيس الربيعي في سيرة الزوج والأب والحبيب تفاصيل عن مواقفه الانسانية، و تقول انه عاش حياته القصيرة ( 38 ) عاما عاشها انسانا بمروءة جمة رفيعة . و المروءة، كما تقول العرب، لاينالها انسان الا اذا تحلىباكثر صفات البشر كرامة وسموا، يستحق معها ان يدعى امرء.

عن حياته واسرته الكبيرة تقول الكاتبة بلقيس الربيعي: ان الدكتور محمد بشيشي الظوالم ولد في الثالث عشر من نيسان عام 1946 في مدينة السماوة هن اسرة متوسطة الحال وان ابوه ينتسب الى الثائر شعلان ابو الجون، مان رجلا مستقيما و ساهم بشجاعة في ثورة العشرين وكان الشهيد ابو ظفر يروي لها كيف ساهم والده مع سبعين مقاتلا اثناء ثورة العشرين في نسف سكة الحديد على مشارف مدينة السماوة في منطقة ( جسر بربوتي ) ليعيقوا حركة جنود الأنكليز من والى البصرة، وكيف أقدمت قوات الاحتلال البريطاني على اعتقال شعلان ابو الجون في سجن الرميثة وكيف تم تحريره . و تضيف الكاتبة ان الشهيد ينتمي الى عشيرة الظوالم والى شعلان ابو الجون قد عرفت هذه العشيرة بالبطولة و الجرأة والشهامة وقد اكتسب الشهيد هذه السمات

الشهيد ابو ظفر طبيبا

ــــــــــــــــــــــــــــ

تصف الكاتبة ايضا حياة الشهيد الدراسية في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية و دراسته بعد ذلك في كلية الطب بجامعة بغداد،و الجور الوظيفي و حالات النقل التعسفي التي تعرض لها من قبل النظام البعثي اثناء عمله كطبيب في معمل اسمنت السماوة، قضاء السلمان ( نقرة السلمان سابقا )وكيف كان يخجل من فتح عيادة خاصة له،ويخجل من تقاضي اجور مقابل علاجه للفقراء حتى لو كانت اجور رمزية

لم يمارس الشهيد عمله كطبيب في منطقة مريحة وفي ظروف طبيعية تتوفر فيها كل المستلزمات الطبية الضرورية لممارسة هذه المهنة. فقبل كردستان عمل الشهيد في اليمن الديمقراطية في

محافظة شبوة المتاخمة للربع الخالي، في وقت كان أطباء تلك البلاد يرفضون العمل هناك . كانت مدينة عتق في محافظة شبوة قبل وصول ابو ظفر اليها تفتقر الى وجود طبيب ، ولم يجد الشهيد هناك سوى بناء خال من أهم ما تحتاجه مهنة الطب . تتحدث السيرة عن تفاصيل كثيرة من حياة و مواقف الشهيد فيها ودوره في انقاذ حياة الكثير من المرضى من موت محقق .ومن هذه التفاصيل انقاذ حياة سيدة يمانية و جنينها بعملية قيصرية ببنج موضعي وقد ذلك الطفل الناجي بعد بلوغه سن الثلاثين عاما رسالة مؤثرة الى مؤلفة الكتاب زوجة الطبيب الشهيد بلقيس الربيعي، ذكر فيهاان أهالي محافظة شبوة ما زالوا يتذكرون ذلك الطبيب العراقي الذي أظاف الى حياتهم الكثير وغير فيها الكثير اثناء وجوده بينهم، وانه لن ينسى ذلك الرجل الشيوعي الذي انقذ حياته وحياة والدته وبفضله بعد الله و والدية ان ارى النور .و من هذه التفاصيل انقاذه لأمرأة عراقيةبنقلها بطائرة هيلوكوبترجاءت بوفد حكومي الى عتق و حمله الوفد على اختصار اجتماعه الى أقل من ساعة لنقل المرأة خلال فترة قصيرة الى عدن.

