النظام الشمولي وكيف الأنظمة الشمولية تَمَكَّنت أن تشقّ طريقها من خلال الديمقراطية؟

النظام الشمولي وكيف الأنظمة الشمولية تَمَكَّنت أن تشقّ طريقها من خلال الديمقراطية؟
د. ماجد احمد الزاملي
هناك عدد قليل من الدول في العالم الحديث لديها دساتير عمرها أكثر من قرن من الزمان. والغالبية العظمى من دول العالم لها دساتير مكتوبة في القرن العشرين أو القرن الحادي والعشرين. والدول التي هُزمت في الحرب العالمية الثانية من هذه الدول ، مثل ألمانيا وإيطاليا واليابان، ودول أخرى عانت من حروب أهلية وثورات في القرن الماضي، مثل الدول التي كانت من ضمن جمهوريات الاتحاد السوفييتي، واسبانيا والصين. المملكة المتحدة والولايات المتحدة هما وحدهما تقريبا من بين الدول القومية المعاصرة الكبرى في امتلاك الترتيبات الدستورية التي سبقت القرن العشرين. فالشرعية تحمل بعدين أولهما يراعي الشق القانوني أي تكون كل الممارسات التي تقوم بها الدولة تتوافق مع ما نص عليه القانون و الدستور والشق الثاني الذي يُفسِر و يعكس لنا البعد القِيَمي، أي أن تكون العلاقة القائمة بين الحاكم و المحكوم مبنية على التوافق ومنه يتحقق التأييد و الرضا العام و بذلك تكتسب السلطة شرعيتها. فإذا عَرَفنا أنَّ الديمقراطية هي مشاركة الشعب في الحكم و السلطة باختيار ممثليه في مؤسسات هذه السلطة لإيصال صوته و متطلباته إليها و من هنا نعرف ما لذلك من أهمية لحضور تأثير الشعب في صنع القرار و لكن هذا التأثير يحتاج إلى حالة من الأمن و الاستقرار تجعل المواطن واثق من نفسه مطمئن عندما يُبدي حقه السياسي و إبداء رأيه وبناءاً على ذلك يكون هذا المجلس أو تلك المؤسسة الديمقراطية تجسيداً للمشاركة الشعبية فالإستقرار إذن هو استقرار سياسي اجتماعي يضمن للجميع التأثير السياسي و المشاركة الديمقراطية و لكن الإستقرار السياسي كثيراً ما يكون خادع و لا يُعبّر عن أي مشاركة شعبية و الأمثلة التاريخية توضح ذلك.
و في الفلسفة اليونانية التي تُمَثِّل نظرية أرسطو صورة للحاكم الطاغية وهي (الطاغية في صورة السيد) حيث يعتقد أرسطو أن هناك أناساً مهيئين بطبيعتهم لأن يكونوا عبيداً، لأنَّ التفرقة بين الأعلى والأدنى موجودة في الطبيعة وفي جميع الأشياء، فالنفس أعلى من البدن وبالتالي كان من الطبيعي أن تسيطر عليه، ومثل ذلك العلاقة بين الإنسان والحيوان والعلاقة بين الذكر والأنثى، وينتهي أرسطو إلى الحكم على بعض الأجناس بأنهم رقيقوا الطبع والبعض الآخر أحرار بالطبع، وقد خَصَّ الإغريق بأنهم سادة لا يجوز استرقاقهم، بينما الشرقيين هم بطبيعتهم عبيد، ولذلك أرسل إلى تلميذه الإسكندر الأكبر رسالة ينصحه فيها بمعاملة اليونانيين كقائد ومعاملة الشرقيين على إنه سيّدهم. يعتقد أرسطو أن الطاغية يلجأ إليها للاحتفاظ بعرشه، والتي تبدو مألوفة لنا تماماً حتى في عصرنا الحاضر، فمن تدمير روح المواطنة وزرع الشك وانعدام الثقة بين المواطنين إلى القضاء على البارزين من الرجال وأصحاب العقول الناضجة، إلى منع الاجتماعات وحظر التعليم إلى اجتهاد الطاغية في أن تكون لديه معلومات منتظمة حول كل ما يفعله رعاياه وما يقولونه، وهو ما يعني أن تكون هناك شرطة سرية وجواسيس، إلى بذر الشقاق والنميمة والحقد بين طبقات الشعب، إلى آخر تلك الوسائل وهو إفقار