الطب والشعر / عَـضّة الثلج

الطب والشعر / عَـضّة الثلج
د.حسن كاظم محمد
في ستينيات القرن الماضي كنت أعمل في منطقة نائية في كردستان العراق، تحيطها جبال مغطاة بالثلوج صيفاً وشتاءً. كان جزءا من تأدية الخدمة الإجبارية بعد التخرج من كلية طب بغداد بما يُعرف بالقرى والأرياف في مستوصف بسيط مع كادر مساعد من أهل المنطقة.
في أحد الأيام قدِم لغرفتي أحد العاملين وهو ينادي (إلحگ دكتور، مريض بحالة خطرة). أسرعتُ بالخروج وإذا بثلاثة من القرويين ومريض بعمر الشباب نائم على المصطبة في صالة الإنتظار. بعد الترحاب بهم سألتهم ما الأمر؟ فأجابوا بنبرة واحدة “دكتور الله يخليك، خَـتر خَـتر (بمعنى خطر)، رِجله ثلج”. بعد التهدئة أدخلوه غرفة الفحص، خلعوا حذاءه (اللاستيكي) وجواربه الصوفية المحيوكة محلياً، وهو يرتجف ولا يمكنه التكلم بوضوح. غطّوه ببطانتين وبعد استراحة وجيزة تفحّصت موقع الشكوى فلاحظت أن القدمين والساقين لحد الركبتين كانتا بلون مائل للأسود وباردتان والإحساس بهما شبه معدوم مع صعوبة حركة القدمين. طلبت من المريض أن يخبرني بما جرى، فأجاب برعب وبصوت متقطع “عند عودتي من إحدى القرى صادفتني عاصفة ثلجية وأخذت تزداد شدّةً وبدأ الثلج بالتراكم حتى أصبح السير بطيئا وعسيرا وغرزت ساقي في الثلج وصار الحس بهما يقل تدريجيا حتى الإنعدام مع غشاوة في النظر. لمحني أحد القرويين فأسرع لنجدتي مع اثنين آخرين وتمت عملية إسعافي والحمد لله”. سألته كم مرّ من الوقت، فأجاب “من بداية سفرتي لحين وصولي لكم حوالي عشر ساعات، خو مو خطر؟ گالو بتر دكتور”. حاولت أن أطمئنه وباشرنا بتغذيته عن طريق الوريد لتدفئة جسمه وتنشيط الدورة الدموية وذلك فضلا عن تدفئة جسمه بالأغطية المتوفرة. بعد عدة ساعات تحسّنت حالته العامة ولون أطرافه، لكن يبقى احساسه بهما والقدرة على المشي غير ممكنين إلاً بعد مدة. تركنا شاكرا ومودعا بعد أن أركبناه على البغل لإيصاله إلى البيت برفقة النشامى الذين أتوا به. ولصعوبة حركته وتسهيلا لأمره قمت بمراجعته في البيت مع المضمد بضع مرات لاستكمال تطبيبه بالمراهم والمعقمات والعلاج الطبيعي مع توجيهات طبية بسيطة لحين التحسن الكامل لوناً ووظيفةً. ودّعته وودعني مع القبلات.
الحالة الطبية التي ألمّت به تدعى عضّة أو قضمة الصقيع (Frostbite) وهي من الدرجة المتوسطة في شدتها.
للقصة بقية:
خلال الفترة من 2005 إلى 2018 كنت أعمل في أربيل كاستشاري لجراحه العظام والمفاصل. وفي تجمع عائلي للأصدقاء، جاءني شخص مرموق وسألني: هل أنت دكتور حسن؟ نعم أنا، عفواً وأنت؟ ذكّرني بأنه هو ذلك الشخص أبو العاصفة الثلجية قبل أربعين عاما. تذكرته جيدا، شاركنا الطاولة مع زوجته ودار بيننا حديث جميل وربط الماضي مع الحاضر. ترسخت العلاقة عائلياً، وبدأت الزيارات فيما بيننا، وكان يكرمنا موسمياً بكمية كبيرة من النارنج من حديقته ونكرمه التمر البرحي من حديقتنا في بغداد تقويةً لأواصر الصداقة.
في أواخر عام 2018، وفي الحفلة التوديعية التي أقمتها لمناسبة رجوعي إلى بغداد، ألقى أخونا المذكور كلمة ارتجالية باللغة العربية نالت استحسان الجميع مشيداً بالخدمات التي قدمتها لأهالي أربيل عموما وما قدمت له في الماضي البعيد وعن قصة إسعاف ساقيه اللتين يقف عليهما، فألف تحية له.
الأبوذيّـة:
أمـشي بْـدرب وسْـماي ذبَّـت وفُـر
أكـمّـل مشيتي لو وَره أرجـع وفُـر
ربّـك قــديـر ولـو راد يِـكـرم وفــر
تِنفِـتح باب السِمه وتْـصير گمريّـه
القصيدة:
بْـلحظه السِمه ظَـلّمت وِنْـتـه طـريـقـك وعِـر
رعْـد وبَرق ومَـر هَـوه بارد قوي وذَب وفُـر
غصّـت الساق بْـثلج والـحِـس هُـبَـط لـلعُـشر
مَـحّـد عِـرف باچـره وْلا عِـرف سِــر السَفَـر
لتگـول كلشي سَهـل وبْكُـل شي عـندي نَـظَـر
∞ ∞ ∞ ∞
كُـل تـجـربه الّي تُـمُر تِـطّـيـك حِـكـمه وعِـبـر
وحْـدك صعُـب من تِگع في أزمه بيهه خَـطَـر
هَـم زيـن ربّـك سِتـر من الـقريه شافـك نَـفـر
الـمـرّه الـتجي وتِـتّـكل رافـج صديـق الـعُـمر
تـتعـاون عْـله الدرب ولا قَـلق وكْـت الـعُـسر
وإلى اللقاء

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close