قراءة في المجموعة القصصية ( في الوقت الضائع ) للاديب الدكتور صالح الرزوق

يتميز الابداع الاديب بالنشاط الدؤوب والحثيث في المثابرة والجهد في جوانب متعددة من الموهبة الاصيلة في اصناف الادب ( النقد والترجمة ) ويداوم على حضوره المرموق في الساحة الادبية والثقافية , كعنصر فعال في عطائه الثر , بما يملك من ثقافة واسعة يوظفها في روائعه الادبية, ويركز على التحليل النقدي الموضوعي في الابداعات السردية ( القصة والرواية ) . ويقدم لنا في براعة هذه المجموعة القصصية ( في الوقت الضائع ) , يحاول من خلالها ان يوغل في منصات الواقع الملتهبة والحساسة والطافحة على المكشوف , ان يضع بصماته الكاشفة في عقلية المجتمع وسلوكيته  في الماضي والحاضر . في مختلف اشكال  السرد في تقنياته ومكوناته , سواء جاءت عن طريق في شكل  مذكرات يومية لطالب الدراسة في المجتمع الغربي , في  محاولة لكشف صيغة العلاقة بين المجتمع الشرقي والغربي , ونلمس الجانب السلبي من الاول , في نقل   الامراض الاجتماعية في المجتمعات الشرقية ونقلها الى الجانب الغربي  ,  من خلال وجود الجاليات العربية التي تدرس في المجتمع الغربي , والتي تنقل عيوبها وسلوكها السلبي تجاه الحضارة الاوربية , في الفشل والعجز في التكيف والانسجام مع المجتمع الغربي , بما يسبب لها ان تبقى علاقة هامشية وسطحية , بين العقلية العربية والعقلية الغربية, وفي ابراز عيوب هذه العلاقة غير المنسجمة وغير المتكيفة  .  وايضاً من خلال وجود  الطالب وهو الشخصية المحورية الساردة في النص القص في القصة ( بحثاعن ميشيل فوكو ) . في سعيه في  البحث في العثور على   ارشيفية الفيلسوف الفرنسي ( ميشيل فوكو ) . كوسيلة في الدخول في تفاصيل الاحداث , التي تبرز شكل العلاقة الهامشية مع المجتمع الغربي , ينقلها الدارس والطالب . ويستخدم  الحدث السردي الشخصية المحورية الساردة ,  في انطاق الاحداث اليومية . وكذلك في تفاصيل علاقاته الشخصية مع صديقته ( اليزابيث ) في الدخول في تفاصيل هذه العلاقة السلبية في النكوص في التكيف  , وتعليل هذه العلاقة في نقصان شهاة الاعتراف بالخطأ  , بأن نضع اللوم على المجتمع الغربي  ولكن ( تعزونا الشهادة لكي نلتفت الى أنفسنا للتفتيش عن جذور هذه المنغصات ) .
او في حالة  استخدام وتوظيف المورث التاريخي للعصر عشية نهاية الانهيار الدولة العباسية , من خلال سرد احداث  القصة  الثانية ( على خط النهاية )   يكشف من خلال منصات احداثها   , الالية التي حفرت في انهيار هذه الدولة من الداخل من النخبة الحاكمة على ادارة شؤن البلاد ,  والتي انشغلت في صراعاته الداخلية في الاستيلاء والاستحواذ على الامارات والنفوذ والمنصب والمال , وعدم القدرة في احتواء  هذه الصراعات والنزاعات , في توزيع الحصص والنفوذ , داخل المناطق وحتى داخل الاحياء الواحدة ,  بين مراكز القوى الحاكمة . يتناولها في شفافية السرد الممتع الذي يشد القارئ , لكنها تملك عمق فكري عميق في واقعنا العربي الحالي . ان المجموعة القصصية ( في الوقت الضائع ) تحتوي  على قصتين , وهي :
 1 – قصة ( بحثا عن ميشيل فوكو ) :
الشخصية المحورية الساردة للحدث . وهو طالب يحاول ان يحصل على ارشيف مخطوطات الفيلسوف الفرنسي ( ميشيل فوكو ) وينخرط في البحث عن الارشيف ويواجه صعوبات وعراقيل في البحث , كأنها رحلة المتاعب والارهاق , وبالتالي بعد عدة محاولات فاشلة يرجع في خفي حين , ومن خلال سعيه للحصول على الارشيف المذكور  .  يسلط الضوء على علاقة الجاليات العربية بالمجتمع الغربي , وشكل ونوع  هذه العلاقة التي تتميز بالخيبة والاحباط , في التكيف والانسجام مع المجتمع الغربي . وتظهر  بكل وضوح العقلية التي تنتمي الى العالم المتخلف , او بالاحرى العالم الثالث . بأن يتخللها العيوب والثغرات والنواقص  . لذلك تبقى علاقة هامشية من خلال ما يتوارد من اخبار من الجاليات العربية , عبر الوسيط الطالب السوداني الذي يمازحه  بأن السودان سلة غذاء العالم .  