رعاياه حتى ينشغلوا بالبحث عن قوت يومهم فلا يجدون من الوقت ما يتمكنون فيه من التآمر عليه. ونظراً لغلبة الطابع التسلطي على بنية الدولة القطرية، فإنها تولي إهتماماً كبيراً لبناء مؤسسات القهر، والقمع، مما يجعلها أكثر المؤسسات تطوراً، فعلى الرغم من بعض الخطوات التي اتخذتها بعض الدول العربية عن طريق التعددية السياسية و التحول الديمقراطي، و لكن هناك الكثير من المؤشرات التي تؤكد على أن الدولة ستبقى مهددة بعدم الإستقرار إن لم تتحول إلى دولة وطنية ديمقراطية، و من المهم أن تنجح المجتمعات في السيطرة على الدولة و القضاء على التسلطية، وتطوير الدولة كأداة شرعية تُنَظِّم و تُجَسد الإرادة العامة.
و مشكلة الأنظمة الشمولية و أجهزة إعلامها و من والاها من مرتزقة القلم والمعرفة أنهم يأتوك بأشباه حقائق و أنصاف مفاهيم ليستروا تسلِّط وإرهاب الشعب من قبل هذه الأنظمة و يبرروا جرائمها و عدم شرعيتها فنرى الخلط بين الاستقرار السياسي و الديمقراطية و التطور و الأمن و التنمية في مختبرات الأجهزة القمعية الرهيبة و في محاولة لاستغباء العقول.فالشمولية نظام يعطي حزباً واحداً احتكار النشاط السياسي بكامله, يقوم الحزب المحتكر على إيديولوجية يتسلح بها, وتقود فعالياته ويمنحها سلطة مطلقة وتصبح بالتالي الحقيقة الرسمية للدولة. وعندها تصبح الدولة مُنَظِمَة الأنشطة وخالقتها ويصبح كل نشاط خاضع للإيديولوجية الرسمية, وكل خطيئة تُرتكب في نشاط اقتصادي, أو مهني, يُعتبر خطأً إيديولوجياً. والشمولية مجتمع تؤثر فيه آيدولوجية الدولة والسلطة على معظم المواطنين، كل شيء في الدولة يتبع للدولة ويعمل لمصلحة الدولة, والنظم الشمولية، على خلاف النظم الديكتاتورية التقليدية، تستطيع بل وتقوم بالفعل بإستغلال كل إمكانات ووسائل الاتصال الحديثة لتؤثر في جموع الشعب لتكسبها إلى صفِّها، وبأخذ الأمور على ظواهرها تَصَورَ البعض أن هذه الواجهة الديمقراطية هي تعبير عن نظام ديمقراطي بالفعل حتى أن بعض المحللين ذهب إلى أن الشمولية ما هي إلا إحدى نتائج الممارسة الديمقراطية، ولكن حقيقة كون من يملكون السلطة يحاولون إضفاء قدر من الشرعية على “نظامهم الديكتاتوري” عن طريق اللجوء إلى جموع الشعب والتأثير فيها للحصول على تأييدها لا يعني أن النظام ديمقراطي ولكنه دليل على وجود نظام ديكتاتوري في عصر تسوده ظاهرة الديمقراطية التي تضفي أهمية على جموع الشعب في العملية السياسية، فالواجهة الديمقراطية هامة جداً للنظام الشمولي لأنه نظام يَدَّعي تمتعه برضا جموع الشعب، فالنظام الشمولي يدرك تناقض ادعائه بأنه نظام تتمثل فيه الإرادة العامة للشعب من جانب آخر ذلك لأن اختلاف الأفراد والجماعات الطبيعية لابد أن يُعبِّر عن نفسه في قيام أحزاب وجماعات ذات مصالح مختلفة. الحزب والفكر الشمولي يريد بناء مجموعات من الشعب في داخلها الجميع متساوين، وفي خارجها هناك خلاف كبير. في هذه التجمعات أو المجتمعات، الزعيم سيكون له وضع متفرد.فهو لن يتصرف ضمن سلطة تراتبية نقارنها بقادة الجيوش أو الدكتاتوريين التقليديين، الذين يبدون بشكل نسبي مستقرين. الزعيم لن يبقى زعيما إلا إذا وضع الجماهير في حالة هيجان أبدي، والمجتمع لن يبقى مجتمعا إلا إذا اتِّبَعَ يوماً بعد يوم إرادة هذا الزعيم. لكن هذا المجتمع غير متساوٍ.