وفي سيرة الشهيد ايضا حكايات يتداولها الناس في كردستان و سوريا عن انقاذه لأحد الانصار ببتر اصابع قدمه المصابة بالغنغرينا في منطقة نائية في كردستان، مستخدما منشارا لقطع الحديد و بدون مخدر، الأمر الذي اثار دهشة الكثير من الأطباء من دقة العملية و مهارة الطبيب ،بحيث انقذ حياة هذا الرفيق وجعله يتمكن من السير بتوازن بعد اجراء العملية الجراحية بوقت قصير . و حكاية الطفل سمير الذي انقذه بتشخيص حالته فور مشاهدته اياه . كانت قد مرت فترة على انفجار الزائدة الدودية لديه. ووقتها قال أطباء سوريون وفلسطينيون ان سرعة التشخيص هي التي انقذت حياة الطفل الذي لم تكن حالته تسمح بساعة انتظار واحدة و ربما اقل من ساعة

و تسجل بلقيس الريعي تقلا من رفاق الشهيدمن الأنصار موقفا انسانيا قل نظيره اثناء انسحاب احدى مفارزالأنصار الكبيرة و عبور جبل قنديل بعد جريمة بشتاشان. كانت بين الأنصاء رفيقة حديثة الولادة في حالة من الأجهاد بحيث لاتقةى على حمل طفلها الرضيع، ولم يكن أحد من رجال المفرزة رغم عددهم الكبير يستطيع حمله بسبب التعب . الموقف الذي جعل الشهيد الدكتور ابو ظفر يحمل الطفل بعد ان ربط البشتين حول رقبته وحمل الطفل فيه . كان يتسلق الجبل عند اول نصير ويعود ثانية للنزول و الأطمئنان على آخر نصير في نهاية المفرزة و هو يحمل الرضيع

خواطر الشهيد

ــــــــــــــــــــــ

تنقل بلقيس الربيعي سبع عشرة خاطرة كان قد كتبها الشهيد د . نحمد في أماكن و فترات مختلفة والتي لم تتعرض للضياع من ادب الشهيد. فقد تناولت الخواطر العديد من الأفكار وتحدثت عن قضايا وافكار متنوعة في الحياة والفكر والتراث والطب وغير ذلك . منها على سبيل المثال ما تناولت الحياة اليومية وصور للناس وهم يمارسون حياتهم ونشاطهم اليومي في البحث عن لقمة العيش، وتحضيرات قبل العيد،و وقوفهم امام فرن الخبز. خاطرة اخرى وضحت المثل العليا للانسان و بحثت في اهم هذه المثلالصدق الذي يتطلب شجاعة نادرة وينطوي على خطر جسيم في حال تعارض مع المصلحة . و ببساطة وعمق شديدين يتناول الشهيد موضوع القوة ، كيف تتحول الى قوة غاشمة، ويبحث في ضرورة ردع هذه القوة والسشطرة عليها، ثم يعرج على ظلم وتعسف البيروقراطيين وسوء استخدام القوة .

ومن الموضوعات والأفكار الأخرى التي تناولتها خواطر الشهيد، البطالة التي تحول كل مكان الى مقهى للثرثرة، الأمل، العقيدة التي لايمكن توريثها بدون وعي، وكيف تموت العقيدة في حال توريثها بالتشبه فقط، القيم السائدة في مجتمعنا، عن الاستبداد والسلطة الابوية والتقاليد والعادات والقيم، الدعوة الى ثورة في الاخلاق وتغيير العلاقات الاجتماعية في اتجاه تقدمي، دفاعه عن

الشاعر يحيى عباس السماوي الذي زج في السجن لكتابته موضوعا عن مدينة الالعاب في السماوة و فضحه أساليب الاستغلال الجارية هناك وما وصل اليه خلق البعض من انحطاط. ويكتب ايضا عن الثقافة والدور الاجتماعي والثوري للمثقف .

لابد للقاريء ان يتوقف عند كل واحدة من الخواطر التي كتلها الشهيد ابو ظفر. ولابد له ان يجد واحدة منها على الاقل ترتبط به وبحياته وعمله . وثمة ما يجبر المرء للتوفغ والانتباه فجاة عند المعادلة التي رسمها الشهيد في خاطرته الحادية عشرالتي دونها في العاشر من ايلول عام1975 وفيها يقول : ” بالقدر الذي يزيد فيه المعلوم وينقص فيه المجهول من الضرورة الموضوعية في الوعي البشري، يقل فيه خوف الانسان وتتضائل خشيتهمما يضره في المستقبل، وبذلكتتسع حريته وتتعمق. فالحرية اذن هي في التخلص من الخوف او السيطرة عليه. وهذا لايتم الا بالفهم الحقيقي للضرورة الموضوعية .”