وكذلك العلاقات الاجتماعية مع الرجال والنساء, يعتريها جملة عيوب وسلبيات . وتندرج  هذه العلاقات الجافة مع الشخصية المحورية في المتن السردي مع صديقته ( اليزابيث ) يشوبها الفتور والسطحية في العلاقة ( أيا كان الامر , أن علاقتي بالزابيث سطحية , وحتى لا اعلم ماهو اسمها الثاني , وحين أسأل عنها أشير لها بأسم الانسة اليزابيث فقط ) . اي ان هناك برود وشحوب في العلاقة السلوكية وهي صورة من علاقات الجاليات العربية مع النساء . تتميز بالهامشية  , حتى في العلاقة الرومانسية . رغم بساطة اليزابيث ( لم تكن اليزابيث تنتمي لعالم الرفاهية , الذي لا ينقصه وسائل الراحة , كانت قريبة من دائرتنا , نحن ابناء العالم الثالث , ايتام هذا العصر الجاف المفترس , لقد كانت لديها عواطف رومنسية , لم تلوثها الصناعة والمادة , أو دورة رأس المال , كانت معتدلة في الانفاق على ملذاتها , مع ذلك هي ليست دفتراً مفتوحاً , أو بيتاً من غير ابواب ونوافذه مشرعة , كما هو شأننا ) .
واخيرً لم يحصل على ارشيف الفيلسوف , كأنه يركض وراء سراب غودو , فلم يتمالك انفاسه الحانقة , إلا باللعنة .
2 – قصة ( على خط النهاية ) :
 محاولة الغوص في الموروث التاريخي  لنهاية عصر الدولة العباسية . كيف ألت الامور الى السقوط والانهيار , والفوضى في ادارة شؤون البلاد بتعدد مراكز القوى والنفوذ داخل النخبة الحاكمة والمتسلطة بين جماعتين , جماعة البصاصين وجماعة رجال العسس .  بينهم من صراعات متنازعة على النفوذ والمال وتوزيع حصص المناصب , والمناطق والامارات , وحتى النزاعات المتصارعة على النفوذ داخل الاحياء . وكل منهما يدعي انه يؤدي فروض الطاعة للسلطان ويحفظ العهد والامانة وهو الامين المأمون على خدمة السلطان والرعية , ولكن كلاً منهما يحفر في الهدم والانهيار الدولة والملك والسلطنة , وكلاً منهما يملك استقلالية وشريعة وفتاوى خاصة يسير عليها . ولكن تأجيج هذه الصراعات تصل الى المعارك  , وتمتلئ السيوف بالدماء , من اجل الاستيلاء والاستحواذ على الامارات , وهو ما يدل العطش الى النفوذ والمنصب . بعيداً عن الرعاية  واحوال الناس . هذه السلبيات بتنازع على مراكز القوى والنفوذ داخل النخبة الحاكمة , تنعكس سلباً على الاحوال المعيشية للناس والفقراء . مما يزيد حالات تراكم التمرد والرفض , بوضع حواجز امام ديمومة الحياة وتقود الى المتاهة ( وتعمد ان يدخل في متاهة في الدروب الخلفية , حيث توجد بيوت الفقراء , انها دور كئيبة , ولا يتطاير فيها دخان الطعام , وبينها في الفراغات اشجار نخيل لا تثمر لانها مذكرة ) , والشخصية المحورية الساردة . كان يزمع البحث عن سكن ابو زيد البسطامي , و ويتحرك في الرصد  من الكشف في عيوب السلطة والنخبة الحاكمة , التي تتحكم بها مصالحها  الذاتية الجشعة . وكلا الجماعتين ,  جماعة البصاصين وجماعة  ورجال العسس , كل منهما يسكب الزيت والنار على الاخر . في المناوشات والمنازعات حتى الاقتتال  بالسيوف والدماء ( وكانت هناك مناوشات بين فريقين , وشاهد بعض السيوف تقطر بالدم , ثم ألتقى برهط يفرزون الاموات , لم يستطع ان يعرف ماهو المعيار , لكن لاحظ ان جميع الجثث , نسخة واحدة من القسمات  ) . هذه الفوضى من الصراعات  حتى لا يعود المقاتلين الى ديارهم , ولا يحبذون الصلح والتفاهم بينهم , وبذلك لم يجد ما يسعى اليه الشخصية المحورية من المخطوطات المكتوبة والتي اكتشفها , كأنها كنز ثمين , عشية  انهيار الدولة العباسية , التي انشغلت بالصرعات الداخلية للنخبة الحاكمة .
جمعة عبدالله
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close