أنَّ وجود القائد الزعيم هو أهم المعالم المميزة للنظام الشمولي بل وأهم بكثير، في نظرهم، من غيره من المعالم بما في ذلك الأيديولوجية, ذلك أنه هو القائد الذي يوظِّف الأيديولوجية وفقاً لإرادته كما فعل هتلر مثلاً الذي تجاهل أحياناً وتخطى أحياناً أخرى الأفكار والمفاهيم الأساسية للاشتراكية القومية، وليس أدل على أهمية دور الزعيم في مثل هذه النظم من إدخال الممارسات التي تكرّس عبادة الزعيم. والقائد في النظم الشمولية يحتكر كل السلطات حتى مع وجود حزب يحكم ظاهرياً، فكل السلطات تنبع منه وتعتمد على إرادته التي يمارسها بصورة تحكمية بحتة، والزعيم في هذه النظم لا يكون قبل الأيديولوجية وفوق الحزب فقط ولكنه يكون قبل وفوق القانون أيضاً، ولا يعني هذا عدم وجود قانون أو دستور في مثل تلك الأنظمة، ولكنه يعني أن أفعال وتحركات وقرارات القائد التحمكية لا تخضع للقانون الذي يستمر رغم ذلك, لإعطاء واجهة شرعية وتبرير قانوني لتصرفات الزعيم التعسفية. لا شك أن السلطة الشمولية التي حكمت لفترة طويلة أستمد منها الشعب فكرها وقناعاتها وحتى المبادئ فهو نتيجة تجهيل وتربية حقد وكره نتج عن الفقر والظلم الذي جرى له فرغبة هذا المُضطَهَد القديم أن يكون هو المُضطَهِد الجديد أن تتجدد الحقبة الاستبدادية بوجه أخر وهذا ما تعنيه الثورات فهي ليست فقط أحلام وردية برجوع الحق والعدل بل الثورات قد تنتج نفس النظام الاستبدادي ولكن بمستفيدين جدد وهنا مرة أخرى تتشكل مهمة الأحرار ,وهنا أستطيع القول بعد هذا العرض بأنَّ المهمة الأولى والأخيرة لهؤلاء أن يكون صرخة الحق أمام كل الفساد اللإنساني والأبعد من ذلك السعي إلى نشر الوعي فالوعي والإنسان المتعلم لا الجاهل هو وحده من يستطيع أن يكون عقبة في إقامة دولة جائرة وبالطبع هذا الإنسان الحر لن يقف خلف مؤسسة أو دار عبادة فهو يقف دائما خلف الحقيقة والحق الذي لا يتغير ولا يُستبدل فالإنسان وحرياته والعدل هو أهم ما يمكن العيش من أجله وأن لا يكون الإنسان مجرد وقود يُحرق لتعيش هياكل وهمية هدفها تمكين الاستبداد والظلم وأن لا يكون الإنسان عبد لغيره ولا عبد لرغباته وللرذيلة وهذا أصعب تحديات الأحرار الذين يهدفون إلى زرع هذه المفاهيم الفكرية التي تحمي الشعب من الجهل والاستبداد.