تثبت الحياة بشكل يومي صحة هذه المعادلة : كلما اكتشف مجهول تبدد الخوف بدرجة ما ، فاكثر الخوف هو من المجهول، وكلما تبدد جزء نت الخوف ات فاختفى الخوف منها ، سعت فسحة الحرية . ويمكن للمرء ان يورد تفاصيل كثيرة من حياته ضمن هذه المعادلة البسيطة التي انتبه لها الشهيد. فكم من المجاهيل كشفتها الحياة اكتشفها العلم بدء من الخرافة حتى العلم ومن السحر والشعوذة حتى الطب .

يوميات الشهيد

ـــــــــــــــــــــ

يا بلقيس ايتها المذيعة الحسناء في تلفزيون المثنى صبي في فم يسار حنين الوطن الذي زرع فيه المارقون الولادات والأسماء في أرجاء الدنيا ” ( اقتطفته من مقالة نشرها الصحفي ناجي متعب محمد في صحيفة الصباح البغدادية بتاريخ 27 آب 2003 )

الكثير من اليوميات التي كتبها الشهيد الطبيب محمد الظوالم كان قد فقد من ادبه وتراثه بالاهمال وعدم تحمل البعض مسؤولية الحفاظ عليها وايصالها لزوجته . رغم ذلك استغرقت الكاتبة بلقيس الربيعي وقتا طويلا وجهدا و مثابرة في جمع تراث زوجها الشهيد وتفاصيل حياته و صوره وذكرياته من خلال اصدقائه ورفاقه و زملائه في العمل ، ومما كتبه ورواه اولئك عن الشهيد

مقابل ضياع الكثير من تراثه، كان الشهيد قد انقذ مسودة كتاب للروائي زهير الجزائري ( حول الفاشية ) حملها معه الى أكثر من مكان حتى أوصلها الى صاحبها . وقد كتب الجزائري في النسخة التي أهداها الى بلقيس الربيعي قائلا : ” زوجك أنقذ مسودة هذا الكتاب فاليك أهديه .”

تحمل اليوميات تفاصيل ممتعة عن الحياة اليومية للشهيد، عن عمله كطبيب، عن سعيه لتطوير حياة الناس ولقاءاته مع زوير الصحة والأطباء في اليمن الديمقراطية ومحاضراته و نصائحه الصحية بين الناس البسطاء، وحرصه على نظافة المدينة والبيئة، وحملات التنظيف والتشجير، وعما قرأ من كتب ومن زاره أو ذهب هو لزيارته من الأصدقاء وتفاصيل اخرى عاشها في عدن والعراق

أما رسائله الى زوجته مؤلفة الكتاب فلم استطع قراءتها، رغم ان الكاتبة قد نشرت مقتطفات منها في الكتاب ، فقد اثبت بحالة من التهيب على من الاطلاع على ما يفضي الشهيد اليها بما يعتمل في نفسه من ألم الغربة والفراق واعتبرت ما كتبه الشهيد لزوجته التي عاش معها قصة حب طويلة شاعت اخبارها على ضفاف فرات السماوة وهي ما حدثتني به بلقيس الربيعي بصورة شخصية،

اعتبرت هذه الرسائل بوحا خاصا ومقدسا بين قرينين مايزالان يعيشان قصة الوفاء النادرة . لم أقرأ من تلك الرسائل سوى بطاقة كتبها الشهيد لأبنته ظفر وارسلها على عنوان روضة الأطفال في الدغارة .

في الجزء الأخير ضمت سيرة الشهيد محمد بشيشي الظوالم ( لك تنحني الجبال ) ما كتبه اصدقاء ورفاق وزملاء الشهيد و كتاب عرب عرف منهم وزير الصحة في اليمن الديمقراطية . و ضمت سيرة الشهيد الكثير من الصورالتي التقطت له في عمله وكفاحه .

بلقيس الربيعي

ـــــــــــــــــــــــ

في الوقت الذي يقر الجميع بحق الكاتبة بلقيس الربيعي في حمل قصة زوجها بتفاصيلها الكثيرة والغنية وبشقيها العملي والرومانسي اينما تذهب وروايتها في كل مكان تحل فيه، وتشد آذان الجميع للاصغاء الى قصة الشهيد ابو ظفر، التي اصبحت قضيتهاالتي نذرت لها حياتها، وهدفها في ايصال صورة متكاملة عن الشهيد الى كل الناس والى حجر وشجر الأرض . لعل كتاب ( لك تنحني الجبال ) يساهم في تعريف القارئ بقصة الشهيد، فيضيف بعض السعادة الى روحه وقلب زوجته المحبة بعض الراحة والهدوء، لانها لم تقصر ساعة في حق ذلك الرجل الفذ

جاسم الولائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close