دنيا الأدب، حدائق الورد

دنيا الأدب، حدائق الورد * د. رضا العطار

يروي الاديب العربي جبرا ابراهيم جبرا في كتابه (معايشة النمرة)، فيقول :
طبقا لحسابات البابليين، انهم اذا اردوا التعبير عددا عن الكثرة قالوا سبعة ايام وسبع خطابات وسبع رجال دون ان يقصدوا بالضرورة العدد الذي هو خمسة زائدا اثنين – – واذا ارادوا مضاعفة تلك الكثرة قالوا سبع مرات سبعة، دون ان يعنوا بالضرورة العدد 49 .
وكان العدد الاكبر الذي يوحي بكثرة اكبر من السبعة هو اربعون، ومنها الاربعون حرامي، والاربعون فارسا، والاربعون جنيا، والاربعون يوما وليلة التي تقام فيها الافراح وهكذا. ولم يكن بالطبع يقصد بها بالضبط 4 في 10 .
ثم كان هناك عند الاقوام القديمة عدد الالف الذي يدل على الكثرة الكاثرة بشك مطلق، دون ان يعنى بذلك ما نقصده اليه بالعدد الذي هو مئة مضروبة بعشرة، وكان العرب يضيفون واحدا الى الالف تاكيدا لهذه الكثرة المطلقة – فيقولون : الف ليلة وليلة، كما يقولون : هناك الف سبب وسبب لأمر ما.
ولا بد من الاشارة الى ان الاوربيين وجدوا ترجمة هذا العدد غريبا، فاثروا استعمال كلمتي (الليالي العربية) – ربما لطرافته.

وحكايات (الف ليلة وليلة)، كما وصلتنا في اشكالها المتباينة، لا يمكن ان تستغرق فعلا الف ليلة وليلة في سردها – ويبدو ان جامع الحكايات الاول، بعد ان اطلق هذا الرقم التقليدي على لياليه، لم يكن يتوقع ان احدا سيدونها في يوم قادم، ويوزعها على الف ليلة وليلة بالضبط، مما سيضطر هذا الموزع الى اختصار الليالي الى اقل من الكلام. الامر الذي لن يقنع احدا بان شهرزاد، البارعة بالبوح والسرد، كانت في تلك الليالي قصيرة النفس قليلة الحيلة الى ذلك الحد.
فالمسألة اذن لم تكن الا مسألة شكل صرف حيث يتدخل (الفن) في المادة النصية الميسرة دونما التزام بالضرورة والمنطق.

هذا الموقف من العدد والشكل امر اساسي في فهم تعددية الصيغ التي جاءتنا فيها هذه الحكايات. وهو ينسحب ايضا على المادة الحكائية واساليبها ولغتها في كل عبارة منها، ابتداء من موقف الراوي الشفاهي الذي يتفنن في اجتذاب سامعيه كل مرة متحررا من كل قيد، لينتهي الى موقف المنشئ اللغوي الذي سياتي الى قصص لم يدونها ادباء العرب تدوينا دقيقا ايام كانت الحضارة الفكرية واللغوية في اوجها، فيحاول ان يقحم تدوينات من ليالي السمر في قوالب لغوية فصحى متماسكة معا بضرب من العقلانية المفترضة. ويبتدي ذلك واضحا بمقارنة الاسطر الاولى من (الليالي) في عدد من الطبعات المختلفة منه، والحكاية التالية احدى صورها :

(حكاية الملك شهريار وابنة وزيره شهرزاد) حُكي، والله اعلم بما خفي من سير ما فات من الاقوم والايام، انه فيما مضى من قديم الزمان وسالف العصر والاوان، في عهد ملوك ساسان، كان ملكان اخوان، كبيرهما يدعى شهريار والصغير يدعى شاه زمان، وكان الاخ الاكبر فارسا من اشجع الفرسان، وبطلا لا يبارى في القوة والاقدام، وسلطانه بلغ اقصى تخوم البلاد ومن فيها من سكان. فاحبه اهل مملكته وقدموا له فروض الطاعة والعرفان. وكان شهريار ملكا في الهند والصين، اما اخوه فاعطاه بلاد سمرقند ليكون ملكا عليها ومرت عشر سنوات، فاشتاق شهريار الى اخيه الملك.

سبق وان ذكرنا اعلاه بان الروايات المتواردة كانت تتباين بين النسخ، ليس فقط في كثافة النص والتفاصيل المكانية والزمانية – ففي الصيغة الثالثة هنا – تمر على الاخوين فترة عشر سنوات حين يستبد الشوق بشهريار، بينما الفترة في الصيغتين السابقتين هي عشرون سنة. – – – الا ان التباين الاعظم سيكون في الحكايات نفسها في ما يرد او لا يرد فيها، دع عنك تركيب الجمل وموقع كل حكاية من تسلسل الليالي – وهذا يؤكد ان تقسيمها الى ليالي مرقمة كان في كل مرة فعل جامع جديد للحكاية، لم يقلقه ان كانت ثمة جامع اخر في بلد اخر قد انخ خطة اخرى لصيغة الكاتب النهائية. – – – ويبقى السؤال : متى جُمعت الحكايات مدونة لاول مرة تحت عنوانها العتيد (الف ليلة وليلة) ؟
ان الذي اوحى بحكاية الف ليلة وليلة قد يكون قد انحدر من الاصل الفارسي (هزار افسانة) اي (الف حكاية) ولكن الذي حدث ان النسخة الفارسية الاصلية وكذلك النسخة العربية المترجمة قد ضاعتا في خضم خلط المأثورات العربية بالفارسية والهندية – ولعل بعضها يعود الى اصل صيني، كما ان بعضها لا بد جاء عن اصول رافدينية قديمة بقيت حية على السنة الشعبيين في العراق.

عندما كانت الدولة العباسية في عصرها الذهبي، لم يبالي ادباؤها لهذه القصص فكان اهتمامهم منصبا على مستويات، لا تقل عن ابي تمام والمتنبي او بثر الجاحظ وابي حيان، ففي تلك الفترة انتشرت الحضارة العربية من اقاصي الصين الى اقاصي الاندلس. فكانت المعارف تصب في بغداد من كل ضرب ولون. كما صبت الحكايات والنوادر متمازجة مع المأثورات الشعبية. وبذلك بقت بغداد قبلة الرواة والقصاصين جيلا بعد جيل حتى غدت حلما وتوقا وتاريخا – هي المدينة الامثل والاروع.

عن هذا الاصل (الف ليلة وليلة) الذي يعتقد انه ظهر قبل ستة قرون، تفرعت النسخ الى سورية ومصرية – وثمة المخطوطة السورية ما زالت محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس. وهي اقدم المخطوطات الموجودة واقربها الى الاصل اذ انها كانت في القرن الرابع عشر – وللمزيد تطالعنا الدراسة الدقيقة التي كتبها بالانكليزية الدكتور حسين هنداوي، الاستاذ العراقي في جامعة نيفادا في الولايات المتحدة التي جعلها مقدمة لترجمته الانكليزية المتميزة بامانتها وجمال اسلوبها.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close