أغلب الكتابات السياسية تنظر إلى الحكم الشمولي على أنه نقيض الديمقراطية، واعتبارها أحد أشكال الديكتاتورية، تتميز عن نظم الحكم الديكتاتورية التقليدية بمحاولتها إدِّعاء علاقة وطيدة بينها وبين الديمقراطية، تتسم بقدر هائل من المركزية ومن التحكم السلطوي في كل أوجه الحياة في المجتمع، سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية على حدِ سواء، وهي إحدى طرق الحكم يسيطر فيها حزب واحد فقط على الحياة السياسية فى الدولة ولا يسمح بوجود معارضة أو تداول سلمي للسلطة، كما لا تسمح بوجود مؤسسات تتمتع ولو بقدر من الاستقلال، ووجود مثل هذه المؤسسات مرهون بتصريح من الدولة ويكون تحت رقابتها المشددة، تتحول فيها الدولة إلى نظام المجتمع المغلق وتكون تحت سلطة فرد أو فئة أو فصيل واحد، ودون أن تعرف الدولة حدودًا لسلطاتها أو مساحات تتمايز فيها الدولة عن المجتمع أو الدولة عن الفرد، وتُكَرِّس درجة عالية جدًا من التدخل والتحكم في حياة الأفراد الشخصية كما تسعى بكل جد لتنظيم كل مظاهر الحياة العامة والخاصة ما أمكنها ذلك.
وعليه فيمكن القول بأن ضعف الدول , يُقاس في الكثير من الأحيان، بمدى قوة الشرعية فيها أو انحلالها ففي معظم الأقطار العربية نجد الشرعية شبه غائبة ولكن في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة العربية أو بما يعرف بالربيع العربي أعطى رؤى جديدة سمحت للقوى الشعبية في أن تظهر لتفرض نفسها من أجل إيجاد وصياغة أنماط شرعية جديدة تدعى بالثورات الشعبية، وذلك من أجل بلوغ شرعية السلطة القائمة. فمصادر الشرعية في الأنظمة السياسية العربية اتسمت بالتقليدية وعدم الثبات الأمر الذي أدى إلى اهتزاز استقرار النظام السياسي فيها إذ نجد أن السلطة في تلك الأنظمة، دائما تسعى لكسب شرعيتها انطلاقاً من شخصيات كاريزمية وزعامات سياسية سابقة أو تجعل من اللين كذريعة لتبرير شرعيتها في الوقت نفسه نجد أن هناك غياب شبه كلي للمصدر العقلاني القانوني، الذي يعتبر الأساس في عملية استقرار النسق السياسي وثباته. والأمر الذي أدى هو الآخر من زيادة حدة مشكلة الشرعية، في الأنظمة السياسية العربية هو الإحتكار و الاستبداد و التسلط الممارس من قبل السلطات ، إذ شكَّل كل هذا عائق أمام عملية البناء المؤسسي في تلك الأنظمة، إذ أصبحت الدول العربية عاجزة أمام هذه المشكلة وأثبتت عدم قدرتها على ترسيخ وتثبيت قيم الشرعية من جهة، وعدم قدرتها على إثبات نفسها باعتبارها مركز الولاء للفرد من جهة ثانية. فمن أخطر الأزمات التي تصيب النظام السياسي هو أزمة الشرعية،وهو ما تعاني منه أغلب الدول العربية المعاصرة، ومن بين الأسباب التي تؤدي إلى ذلك هي:
عدم قدرة الدولة لتثبت قِيَم الشرعية من جهة، وعدم قدرتها على جعل نفسها بؤرة الولاء الأكبر للفرد. وتنامي نفسية وذهنية الولاء الفردي لكيانات ما قبل الدولة مثل الإنتماء الجهوي والطائفي والقبلي عجز الدولة أن تكون وعاء لسياسة تعكس المصالح الوطنية العامة. وعجز الدولة كذلك على إشاعة الدولة الديمقراطية والقانونية كإطار لمفهوم المواطنة وتجاوز كل أصناف الولاء التقليدي، إلى مصاف الولاء للدولة والقانون.
إخفاق الدولة في تحقيق الإندماج السياسي والإجتماعي والإقتصادي والعدالة التوزيعية فيما يخص السلطة والثروة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close